التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 14

الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الفرق بين الشرك الأصغر والطيرة وتأثيرها على العبادة

يناقش الفرق بين من يقع في قلبه شيء من الطيرة مع استمراره في عبادة الله وحده، وبين من يجعل واسطة بينه وبين الله. يُظهر أن الطيرة تعتبر شركًا أصغر ولا تخرج من الملة إذا لم تؤثر على الفعل.

شرح حديث الطيرة وتفسيره وكفارته

يناقش شرح حديث الطيرة وتفسيره، ويبين أن الطيرة المنهي عنها هي التي يعتمد عليها الإنسان حتى تمنعه من حاجته. كما يذكر بعض الأحاديث النبوية التي تنهى عن الطيرة وتقدم كفارة لها.

علاقة الطيرة بالشرك ودرجاته

يشرح كيف يمكن أن يكون التطير شركًا أكبر أو أصغر حسب اعتقاد الشخص، ويُشدد على أهمية التوكل على الله وعدم الاكتراث بالتشاؤم.

الفرق بين دعاء غير الله والتطير

يلخص الفرق بين دعاء غير الله والاستغاثة به في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، وبين التطير، موضحا أن الأول شرك بالله والثاني شرك أصغر إلا إذا اقترن باعتقادات معينة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأما قوله «وإن نظر فيه من جهة الاعتقاد فهو كالطيرة»، أتقدم قول هذا المعترض بأن أدعى غير الله عز وجل، إنما هو إن كان من القول كالحلف بغير الله، أي شركا أصغر. وقد رد المؤلف على هذا الزعم، ثم إنه قال: «وإن نظر فيه من جهة الاعتقاد فهو كالطيرة». أي يريد أنه مثل الشرك الأصغر، كالطيرة شرك أصغر. قال: فهو باطل أيضا، يظهر بطلانه مما تقدم. فيقال: وأين الجامع بين شرك من جعل بينه وبين الله واسطة يدعوها ويسألها قضاء حاجاته وكشف كرباته، ويقول: هذا وسيلتي إلى الله، وباب حاجتي إليه، وبين من عبد الله وحده لا شريك له، ودعاه خوفا وطمعا، وأنزل حاجاته كلها به، وكشف كرباته، وتبرأ من عبادة كل معبود سواه، ولكن وقع في قلبه شيء من الطيرة؟ هناك فرق كبير بين هذا الذي وقع في قلبه شيء من الطيرة وهو يعبد الله، وبين الذي يجعل بينه وبين الله واسطة يدعوها ويسألها قضاء الحاجات. ولو عبد الله، فإن تلك العبادة لا تنفعه. وأما هذا الذي في قلبه التطير، فالعبادة تنفعه. لكن هذا الذي يفعله فهو يعتبر من الشرك الأصغر الذي لا يخرجه من الملة. والطيرة هي التشاؤم. والطيرة لا شك أنها قد تقع في كل امرئ، أو في قلب كل امرئ قد تقع فيه، إلا من عفاه الله عز وجل أو من خصه الله وعصمه. وإلا فالطيرة تقع في القلب. ولهذا قال ابن مسعود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك». قالوا: ما منا إلا أن الله عز وجل يذهب بالتوكل. وما منا إلا وهو يقع في هذه الطيرة، أنه تقع في قلبه. لكن من عنده توكل على الله، دفعه هذا التوكل دفع هذه الطيرة وهذا التشاؤم. وإلا قد يقع الإنسان إذا رأى إنسانا أو رأى طيرا أو كذا، قد يقع في قلبه التشاؤم، إما بمرئي أو بمسموع، إما بصوت أو بمرئي يرى رجلا يرى كذا فيتشاءم بهذا. فهذا يعتبر قد يجده الإنسان بقلبه. لكن الممنوع منه أنه لا يؤثر على فعله. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم، في حديث معاوية بن الحكم، لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «وإن منا أناسا يتطيرون»، قال: «ذلك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنكم». أي: لا يؤثر على فعلكم. على شيء يجده الإنسان في صدره. لكن المنهي عنه أنه لا يصده عن عمل، كما يفعل أهل الجاهلية. كانوا يتطيرون، فينفرون. الطير، فإن طارت إلى اليمين قالوا: خيرا. وإن طارت إلى الشمال قالوا: أو قالوا شرا. ولا يذهبون. وإن