الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش الشيخ شبهة التوسل بقبور الصالحين ودعاء غير الله مستدلاً بآيات النهي وبأفعال الصحابة والتابعين. يبين أن الأحاديث التي يستند إليها المعتقدون في التوسل بقبور الصالحين هي أحاديث مكذوبة أو ضعيفة.
يناقش المقطع كيف يستخدم بعض الناس أحاديث نبوية لتبرير ممارسات شركية مثل الاستغاثة بالقبور. يبين أن هذه الأحاديث إما ضعيفة أو مفهومة بشكل خاطئ، ويجب رد المتشابه منها إلى المحكم من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة.
يناقش المقطع أهمية التمييز بين الآيات المحكمة والمتشابهة ويحذر من إهمال هذا التمييز. يشدد على أن كلام الله ورسوله لا يتناقض، وأن العلماء هم من يعرفون كيفية الجمع بين الآيات والأحاديث المختلفة، ويتناول تحذير النبي من الذين يتبعون المتشابه من القرآن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: ذكر المؤلم -رحمه الله- محمد بن ناصر شبهة مما ذكرها هذا المعترض، فذكر حديثين: حديث الضرير، وكذلك حديث «عباد الله حبسه»، وذكر أن هذا الحديث أو هذان الحديثان لا يدلان على ما ذكر. فيقول الشيخ -رحمه الله-: كيف أن الله عز وجل ينهى عن دعاء غير الله في آيات كثيرة، فكيف بعد ذلك سيأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء غير الله، إلا إذا كان له حالة خاصة؟ فلذلك قالوا: إما أن يكون الصحابة علموا هذه الحالة علما، وزهدوا فيها عملا، مع حرصهم على الخير وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم. وكلاهما محال، بل هم أعلم الناس بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلى أن قالوا: المضطر يتشبث بكل سبب يعلم أن له فيه نفعا، ولا سيما الدعاء. فلو كان ذلك وسيلة مشروعة وعملا صالحا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم. وتقدم معنا أن حديث الضرير حديث الحسن، لكن فيه الاستشفاع بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام. وأما حديث أبي هريرة الذي فيه «يا عباد الله أغيثوني»، فهو لا يصح، وإنما هو من الإسرائيليات. جعله ابن عباس من الإسرائيليات. وأيضا ليس فيه المنادى أنه ينادي. وإن شاء الله يراجع كلام الشيخ الألباني في التوسل: الأنواع وأحكام. قال -رحمه الله-: والمضطر يتشبث بكل سبب يعلم أن له فيه نفعا، ولا سيما الدعاء. فلو كان ذلك وسيلة مشروعة وعملا صالحا، هل فعلوه؟ أي فعلوه الصحابة؟ هكذا قال. فهذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل القبور حتى توفاه الله، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين. هل يمكن أحد أن يأتي عنهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة أو عرضت لهم شدة قصدوا القبور، فدعوا عندها وتمسحوا بها، فضلا أن يسألوها حوائجهم؟ أنا لا أجد أحدا جاء بشيء مثل هذا. قال: فمن كان عنده في هذا أثر أو حرف واحد في ذلك فليوقفنا عليه. نعم، يمكنهم أن يأتوا عن الخلفاء الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، بكثير من المختلفات والحكايات المكذوبات. يقول الشيخ: سيأتي ممكن أنهم يأتون بالحكايات المختلفة أو المختلقة التي اختلقها كثير من المتأخرين كالشيعة وأهل التصوف وغيرهم، فهم يختلقون القصص لعجل مذاهبهم. قال: حتى لقد صنف في ذلك عدة مصنفات، ليس فيها حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما فيها التمويهات والحكايات المخترعات، ولا حديث المكذوبات. وقد ألف السبكي في زيارة أو في التوسل والتبرك بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الأولياء كما يزعم، ألف رسالة كلها حشاها بالأحاديث المكذوبة، مع أنه من أهل الحديث، لكن الهوى أحيانا يضل. قال: كقولهم: إذا عيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور. وهذا الحديث كما قال الشيخ الألباني: إنه حديث كذب مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه؛ لأنه مختلف. لو أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور. وحديث: لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفع. أيضا هذا حديث كذب كما قال العلماء: لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفع. قال: انظر إلى أولئك الذين أرادوا أن يزينوا باطلهم بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الحكايات قالوا فيها حكايات لهم عن تلك القبور: أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلانا دعا به في حاجته فقضيت، وفلانا نزل به ضر فأتى صاحب ذلك القبر وكشف ضره. ولهذا تجد دائما يقولون: وقبر فلان ترياق مجرب، ترياق من علاج قد جرب أن جربه الناس فصار صحيحا. ولم يعلم هذا المسكين إنما هذا من تهويل الشيطان واستدراج رب العالمين لهم، تستدرجهم من حيث لا يعلمون. قالوا: نحو ذلك مما هو مضاد لما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من الدين. قالوا: من له معرفة بما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنه -أي النبي عليه الصلاة والسلام- حمى جانب التوحيد، وسد ذرائع الموصلة إلى الشرك. فكيف يستدل بكلامه على نقيض ما أمر به؟ فيستدل بقوله في حديث الأعمى: «يا محمد» على أنه أمر بدعائه في حال غيبته، فيدل على جواز الاستغاثة بالغائب. والرواية التي فيها أنه قاله في عهد عثمان لا تصح، وإنما الرواية الصحيحة أنه قاله عند النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت». قال: «بل ادع يا رسول الله». فعده النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يدعو له، وهو قال: «بل ادع». فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وعده بالدعاء، وهو قال: «ادع». فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا، فالشفاعة بعد ذلك إنما هي بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وكذلك قوله: «يا عباد الله احبسوا» يدل على ذلك. وهذا الحديث كما قلنا لا يصح، هو جعله ابن عباس، وليس فيه المناداة. فعنده إنما فيه أن لله عز وجل ملائكة يحبسون على الناس ما ضاع عنهم، أو كما جاء. لكن لم يسنده للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: وأيضا هذا من عظم المحال وأبطل الباطل، بل كلامه صلى الله عليه وسلم يوافق الوحي المنزل عليه، يصدقه ولا يكذبه؛ فإنهما من مشكاة واحدة. قال جل وعلا: ﴿ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. ثم قال: ونحن نجيب عن هذين الحديثين بعون الله وتأييد من وجوه. فنقول: الوجه الأول: إن القرآن فيه آيات محكمات هي أم الكتاب، وأخر متشابهات. فيرد المتشابه إلى المحكم، ولا يضرب كتاب الله بعضه ببعض. وهذا قد ذكرناه قبل: أن دعاء غير الله من العبادات، وأن من صرفه لغير الله فهو مشرك. وهذا محكم، فلا يأتي أن يأتي الإنسان مثلاً بقصة أو حديث لم يفهم معناه، فيريد أن يزيل هذا المحكم. آيات كثيرة جدا، قرابة أكثر من مئة آية في النهي عن دعاء غير الله. فهل معنى ذلك أن الإنسان يأتي بقصة أو بحديث لم يفهم معناه، فيرد هذه الأحاديث أو هذه الآيات الكثيرة؟ ولهذا نبه العلماء إلى شيء مهم في مسألة الشبهات: فإن الإنسان يكون على الجادة، فتأتي الشبهة من شبه المرتدين أو الكفار أو من أهل البدع، فتأتي شبهة. فهنا يظن أن هذه الشبهة تنسيه كل الآيات والحديث التي يعرفها المحكمات، فيذهب وراء هذه الشبهة، وكأنه لم يقرأ تلك الآيات ولا الأحاديث. مثل ما يفعل بعض الناس الآن، تجده مثلا إذا سمع قصة من بعض القبورية: أن فلانا ذهب إلى فلان، وأن فلانا جاء وتمرغ في القبر، وأن فلانا قال: «أغيثوني». أو أنه يذكرون ما جاء عن مالك الدار. ومثلا يغترون بقول الحافظ: جاء عند نبي شيء بإسناد صحيح عن مالك الدار. وغيرها من هذه الأشياء، يظنون أن هذا شيء يدفع به هذه الآيات المحكمات. لا، هذا خطأ. ما تدفع الآيات المحكمات البينات بشيء مشتبه، أو إما لا يعرف معناه، أو بقصة لا أصل لها. وإنما الواجب في المشتبه أن يرد إلى المحكم حتى يعلم معناه. فإن لم يعلم معناه فيكل علمه إلى الله جل وعلا. قال: وكذلك السنة فيها محكم وفيها متشابه، فيرد متشابهها إلى المحكم، ولا يضرب بعضها ببعض. لهذا النبي عليه الصلاة والسلام غضب لما رأى الصحابة يضربون كتاب الله بعضه ببعض، هذا ينتزع آية، وهذا ينتزع آية، فقضب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك. وجاء في حديث أبي داود أنه قال: «المراء في القرآن كفر». عن المجادلة وضرب القرآن بعضه ببعض، هذا ليس من الإسلام في شيء، بل هذا من الكفر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فكلام النبي عليه الصلاة والسلام لا يتناقض، بل يصدق بعضه بعضا، ويوافق القرآن ولا يناقضه. ليس هناك تناقض أصلا، إنما يكون التناقض في أفهام الناس، وإلا ليس هناك تناقض أبدا في الكتاب والسنة. قال: وإنما يعرف ذلك العلماء. ولهذا كان الإمام أحمد -رحمه الله- يقول: هاتوا حديثين متعارضين أجمع لكم بينهما. فالعلماء يعرفون هذا. ألف الإمام الشافعي -رحمه الله- كتاب «مختلف الحديث»، وألف أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله- «مشكل الآثار»، كلهم في هذا في الجمع بين الآيات والأحاديث. قال: وهذا أصل عظيم تجيب مراعاته. ومن أهمله فقد وقع في أمر عظيم، وهو لا يدري. معناه: أنه يضرب كتاب الله بعضه ببعض. أولا ينبغي أن يعلم أن هناك محكما ومتشابها، وأن المتشابه يرد إلى المحكم. ومن ثم أيضا يعلم علما يقينا أن كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يناقض بعضه بعضا. قال: ومن المعلوم أن أدلة القرآن الدالة على النهي عن دعاء غير الله متظاهرة، ومن وضوحها وبيانها: قول تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾، وقوله جل وعلا: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء﴾، وقوله: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذن من الظالمين﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات البينات. فمن أعرض عن هذا كله وتعامى عنه، وأعرض عن الأحاديث الصحيحة الدالة على تحقيق التوحيد وإبطال الشرك وسد ذرائعه، وتعلق بحديث ضعيف، بل ذكر بعض العلماء: أنه حديث منكر، وهو قوله: «إذن فلينادي أحدكم يا عباد الله أحبسوا». ومثل حديث الأعمى الذي فيه «يا محمد»، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يسأله في حال غيبته، لم يكن هذا إلا من زيغ في قلبه. أنا ما يترك النصوص المحكمة ويذهب إلى نصوص متشابهة أو لم يفهم معناها، إلا رجل في قلبه زيغ. قد تناوله قوله جل وعلا: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾. قالوا: قوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث عائشة -أن أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، لكن البخاري أخرجه معلقا- قال في الحديث: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». فثم ذكر الوجه الثاني في رد هذا. ذكر وجوه، هذا الوجه الأول. وإن شاء الله نكمل في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.