الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر، ويشرح أن الحلف بغير الله يعتبر من الشرك الأصغر إذا لم يكن تعظيما للمحلوف به كتعظيم الله. يستشهد بآيات قرآنية وأقوال العلماء لتوضيح أن التوكل لا يكون إلا لله وحده.
يشرح الفرق بين الحلف بغير الله والشرك الأكبر، ويبين أن النهي عن الحلف بغير الله جاء بعد فترة من إسلام الصحابة. يوضح أن الحلف بغير الله ليس شركا أكبر ما لم يكن هناك اعتقاد بتعظيم المخلوق كتعظيم الخالق.
يشرح الفرق بين دعاء الموتى والاستغاثة بهم، وهو شرك أكبر، وبين الحلف بغير الله، وهو شرك أصغر. يُبين أن العلماء فرقوا بين هذين الفعلين ولم يعتبرا دعاء الموتى شركًا أصغر مثل الحلف بغير الله.
يختم المؤلف كتابه بالإشارة إلى الرد على ما جاء فيه، ويعبر عن تواضعه واعترافه بعجز علمه أمام علم الله تعالى. يشير إلى نهاية الكتاب واكتمال ما أراد شرحه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى حمد بن ناصر بن عثمان: أهل معمر، بعدما ذكر ما ذكره هذا الذي اعترض وقال: إن دعاء غير الله من الشرك الأصغر، كالحلف، قولا، فأراد رحمه الله أن يرد عليه في هذا، وأنه أخطأ. كيف يقاس الذي يصرف العبادة لغير الله بمن يحلف بغير الله، ليس تعظيما لهذا المحلوف كتعظيمه لله، وإنما اعتاد على هذا أو غيرها من هذه الأمور؟ فإنه لا يكون كفره أو شركه مخرجا من الملة، لأنه لم يصرف عبادة لغير الله، ولم يعظم أحدا كتعظيم الله جل وعلا، بل هو يعظم الله سبحانه وتعالى، لكن يحلف بغيره. مثل ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن القيم رحمه الله: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، ونحو: ما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا. قد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده. ثم جاء أيضا عن طاوس، عن ابن عباس: لولا الكلب لما جاء اللصوص، أو لما سرق البيت، وغيرها من هذه الأشياء التي فيها جعل الأمر ينسب إلى غير الله جل وعلا. إن الأمور كلها لله سبحانه وتعالى، فينسب بعضهم الأمر لغير الله: لولا أنت لم يكن كذا، وأنا متوكل على الله وعليك. وهذا خطأ، لأن التوكل هو اعتماد القلب على الله جل وعلا. ولهذا قال بعض العلماء: إن التوكل ليس كالوكالة، الوكالة حكم فقهي، والتوكل أمر قلبي. فلهذا فالتوكل لا يكون إلا لله جل وعلا، وأما غير الله فلا يتوكل عليه؛ لأنه عمل قلبي، فمعنى أن يتوكل على غير الله، معناه جعل اعتماده عليه بقلب، وهذا خطأ. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ﴾، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾، وقال: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. قال ابن القيم رحمه الله: من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله تعالى بعث محمدا عليه الصلاة والسلام يدعو إلى التوحيد وينهى عن الإشراك. فكان أول آية أرسله الله بها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، فالرجز هو عبادة الأوثان. قال: فأنذر عن الشرك وهجر الأوثان، وكبر الله وعظمه بالتوحيد. فاستجاب له من استجاب من المسلمين، وصبروا على الأذى من قومهم، وقاسوا الشدائد العظيمة، فهاجروا وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في الله، وتميز الكافر من المسلم، ومات من المسلمين من استوجب الجنة، ومات من الكفار من استوجب النار. وهذا النهي كله قبل الحلف بغير الله، قبل أن ينهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الحلف بغير الله. فالاستغاثة بالقبور والاستنصار بهم لم يبح في شرائع الرسل كلهم، بل بعث الله جميع رسله بالنهي عن ذلك والأمر بعبادته وحده لا شريك له. وأما الحلف، فكان الصحابة يحلفون بأبائهم ويحلفون بالكعبة وغير ذلك، ولم ينهوا عن ذلك إلا بعد مدة طويلة. فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، وقال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وهذه الأحاديث صحيحة. ففي هذا النهي، لكن جاء هذا النهي بعد فترة. ولهذا في حديث الطفيل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه كان ينهاني كذا وكذا»، معناه أنه شيء يعترضه على أنه لا ينهاه. فلهذا من قال: ما شاء الله، فليقل: ما شاء الله وحده، ولا يقل: ما شاء الله وشاء محمد. وليقل: ورب الكعبة، ولا يقل: والكعبة، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فدل ذلك على أن الحلف بغير الله لم ينه عنه في بداية الأمر، ولو كان شركا بالله ويخرج من الملة لنهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام في بداية الأمر. أما رآهم يحلفون؟ قالوا: من لا يميز الفرق بين دعاء الميت والحلف به لا يعرف الشرك الذي بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ينهى عنه ويقاتل أهله. وأي جامع بين الحلف والاستغاثة؟ فالمستغيث طالب سائل، والحلف لم يطلب ولم يسأل. فإن كان الجامع بينهما عند القائل باتحادهما في أنهما قول باللسان، فيقال له: الأذكار والدعوات، وقول الزور، وقدف المحصنات، كل ذلك قول باللسان. ولو قال أحد: إنها ألفاظ متقاربة، لعد من المجانين. إن هذه الألفاظ ليست متقاربة، لكنها تقال بالألسن. قال: وإن أراد هذا القائل اتحادهما في المعنى، فهذا باطل كما تقدم بيانه. وأي مشابهة بين من جعل لله ندا من خلقه يدعوه ويرجوه ويستنصر به ويستغيث به، وبين من يدعو الله وحده لا شريك له وأخلص له في عبادته، لكن حلف بغير الله؟ فالأول أشرك مع الله في قوله وفعله واعتقاده، بخلاف الحالف. بل لو اعتقد الحالف تعظيم المخلوق كتعظيم الخالق لصار شركا أكبر كما تقدم. ومما يبين ذلك أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام نهاهم عن الحلف بغير الله. وحلف بعض الصحابة حديث العهد بالإسلام، فقال في حلفه: واللات. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله». فهذا الحديث صحيح. ولما قال له بعض الصحابة حديث العهد بالكفر: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال: «الله أكبر، إنها السنن. قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. لتركبن سنن من كان قبلكم». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي، وهو أيضا عند النسائي في الكبرى، وهو من طريق سنان بن سنان الأنصاري، وأبي واقد الليثي، والحديث حسن. وسنان قد أخرج له البخاري. قال: فانظر كيف نهى الحالف وأرشده إلى الكفارة بأن يقول: لا إله إلا الله، من غير التغليظ الشديد. والذين قالوا: اجعل لنا ذات أنواط، خلص عليهم التغليظ الشديد. يريد أن يبين أن هذا فرق. من قال: من حلف بالله والعزة فليقل: لا إله إلا الله، لم يعنف على هذا الشخص الذي حلف. وهنا الذي قال: اجعل لنا ذات أنواط، عُنّف عليه النبي صلى الله عليه وسلم أشد التعنيف. وأبين أن هذا جهل. والذي نفسي بيده، قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال: «إنكم قوم تجهلون». وحلف عليهم أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، وأن قولهم: اجعل لنا ذات أنواط، كقول بني إسرائيل: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، سواء بسواء. فهم متفقان معنا ونختلف آلهة. قال: وهذا مما يبين لك شيئا من معنى لا إله إلا الله. فإذا كان اتخاذ الشجرة للتعوذ حولها وتعليق الأسلحة بها للتبرك، اتخاذ إلها مع الله، مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها، وإنما يتبركون بها لأجل أنها تحفظ لهم هذه الأسلحة، فما الظن بالتعوذ حول القبر ودعائه في إنزال النوازل والاستغاثة به في كشف الشدائد، وأخذ تربته تبركا، وإسراج القبر وتخليقه؟ وأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة وإسراج القبر؟ ليس من الشرك الأكبر، وإنما هو من الوسائل. أو أنه إذا كان صاحب اعتقاد على أنه يضيء لهذا الولي، ما نجعل السراج لأجل أن يضيء للولي، ويعتقد أن الولي يخرج من قبره ويفعل كذا ويفعل كذا، فهذا اعتقاد شرك. وأما كان اعتقاد إيقاد السراج مثلا لأجل إضاءة الناس الذين يأتون إلى القبر، فهذا يعتبر من المعاصي مما لا يجوز. وغالبا الذين يفعلون هذا هم يعتقدون الأول. ولهذا صرح كثير من العلماء من أئمة الدعوة أن إسراج القبور يعتبر شركا. إسراج القبور يعتبر شركا. ولا يفهم من كلامهم أن يعد من أسرج قبرا فهو مشرك لا، وإنما لأجل الاعتقاد الذي جعله يفعل هذا. لماذا يسرج قبرا أو يسرج سراجا عند قبر؟ فغالبا أنه يعتقد أن هذا الولي يخرج، ولأجل أن يضيء لهذا الولي حتى يفعل كذا ويفعل كذا. فلهذا فهو اعتقاد أن هذا الولي له نفع وضر، وأيضا له خروج ودخول، وغيرها من هذه الأمور. قال: أي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون. قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك: «فانظروا -رحمكم الله- أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البركة والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فاقطعوها». والظاهر هذا الكلام كلام الإمام الشاطبي، فذكر شيئا من هذا. الله أعلم. قال: أما يبين الفرق بين دعاء الموتى والاستغاثة بهم وبين الحلف بغير الله: أن العلماء قسموا الشرك إلى أكبر وأصغر، وجعلوا دعاء الموتى والاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا رب الأرض والسماوات من شرك المشركين الذين كفرهم الله في كتابه. وجعلوا الحلف بغير الله شركا أصغر. وإن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، يفسرون هذا الشرك بما ذكرنا. ويذكرون الثاني في كتاب الأيمان، فيفرقون بين هذا وهذا. ولم نعلم أن أحدا من العلماء الذين لهم لسان صدق في الأمة قال: إن طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم شرك أصغر. ولا قال: إن ذلك كالحلف بغير الله. ليس هناك من يقول بهذا من أئمة الدعوة، ولا من تقدمهم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم. اللهم إلا أن يكون بعض المنتسبين إلى العلم من المتأخرين الضالين الذين قرروا الشرك وحسنوه للناس، نظما ونثرا، وصار لهم نصيب من قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. فهذا خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله، وبيّن من هذه الطرق أن هناك فرقا بين دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وبين من يحلف بغير الله ليس تعظيما لهذا المحلوف كتعظيم الله جل وعلا. فهناك فرق. وقد بيّن المؤلف عدة فوارق، وعدة طرق للتفريق بين هذا وهذا. ثم ذكر شبهته الأخرى، وأنه من نظر أيضا من جهة الاعتقاد، فهو كالطيرة. أنا جعل دعاء غير الله كالطيرة. سيرد عليه المؤلف رحمه الله، فإن شاء الله. نكتب بهذا والله تعالى أعلم.