كان هذا الطائر طائر إلى اليمين، عزموا على ما عزموا عليه من السفر أو من النكاح أو غيره. ويعملون ذلك أيضا بالأزلام التي عند آلهتهم، والأقداح. قال: «فالأول هو دين أبي جهل وأصحابه»، أي الذين جعلوا بين الله واسطة يسألونهم قضاء الحاجات وكشف الكربات. قال: «الأول دين أبي جهل وأصحابه، وهو دين أعداء الرسل من نوح إلى يومنا هذا». وأما الطيرة فتقع على المؤمنين الموحدين، كما في الحديث المرفوع في عن ابن مسعود: «الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهب بالتوكل». رواه أبو داود، ورواه الترمذي وصححه. وجعل آخره من قول ابن مسعود، قال: إنه مدرج. «وما منا»، أي من كلام عبد الله بن مسعود مدرج. وقد نص على هذا، أي على أنها مدرجة، الإمام البخاري رحمه الله، كما ذكر ذلك الإمام الترمذي. فكان البخاري يقول: كان سليمان بن حرب شيخ البخاري يقول في هذا الحديث: «وما منا، ولكن الله يذهبه بالتوكل». فقال سليمان: هذا عندي قول عبد الله بن مسعود. قال سليمان بن حرب: هذا عندي قول عبد الله بن مسعود. وأيده على هذا البخاري، أي أنه ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فلهذا فهذا شيء يجد الإنسان في صدره وفي قلبه، كما يذهبه الله بالتوكل. قال: في مراسيل أبي داود: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليس عبد إلا سيدخل قلبه طيرة، فإذا حس بذلك فليقل: اللهم لا حول ولا قوة إلا بالله، أشهد أن الله على كل شيء قدير». ثم يمضي لوجهه. وهذا الحديث كما ذكر المؤلف: أنه في مراسيل أبي داود، عن كتاب المراسيل الذي ألفه أبو داود رحمه الله، وهو من مراسيل عبد الرحمن بن سابط الجمحي. عبد الرحمن بن سابط تابعي. فإسناد حديث صحيح، إلا أنه مرسل. قالوا: في مسند الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من أرجعته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك». وكفارة ذلك أن يقول أحدهم: «اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك». وهذا الحديث رواه الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن عبد الرحمن الحبلي، صاحب عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر. والظاهر أن ابن لهيعة تفرد بهذا الحديث. وابن لهيعة إذا تفرد فهو ضعيف. بل بعضهم قال: إنه ضعيف ولو لم يتفرد. وأما في الشواهد، فهو لا بأس به، إذا لم يكن هذا الحديث أو هذا الذي يكون شاهدا له ممن يتبادلون الحديث معا. فالمهم أن هذا الحديث فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. لكن بعض العلماء يقول: إنه في الشواهد، لأنه جاءت شواهد لهذا الحديث، منها ما تقدم. قالوا: في صحيح ابن حبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا طيرة، والطيرة على من تطير». وجاء في آخره: «وإن يكن في شيء ففي الدار والفرس والمرأة». وهذا الحديث رواه عتبة بن حميد، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن جده أنس. وعتبة اختلف في حفظه، وذكر الحافظ أنه صدوق له أوهام. فالحديث محتمل للتحسين. ويدخل في النهي عن الطيرة، مثل حديث أبي هريرة: «لا طيرة ولا هامة». وقال: «لا طيرة، وخيرها الفأل». وجاء في حديث أنس، سهل بن سعد، في الصحيحين: «لا عدو ولا طيرة». حديث ابن عمر أيضا: «لا عدو ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة». وغيرها من الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الطيرة. قالوا: معنى هذا: أن من تطير تطيرا منهيا عنه، بأن يعتمد على ما يسمعه أو يراه من الأمور التي يتطير بها، حتى يمنعه عما يريد من حاجته، فإنه قد يصيبه ما يكره. وأما