الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 660، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُبرز المقطع مكانة عبد الله بن المبارك العالية بشهادة سفيان بن عيينة وموقف عبد الرحمن بن القاسم الدال على خشيته لله. كما يصف حرصه على الحج والجهاد ورحلاته الواسعة لطلب العلم من أئمة عصره حتى نال أصول كتب معمر بن راشد.
يسرد المقطع فضائل الإمام عبد الله بن المبارك في العلم والجهاد والزهد والورع مع قصة تدل على شجاعته وتواضعه. ثم ينتقل إلى ذكر حديث ابن عباس في البداءة بالكبير عند السقاية مبيناً صحة سنده وعدم معارضته لسنة البداءة بالأيمن.
يبيّن المقطع آداب تقديم الكبار في السقي والطعام والكلام مستدلاً بأحاديث نبوية تربط إكرام ذي الشيبة وحامل القرآن والإمام المقسط بإجلال الله تعالى. ويؤكد أن البركة مع الأكابر وأن احترامهم وتوقيرهم من مقتضيات الدين والشرع.
يؤكد المقطع أن الفعل أو القول المذكور متوافق مع سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويختتم بتذكير بعظمة الله تعالى وعلوه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو يعلى رحمه الله، وهو كما قلنا أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، أبو يعلى الموصلي. قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك. عبد الله بن المبارك هو المروزي، إمام أهل مرو، كان إماماً في كل شيء، كما قال سفيان بن عيينة: "لم يكن عبد الله بن المبارك مثل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، لم يسبقوه إلا بشرف الصحبة". أنه ليس هناك فرق بين عبد الله بن المبارك وبين الصحابة إلا أن الصحابة كان لهم شرف الصحبة لنبينا عليه الصلاة والسلام. وهذه شهادة من شيخه سفيان بن عيينة، قال: "ليس من أي حد، ليس من تلميذ له، إنما هو شيخ له". سفيان بن عيينة يعتبر من مشايخ عبد الله بن المبارك، فيقول: "لم يسبقه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إلا بشرف الصحبة". يقول عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "كنا خرجنا للحج، عبد الله بن المبارك والناس حوله، الناس حول عبد الله بن المبارك يسألونه ويقتدون بهديه وسمته". فقال: فقلت في نفسي... أن يقول عبد الرحمن بن القاسم... فقلت في نفسي: "بِمَا فضل علينا ابن المبارك؟ أيش الذي فضله هذا التفضيل حتى صار الناس يحتفون به هذا الاحتفاء؟ قال: إن كان ليصلي فإنا نصلي، وإن كان ليصوم فإنا نصوم، وإن كان ليجاهد فإنا نجاهد". قال: هذا الذي يفعله عبد الله بن المبارك نحن نفعله، ومن ناحية العلم أيضاً عنده علم. قال: "فبينا نحن في العشاء، أو في العشاء نتعشى، قال: فانطفأ السراج". كانوا معهم سراج شمع، أو معهم سراج من هذا المعنى الذي يكون فيه فتيلة. قال: "فانطفأ السراج، ثم قام الناس وأصلحوا السراج، قال: فنظرت إلى عبد الله المبارك فرأيت عيناه تدرّفان بالدم". فقال: فقلت في نفسي: "بهذا فضل علينا"، أي بخشية الله، لما رأى الظلمة تذكر عذاب القبر أو تذكر ظلمة النار فبكى. قال عبد الرحمن بن القاسم: "فبهذا فضل علينا". وكان عبد الله المبارك رحمة الله عليه: عام يحج، وعام في الثغور، أي في الجهاد في سبيل الله، يجلس في الشام في الثغر من الثغور، وأكثر وقته في الثغور، سواء كان في الشام أو في بلاده في المشرق، في خراسان. فكان رحمه الله لا يكل من الخير، وإن وجد فرصة دار على المشايخ في العلم، يذهب إلى مالك، ويذهب إلى الليث والأوزاعي، وكذلك أيضاً سفيان بن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومعمر، وجماعة من العلماء. بل كل أهل السنة، أئمة السنة، كان ابن المبارك تلميذاً لهم، وأخص شيخ له هو سفيان الثوري. فهؤلاء أئمة ذلك الزمان هم شيوخه. معنى طلب العلم أنه: مالك في المدينة، وعند الأوزاعي في الشام، وعند الليث في مصر، وعند سفيان الثوري في الكوفة، وعند بن عيينة في مكة، وعند معمر في اليمن. ذهب إلى اليمن عند معمر بن راشد وأخذ العلم من عنده، وأخذ كتابه. كان معمر بن راشد لا يعطي كتابه أحداً، من طلب