الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 662، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الرفعة الحقيقية عند الله تكون بالعلم والعمل والتقوى لا بالمال ولا بالجاه، مستدلاً بحال عطاء بن أبي رباح الذي رفعه الله بالعلم رغم عيوبه الخلقية حتى وفد عليه الملوك. ويؤكد أن ذكر العلماء الصالحين يعد ذكراً الله لنقلهم الكتاب والسنة.
يستعرض المقطع قصة ابن الزبير رضي الله عنه حين سلم في ركعتين من المغرب ثم أكمل وسجد للسهو، مصوباً ابن عباس فعله موافقاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ويذكر حديث عبد الله بن مسعود وحديث ذي اليدين في الصحيحين دالاً على أن من سلم قبل إتمام الصلاة يكمل ما فاته ويسجد سجدتي السهو بعد السلام.
يبيّن المقطع تفصيل أحكام سجود السهو عند الزيادة أو النقص في الأقوال والأفعال، مبينًا أن زيادة القول لا توجب السجود بخلاف زيادة الفعل أو نقصه. كما يوضح حكم من شك في عدد الركعات فيبني على الأقل ويسجد قبل السلام، ومن تحرى الصواب فيبني على ظنه ويسجد بعد السلام، مع ترجيح التوسع في وقت السجود مع التزام ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو يعلى رحمه الله، وهو أحمد بن علي بن المثنى الموصلي: حدثنا زهير، وزهير بن حرب، أبو خيثمة النسائي الكوفي، وهو إمام حافظ كبير. قال: حدثنا سعيد بن عامر، وسعيد بن عامر الظاهري، أنه الضبعي، وهو إمام من أئمة أهل الشام بعد الأوزاعي، كان يعظمه أهل الشام كتعظيمهم للأوزاعي. قال: عن همام، وهمام هو ابن يحيى العوذي البصري، عن عطاء، وعطاء بن أبي رباح مفتي أهل مكة، كان ابن عباس وهو شيخه يرشد إليه ويدل عليه، على أنه يستفتونه، حتى قيل: لا يفتأ وعطاء بمكة أنه هو مفتي أهل مكة. وعطاء كما ذكر العلماء، مع أنه كان فيه عيوب خلقية، إلا أن الله عز وجل رفعه بالعلم. كان أسود، قصيرًا، وأفطس؛ أفطس: معنى أنفه أفطس: العنف. وأيضًا كانت له فقرة زائدة، لكن رفعه الله عز وجل بالعلم، فكان يأتيه الملوك، جاء سليمان بن عبد الملك وأبناؤه إلى عطاء يسألونه ويطلبون العلم عنده، وكان يصلي النافلة فلم يلتفت إليهم حتى فرغ من دعائه وذكره، ثم التفت إليهم، فسأله سليمان بسؤال المسترشد، وأيضًا كان بإجلال وإعظام. ثم لما انتهى من هذا المجلس قال لبنيه: اذكروا هذه الحادثة، أو: ظلنا عند هذا الأسود، ظلنا عند هذا الأسود، يريد منهم أن يبين لهم أن الرفع ليس بالملك، وأن الرفع ليس بالجاه، ولا بالأشكال، ولا بالألوان، الرفع من عند الله جل وعلا، يرفع الله عز وجل العالم. وكما قال الأعمش رحمه الله: لو كنت بقالًا لقدرني الناس. قال: لو كنت بقالًا لقدرني الناس، أنا كنت أعمش، والأعمش يخرج من عينيه شيء من الأذى والقذى، لكن الناس كانوا يحيطون به لأجل علمه. وهكذا عطاء رحمه الله، حتى قال بعض أهل مكة: لولا هذان الأسودان لذهب علم أهل مكة. يريد: هذان الأسودان: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر. فليس العلم باللون، ولا بالشكل، ولا أيضًا كذلك بالجاه، ولا بالمال، بل العلم بتقوى الله جل وعلا وخشيته، ومعرفة دينه، والتفقه في دينه. يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. وقال أيضًا ربنا جل وعلا: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ ﴾. قال مالك: بالعلم. فقيل لمالك: هل هذا أخذته عن أحد أم من عندك؟ قال: لا، سمعت أبا حازم يقول ذلك. وأبو حازم: سلمة بن دينار. يقول مالك: سمعت أبا حازم يقول ذلك: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ ﴾ قال: بالعلم. فلهذا يرتفع العبد بالعلم، لكن ليس بالعلم وحده، وإنما بما يكون مع العلم من العمل. فالعلم أيضًا لا ينفع وحده، وإنما العلم مع العمل. فالعالم الرباني يرفعه الله، لأن العلم يرفع صاحبه، لكن تزينه التقوى، وتكون الرفع أعظم، لأنه يكون أكرم عند الله جل وعلا، فيضع القبول له في الأرض. ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾. فإذا كان كريمًا على الله أحبه الله جل وعلا، ووضع له القبول في الأرض، كما في الحديث: «إن الله عز وجل إذا أحب عبدًا نادى جبريل، وقال: يا جبريل إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي في الملائكة: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». فأحبوه. لهذا رفع هؤلاء العلماء، وصار ذكرهم علمًا، وصار ذكرهم كالعبادة، لأنهم يذكرون بالخير والفضل والعلم والفقه، فصار ذكرهم ذكرًا لله جل وعلا. أقصد أنها وسيلة إلى ذكر الله، لأنهم نقلوا لنا الكتاب والسنة، فهم ما يذكرون إلا في الخير، كما جاء في الحديث في وصف أقوام من عباد الله: «أنهم إذا ذكروا ذكر الله»، إذا ذكروا ذكر الله، وجاء في رواية: «إذا رؤوا ذكر الله». فهؤلاء لأنهم صاروا أعلامًا على الخير، فبذكرهم يذكر الله جل وعلا. قال: عن عطاء، أن ابن الزبير صلى المغرب، وعطاء كان من الملازمين لعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن الزبير صحابي جليل، وابن صحابي أيضًا جليل من العشر المبشرين. وكان عبد الله أول مولود في الإسلام، أقصد: بعد الهجرة، أول مولود ولد بعد الهجرة، بعدما هاجر الصحابة رضي الله عنهم، ولدت أسماء بنت أبي بكر بعبد الله بن الزبير. قال: أن ابن الزبير صلى المغرب، فسلم في ركعتين، ثم قام ليستلم الركن، فسبح به القوم، فرجع، فصلى ركعتين، وظن أنه انتهى من صلاته، فقام ليستلم الركن، فسبح به القوم، فرجع، فصلى ركعتين. قال: فأتيت ابن عباس فأخبرته بذلك، فقال: ما أماط عن سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. أي: ما مال، بل هذه السنة، أنه من ترك ركعة من الصلاة فإنه يأتي بأخرى. وسيأتي إن شاء الله أن هذا قد فعله النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقد أخرجه عبد الرزاق، فقال رحمه الله: عن ابن جريج، فهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، إمام الحرم. قال: قال عطاء، وكان ابن جريج ألزم، ألزم لعطاء، حتى قالوا: إذا قال قال عطاء فهو من سماعه. وإن ابن جريج مدلس. قال: قال عطاء: صلى... وعطاء... وعطاء... وعطاء... وعطاء، وحضرت ذلك. فقال له ابن جريج: وحضرت ذلك؟ قال: نعم. فسلم في ركعتين، قال الناس: سبحان الله، سبحان الله، فقام فصل الثالثة، فلما سلم سجد سجود السهو. وهذا الرواية: ابن جريج فيها تفصيل أكثر، فلما سلم سجد سجود السهو، وسجد معه الناس. قال: فدخل أصحاب لنا على ابن عباس، فذكر له بعضهم ذلك، كأنه يريد أن يعيب بذلك ابن الزبير، فقال ابن عباس: أصاب، وأصاب. فهذا الحديث أو هذا الأثر، وابن عباس، لعل الشيخ ذكر هنا لقول ابن عباس: ما أماط عن سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، أي: ما مال، بل هذه سنة. فصوب ابن عباس فعل ابن الزبير رضي الله تعالى عنهم. وهذا قد حصل للنبي عليه الصلاة والسلام نفس الحادثة، فقد جاء في صحيح مسلم عن عمران بن حسين أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى المغرب، فسلم من ركعتين، فقام رجل يقال له الخرباق، وقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة؟ قال: لا. قال: فإنك صليت ركعتين. فقام النبي عليه الصلاة والسلام وصلى ركعة ثالثة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم. وهذا مثل ما فعل ابن الزبير رضي الله عنه في هذه القصة، فهو أيضًا صلى ركعتين وسلم، ثم قام وصلى، فلما قيل: سبحان الله، صلى ركعة ثالثة، ثم سجد بعدما سلم سجدتي السهو، وسجدهم الناس معه. فهذا كما قلنا فيه: أن من زاد، سلم في ركعتين، يسجد السهو بعد أن يأتي بركعة، وليس أنه يعيد الصلاة. بعض الناس إذا سلم تجد أنه يعيد الصلاة كلها، لا، وهذا ليس صحيحًا، مادام أن صلاته صحيحة، فيكمل صلاته فقط، يكمل ما فاته من الركعات، ثم يسجد. وفي هذه القضية معنى: أنه يسجد بعد السلام. وقد جاء في حديث ابن سيرين عن أبي هريرة في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى إحدى صلاتي العشي، عن الظهر أو العصر، فسلم في ركعتين، فسلم من ركعتين، فقال له ذو اليدين، ومعنى قيل: أنه هو نفسه الخرباق الذي ذكره عمران، وقيل غيره. فقال له ذو اليدين، وكان الرجل في يديه طول: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لم تقصر ولم أنسَ. فقال له: إنك صليت ركعتين. فقال: حق ما يقول ذو اليدين. فقال: بلى. وهذا فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام ينسى، صلوات الله وسلامه عليه، وهو شرع للناس وشرع للأمة. فقام صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصلى ركعتين، أكمل صلاته، وصلى ركعتين. قال ابن سيرين: ولم يذكر أبو هريرة أنه سجد، لكن بلغني عن عمران بن حسين أنه قال: أنه سجد معنا. جاء بحديث عمران بن حسين، وجاء في بعض رواية أنه ذكر من حدثه بحديث عمران. فلهذا أخذ العلماء: أن من سلم قبل أن تنتهي الصلاة فإنه يسجد صلاة سهو. وأيضًا من ترك ركنًا من أركان الصلاة فإنه يسجد أيضًا سجود السهو. وأيضًا من زاد فعلًا من الأفعال فإنه أيضًا يسجد سهوًا. أما إذا كان زاد قولًا فليس هناك دليل على أنه يسجد. إذا زاد قولًا، أما إذا ترك قولًا فإنه يسجد. إذا ترك الفاتحة فإنه يأتي بركعة كاملة ويسجد للسهو. وإذا ترك مثلًا شيئًا من هذه الأركان فإنه لا بد أن يأتي بها. وكذلك إذا كان قد مر على مكانها فإنه يلغي الركعة كلها ويأتي بركعة أخرى ويسجد للسهو، إلا إذا كان هذا المنسي تكبيرة الإحرام، فإنه لا بد أن يلغي الصلاة كلها. فلهذا كما قلنا: إذا ترك قولًا فإنه يسجد للسهو. وأما إذا زاد أيضًا قولًا أو زاد فعلًا، وأما إذا زاد قولًا فإنه لا يسجد. فهذا مذهب الشافعي، وكذلك هو المشهور عن أحمد: أنه لا يسجد إذا زاد قولًا. مثلًا: إذا قرأ الفاتحة في وقت التشهد، أنه هو التشهد يقرأ الفاتحة، أو العكس، أن بعضًا تسمع منه وهو يقرأ، أو في وقت الفاتحة يقرأ التشهد، فهذا إذا انتبه ثم قرأ الفاتحة لا يسجد، لا شيء عليك، معنى: لا يسجد سجود سهو. وإنما يسجد سجود سهو إذا زاد فعلًا: زاد ركوعًا، أو زاد السجود، مثلًا: سجد ثلاث سجدات، فإنه أيضًا يسجد للسهو، أو زاد مثلًا ركوعًا، أو زاد شيئًا من الأركان، فإنه يسجد. إذا زاد فعلًا من أفعال الصلاة فإنه يسجد للسهو. وأما إذا أنقص فعلًا أو ترك، أقصد: فعلًا أيضًا يسجد. وإن زاد قولًا لا يسجد. وإن أنقص قولًا فإنه يسجد. فهذا الصحيح في مسألة الزيادة والنقص. وأما مسألة الشك وأيضًا التحري، فهنا: إذا شك في الصلاة فلم يدري كم صلى، مثلًا في الركعات أو في السجدات، لا يدري كم سجد أو كم ركعة، فهنا يبني على الأقل، يبني على الأقل ويكمل صلاة. أنا إذا شك: هل صلى ثلاثة أم أربع؟ يصلي ثلاثة. وإن شك: صلى ركعتين أو ثلاث؟ يصلي ركعتين، معنى: يعيدها ركعتين نفسه، ويصلي ثالثة. وهذا الحديث ثابت في صحيح مسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا صلى أحدكم فلم يدري كم صلى، فليبنِ على الأقل، ثم ليسجد قبل أن يسلم»، يسجد قبل أن يسلم. وأما إذا تحرى، فعرف الصواب، أو فظن الصواب، فإنه يبني على ما ظنه، ويسجد بعد السلام. لحديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا صلى أحدكم فلم يدري كم صلى، فليتحرَ الصواب، ثم ليبنِ عليه، ثم ليسجد سجدتين بعد أن يسلم». فهذه المواضع التي جاءت فيها السجود. وجاء أيضًا السجود عندما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التشهد الأول، كما في حديث عبد الله بن مالك بن بحينة. لكن هل يسجد قبل السلام أم بعده؟ فهذه مسألة أخرى. كما قلنا: جاء في الشك: إذا شك فإنه يسجد قبل السلام. وإذا تحرى الصواب وبنى عليه فإنه يسجد بعد السلام. لكن إذا تيقن، حصل له شك ثم تيقن، حصل له يقين، ليس غلب الظن، وإنما يقين، فهل يسجد؟ الصحيح أنه لا يسجد. فبعضهم يذكر أنه ليس في إشكال: إذا تيقن لا يسجد. مثلًا: إنسان قام وهو لا يدري، معناه: أحيانًا يكون عنده شيء من الذهول، ليس نسيانًا فقط، شيء من الذهول، لما يقوم من السجود مثلًا ما يدري: هل هذه الركعة الثانية أو الثالثة؟ ثم بعد ذلك تيقن أنها الثالثة، أنا يقين، ليس فقط غلب الظن، وإنما يقين أنها الثالثة، فهذا لا يسجد، هذا ليس عليه السجود، لأنه تيقن بعد شك. وأما إذا كان غلب الظن فيسجد، ترغيما للشيطان. طيب، أما مسألة: كما قلنا، قبل أو بعد، فذكر بعضهم إجماعًا، كما ذكر ابن قدامة والنووي إجماعًا على أنه يجوز هذا وهذا. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اعترض على هذا الإجماع، على أن هناك خلافًا عند بعض الحنابلة، خلافًا عند بعض الحنابلة، وكذلك حتى عند بعض الشافعية، الظهر: فهم يوجبون، بعض الشافعية يوجب أن يكون السجود قبل السلام، وكذلك أيضًا بعض الحنابلة يوجبون أيضًا بعد السلام في بعض الحالات. والصحيح أن الأمر واسع، سواء كان قبل السلام أو بعد السلام. لكن كما قال الإمام أحمد: ما سجده النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيه. حتى قال الأثرم: إن النبي لم يرخص. وهذا الذي أخذه الإمام أحمد، أو شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يرخص فيما سجد فيه النبي عليه الصلاة والسلام في قبل وبعد، لم يرخص فيما سجد فيه، وأما الباقي رخص فيه. معنى: الأماكن التي سجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم قبل السلام يسجد قبل السلام، وخاصة في قوله: لما قال في الشك: «وليسجد سجدتين قبل أن يسلم» في حديث أبي سعيد. وقال في حديث عبد الله بن مسعود في التحري: «وليسجد بعد أن يسلم سجدتين». طيب، وأما بقية السهو فله أن يسجد قبل السلام أو بعد، يسجد قبل السلام أم بعد، فهذا ما يذكر في هذا الحديث. والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.