من توكل على الله، فلا. يريد أن يفسر حديث ابن حبان: «لا طيرة، والطيرة على من تطير». هذا الشؤم الذي أصاب هذا الشخص، لا بد أنه سيصيبه ما يكره. الطيرة ترجع إلى من تطير. قال: وأما من توكل على الله، ولم ينظر إلى الأسباب المخوفة. ولعل من هذا أيضا: أن رجوع الطيرة على صاحبها، أنه كثيرا ما يحصل هذا. فتجد مثلا الإنسان يتطير بشخص معين، فيحصل له ما تطير به وما تشاءم به. فتجد أنه يقول: هذا ما حصل لأجل هذا. ويزداد اعتقاده في هذا. وهذا من باب أن الله عز وجل يستدرجه بسبب جهله، وبسبب أيضا عدم رجوعه إليه سبحانه وتعالى. فلهذا مثلا تجد بعض الناس عندنا، مثلا قديما ولعله إلى الآن، إذا جاءت مثلا البومة - والبومة هذا طائر وجهه يشبه القط - فهذه دائما يتشاؤمون منها، من قديم حتى في زمن جاهلي. فهذا الطائر إذا جاء مثلا في وقت ولادة، فتجد أنهم يخافون على المرأة أن تضعه ميتا، أو إذا كانت قد ولدت يخافون أيضا على الطفل، وغيرها من هذه التشاؤمات. فلهذا فقد يقع شيء من هذا. قد يقع شيء من ما يخافون منه. فلهذا قال: «والطيرة على من تطير». قال: وأما من توكل على الله، ولم ينظر إلى الأسباب المخوفة، وقال ما أمر به من هذه الكلمات، ومضى، فإنه لا يضره. قال: فإذا كان هذا حال الطيرة، فأين الجامع بينه وبين الشرك الأكبر في الاعتقاد؟ فإن أراد السائل أن المتطير إذا زجر الطير أو تطير بما رآه من علم النجوم وغيره، أو بما يسمعه من الكلام، يعتقد أن ذلك من علم الغيب، وأن الطير تخبره عما هو صائر إليه في المستقبل، أو أن الأفلاك تدبر أمر الخلائق، فليس هذا من الشرك الأصغر، بل هذا من الشرك الأكبر. نظير شرك عباد الكواكب. أنه إذا كان يعتقد هذه الأمور، أي أن هذه الطيرة تؤثر بذاتها، وأنه أنها من علم الغيب الذي يعتقده في هذا الأمر، يعتقد أن الطيرة تخبره عما هو صائر إليه، فإن كان هذا اعتقاده، فهذا اعتقاد يضر، وهو شرك بالله. لأنه جعل لهذه المخلوقات أنها تعرف الغيب، وأنها أيضا بيدها أمر الغيب وأمر الضر والنفع. فلهذا فهو يترك الطيرة لأجل هذا الاعتقاد. لكن غالب الناس فقط يتشاؤمون. الناس من باب التشاؤم، فهم مثلا إذا تطير فذهبت الطير إلى اليمين، فإنه يتشاءم أن يذهب إلى سفر أو إلى غيره. فهذا من باب فقط النظر في الأسباب، وهو خطأ. ولأنه أيضا جعل هذا السبب سببا، وهو ليس سببا شرعيا ولا قدريا. فإن كان اعتقد في السبب نفسه، فهذا يعتبر شرك أكبر. لكن يجعل هذا السبب هو المسبب، أو السبب هذا جعله سببا والمسبب هو الله، لكن جعله أن هذا سببا وهو ليس سببا شرعيا ولا قدريا، فهذا يعتبر شرك أصغر. فلهذا فالتشاؤم المحرم هو الفعل، أنه يصده عن الإقدام. فإذا صده تطير عن الإقدام، فهذا من الشرك الأصغر الذي ينبغي للمسلم أن يتنزه عنه، ويتوكل على الله سبحانه وتعالى. لأن الأمور بيد الله. فليس مثلا إذا رأى رجلا، بعض الناس مثلا يصبح الصباح يريد أن يذهب إلى عمل، فيرى رجلا يعتقد أن هذا الرجل نحسا، فيقول: قابلت هذا الرجل فلا خير. فيرجع إلى بيته. فهذا تطير والتشاؤم. لكن الواجب عليه أنه لا يفعل ذلك، بل يستمر إلى عمله، ولو كان ذلك الأمر دخل في قلبه، يعني لو كان هذا تطير بهذا الشخص لما رآه. لكن يقدم ويتوكل على الله. فإن مضيه في العمل يرد الطيرة، ويرد التشاؤم. وأيضا لا يجد إثم هذا الطيرة، لأنها في قلبه فقط. فهذا إن شاء الله ما ذكره المؤلف في الفرق بين دعاء غير الله والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، أنها شرك بالله، وبين التطير وأنه شرك أصغر، إلا إذا اعتقد هذه الاعتقادات التي ذكرها المؤلف، فإنه يكون شركا أكبر. فهذا ما يذكره.