كتابه لا يعطيه، يعطيه نسخة... على ما يعطيه العصر. قال: فلما جاءه ابن المبارك أعطاه الأصول، ليس واسطة، لكن من باب التبجيل لهذا الرجل، ولأنه رجل يحتاج لمثل هذا ويستحق مثل هذا الشيء. فكان فأعطاه أصوله، وهو أيضاً يريد منه أنه مثلاً إذا كان سينتقد شيئاً أو سينظر في شيء. ولأن عبد الله المبارك كتب حديث الزهري عن يونس بن يزيد الأيلي، فلما أخذ كتاب معمر قال عبد الله المبارك: "رأيت كتاب يونس ومعمر كأنه يخرج من مشكاة واحدة"، على لا فرق بينهم. والغالب تجد الفروق الكثيرة، لكن يقول: إنه لا فرق بين كتاب يونس وبين كتاب معمر، ولأنهم حضروا إملاء الزهري رحمة الله عليه. فكان عبد الله المبارك المثال العظيم الذي يقتدى به، والمثال العظيم في الصلاح، وفي الزهد، وفي الورع، وفي العلم، وفي غيرها من المجالات، في الجهاد في سبيل الله. أنه كان مجاهداً كما يقال من الطراز الأول، قائداً وشجاعاً، حتى أن أبا إسحاق من تلامذته، أبو إسحاق الفزاري أو غيره، يقول: "خرج عجل في غزوة من الغزوات، خرج عجل من الروم، فيريد أن يبارزه أحد، فبارزه، كلما جاء يبارزه قتله هذا العجل". لكان قائداً من قواد الروم، ممن هو من شجعانهم الكبار. قال: "فخرج له رجل ملثّم، فما بقي معه إلا يسير حتى قتله"، أي قتله هذا الملثّم من المسلمين. ثم خرج عجل آخر فقتله، ثم خرج ثالث فقتله، حتى عد ستة، ثم جاء إلى صفوف، فلما لم يخرج أحد رجع إلى صفوف المسلمين. قال: "فأجهدت نفسي حتى أعرف ما هذا الملثّم، حتى وجدت فرصة فنزعت عنه اللثام، قال: فإذا هو عبد الله المبارك، فقال لي: يا أبا إسحاق، حتى أنت بعد أن تبحث عن هذه الأمور؟". فكان رضي الله عنه ورحمه الله إماماً في كل شيء، إماماً في العلم، فكان من أتقن الناس في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان متقناً في الحديث، لا يكاد يخطئ في الحديث، والخطأ موجود، عن الخطأ لا يسلم منه أحد، ما سلم منه كبار المتقنين كمالك وغيره، وعبد الله المبارك أيضاً من كبار المتقنين، لكن لا شك أن الخطأ لابد سيحصل، لكنه قليل بالنسبة لما روى، وهذا يدل على كمال حفظه، وأيضاً كتب حفظه. وأيضاً إمام في الزهد والورع، كان من أكبر الزهاد، وأيضاً أكبر الورعين في دين الله جل وعلا. وكان فضيل بن عياض، وهو من أورع الناس في ذلك الزمان، كان يحب عبد الله المبارك، فإذا وجد عبد الله المبارك جلس معه، والتذاكر بالعلم والتذاكر بالخير. قال: حدثنا عبد الله المبارك، قال: حدثنا خالد الحذاء، وهو أبو المنازل، خالد الحذاء البصري، أنا من أهل البصرة. قال: عن عكرمة، وهو مولى ابن عباس، عكرمة أبو عبد الله البربري، أصله من البربر، وكان رباه ابن عباس وهو صغير، وحفظه القرآن، كان يكبله في المسجد حتى لا يخرج ويلعب مع الصبيان، لأجل أن يحفظه كتاب الله. قال عكرمة: "كان ابن عباس يلقي علي الكبل"، الكبل: معنى مثل العصب، يعصبه في المسجد حتى لا يخرج، ويحفظه القرآن، يجعله يراجع القرآن ويحفظ، حتى صار عكرمة موسوعة من موسوعات العلم، وخاصة في القرآن وتفسيره، وهو أوسع أصحاب ابن عباس في معرفة تفسير ابن عباس لكتاب الله جل وعلا. قال: عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سقى قال: "ابدؤوا بالكبير، أو قال بالأكابر". قال: هذا حديث صحيح. محمد بن عبد الرحمن بن سهم، ترجبه بن أبي حاتم، وقال: في الجرح والتعديل: "وروى عنه مسلم الحجاج، وما ذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً". ولكن الخطيب البغدادي ترجم له في تاريخ بغداد، وقال: "وكان ثقة". وكان السمعاني ترجم له في الأنساب مادة الأطقي، وقال: "ثقة". فهو ثقة. هذا محمد بن عبد الرحمن بن سهم شيخ أبي يعلى، وأما بقية الإسناد فهو إسناد صحيح. فقال: "ابدؤوا بالكبير، أو قال بالأكابر". وجاء بلفظ: "البركة مع أكابركم". وهنا قوله: "ابدؤوا بالكبير، أو بالأكابر"، فيه سنة أن الإنسان يبدأ بالكبير، كبير القوم، والكبير سواء كان في العلم، أو سواء كان في الجاه، وكبر السن أيضاً، يدخل فيه كل هذه الأشياء. وأول ما يقدم كبير العلم، العالم هو الذي يقدم. وهل هذا يتعارض مع سنة الأيمن؟ فالأيمن لا، ما يتعارض. الأيمن فالأيمن: إذا بدأ لهذا، كان إذا أتي بشراب فإنه يبدأ به، النبي عليه الصلاة والسلام يعطى للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم يعطيه النبي عليه الصلاة والسلام لمن عن يمينه. فالأيمنون بعد أن يبدأ بالكبير أولاً، إذا كان يريد أن يقرب شراباً أو طعاماً، يبدأ كبير القوم، يضعه عنده على مثلاً، لا يلتزم مثلاً أنه يبدأ من اليمين أولاً، يعطي كبيره، ثم بعد ذلك يمشي من عنده الكبير إلى الأيمن، يعطي الأيمن فالأيمن بعد ذلك. وقد جاء أيضاً في الصحيحين: لما أراد محيصة بن مسعود، وعبد الرحمن بن سهل، وحويصة، لما جاء من خيبر وقد قتل أخوهم في خيبر، فأراد أن يتكلم عبد الرحمن، فقال له: "كَبّر، كَبّر"، على النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: "كَبّر، كَبّر"، فتكلم محيصة لأنه كان أكبر القوم. فهذا فيه أيضاً إجلال الكبير. فإجلال الكبير له أهمية في ديننا، وقد جاء عندنا أحمد، والنسائي، والترمذي من حديث أبي هريرة، ومن حديث غيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه". وجاء أيضاً كذلك في حديث بموسى عند أحمد، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "إن من إجلال الله، إن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم". إن من إجلال الله، من تعظيم الله جل وعلا، قال: "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم". الشيبة المسلم الكبير يكرم، لا يهان، ولا يستهزأ به، ولا يجعل مسخرة عندهم. هذا قطع، فلا بد أن يكرم الشايب الكبير، وخاصة إذا كان على السنة وعلى الخير. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن من إجلال الله"، أي من تعظيم الله جل وعلا، "إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، والإمام المقسط". والإمام المقسط، أو لا، ثلاثة ينبغي أن العبد يكرمهم، ويحترمهم، ويوقرهم: ذو الشيبة المسلم الذي شاب وكبر وهو على الإسلام وعلى التمسك به، فهذا يكرم. وكذلك أيضاً حامل القرآن، أي صاحب القرآن الذي حفظه وعمل به، أي الملتزم بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال: "وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه"، ليس من الغلاة كالخوارج غيرهم، ولا من الجافين ك بعض الفرق المبتدعة، وكذلك بعض الفرق التي قد تكون خارجة عن دين الله، فيكون معنى ليس مثلاً من المعتزلة، هؤلاء من الجافين الذين جفوا النصوص، جفوا نصوص الكتاب والسنة وابتعدوا عنها، ويدخل فيهم أيضاً بعض أهل البدع وأهل الأهواء ممن ابتعد عن كتاب الله، وعن حتى عن الدين، وصار مع الفساق والفجار. فقال: "وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، والإمام المقسط"، أي الإمام العادل. فهؤلاء يكرمون، ويعزّون، ويحترمون، ويوقّرون، وكل ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر من إجلال الله. فتكبير الكبير واحترامه من ديننا، ومن ما حث عليه الشرع. وكما قلنا يدخل في هذه أيضاً السلة، أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقى قال: "ابدؤوا بالكبير". إذا سقى، معنا إذا أراد أن يسقي أناساً، أو طلب السقيا، فيقول: "ابدؤوا بالكبير، أو بالأكابر". ابدؤوا بالكبير، أو بالأكابر. وأيضاً نفس الحديث كما قلنا، لأنه جاء من نفس الطريق، الطريق المبارك، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن عباس. قال: "البركة مع أكابركم". وهذا الحديث أيضاً فيه أن البركة مع الأكابر، والمراد من الأكابر هم الكبار، كبار الناس هم العلماء، أهل العلم، كذلك من كان سنه كبير يحترم، ومن كان أيضاً كبيراً في الناس في جاههم، يستفيد الناس منه في الوسائط وكذا، يخدم الناس، هذا يعتبر كبير فيهم وسيد، فهؤلاء يحترمون ويجلّون. وأيضاً يبدأ بهم في المجالس، يبدأ بهم في المجالس، سواء في الكلام، أو في السقي، أو كذلك في الطعام، أو في غيره من هذا الأمر. فهذا هو موافق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. الله تعالى أعلى.