الدرس في كتاب الجنائز 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يجب كفن الميت من ماله، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته، وتجهيز الميت مقدم على الدين.
يستحب تكفين الميت بثلاث لفائف بيض مفتوحة، ويجمر الكفن ويطيب بالحنوط، ويوضع الميت على اللفائف مع تغطية عورته.
الرجل يكفن في ثوب واحد ويمكن تكفينه بثلاثة أثواب للاحتياط، بينما المرأة تكفن في خمسة أثواب لسترها، ويوصى بجعل معظم الكفن عند الرأس.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، يجب كفنه في ماله مقدما على دين وغيره، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته، إلا الزوجة لا يلزمه كفن امرأته. طيب هذا في الكفن، تقدم معناه أن الكفن من الواجبات الكفائية، أنه يجب على أهل الميت أن يكفنوا ميتهم، وكذلك يدفنوه. والعلم أنها تجب من ماله، الكفن يكون من ماله. مما يدل على هذا ما جاء في الصحيحين في حديث خباب وغيره، لما مات مصعب بن عمير لم يجد له إلا نمرقة كانت له، إذا غطوا به وجهه بدت رجله، وإذا غطوا رجليه بدا وجهه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: غطوا وجهه واجعلوا على رجليه الإذخر. فدل على أنه لم يأت له بكفن آخر. لهذا قال العلماء: يجب أن يكون الكفن من ماله. وليس ذلك أنه، مثلاً إذا أراد آخر أن يتبرع، يقال له لا، هذا يعتبر من الأمور الخير ولغيره أن يتبرع، ولو لم يكن مثلاً من مال الميت، تبرع مثلاً ابنه فاشترى الكفن، أو جاء آخر فاشترى الكفن، مثل ما يفعل الناس الآن، تجد بعض المتصدقين يضع أكفاناً في بعض المغاسل، فهذا ما في شيء، هذا من باب التبرع لا بأس. أنا لو تبرع إنسان، لكن إذا كان لم يتبرع أحد وعنده مال، فالعلم في وجوبه من ماله، وهو مقدم على الدين. فمؤن التجهيز، تجهيز الميت مقدم على الدين، وهذا قال جمهور العلماء؛ لأنها مؤن التجهيز، أي تجهيز الميت مقدم على دين وغيره. معنى الوصية مثل الوصية، مثلاً أو الميراث، فالذي يقدم هو مؤن التجهيز أولاً. لكن مؤن التجهيز التي هي شرعية، أما الأشياء التي غير شرعية ما يلزم أنها تأخذ من المال، بل قد يأثم أهل الميت إذا أخذوا من ماله وهو عليه حقوق. أن بعض الناس مثلاً تجدوا الآن يأخذ من مال الميت فيشتري مثلاً تمر، يشتري أرز، يشتري كذا، هذا ما يلزم الميت، وليس هي من تجهيز كفنه وتجهيزه. فلهذا فأخذ المال هذا هو من أخذ مال الورثة أولاً، وإن كان عليه دين فهو أيضاً من أخذ ما يجب عليه أن يسدد، وإن كانت عليه وصية أيضاً. فلهذا فمسألة أخذ مال الميت خطأ، أن بعضهم يتصرف في مال الميت بالشراء بعض الأشياء الزائدة أو أحياناً تجد بدع، تجد بدع تستعمل في هذا تأخذ من مال الميت، وهذا ليس صحيح. فإنما يأخذ من مال الميت ما يكفن أو ما يجهز به الميت، لا بأس مثلاً أجرة غاسل، أجرة الكفن، أجرة مثلاً حافر القبر، هذه تأخذ من مال؛ لأنها من باب التجهيز. قال: فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته، من تلزمه نفقته هو الذي يدفع مال التجهيز إذا لم يكن عنده مال، أولاده وغيره. قال: إلا الزوجة لا يلزمه كفن امرأته، وهذا مسألة خلاف، هذه المسألة مبنية على قطع العلاقة بين الزوج وزوجته بالموت. لكن الصحيح أن الزوج لا زال متعلق بزوجته ونفقتها لا زالت متعلقة به، فإذا جهزها للموت فهذا أيضاً مما يجب عليه؛ لأنه كانت تلزمه نفقتها وهي حية. أما أنه يقال: لا، لا تلزمه، أو الزوج لا يلزمه كفن امرأته، ليس صحيح. وهذا كما قلنا مبنية على أن الزوج بعد موت زوجته تنقطع العلاقة بينهما. قالوا: يسن تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض، تجمر ثم يبسط بعضها فوق بعض. أنا الآن التكفين يستحب أن يكون ثلاث لفائف بيض، لفائف ليست مخيطة، لفائف تكون مفتوحة، فهذه اللفائف يرص بعضها فوق بعض ثلاث لفائف، والأفضل تكون بيض؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: خير ثيابكم البيض، البسوها وكفنوا فيها موتاكم. فالأفضل أن يكون الأبيض، لكن لو كان شيء من الأثواب فيه خطوط أو كذا ما في شيء، النبي صلى الله عليه وسلم كفن بثوب حبرة، والحبرة هو الذي يكون فيه خطوط. فالأعرابي مثلاً يكفن بثوب فيه خطوط أو فيه شيء من النقش أو كذا أو لون آخر، لكن الأفضل أن يكون أبيض. قال: تجمير، تجمير ثم يبسط، تجمير معنى تبخير، تبخر هذه الأثواب. وقد جاء حديث في السنن: جمروا الميت ثلاثا، وهو حديث حسن لا بأس به. وأيضاً أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أمرت أيضاً أن يجمر كفنها. فتجمير الكفن وتبخيره حتى تكون له رائحة، والأفضل أن يوضع شيء من ماء ورد وغيره في البخور حتى يثبت حتى تثبت هذه الرائحة في الكفن. قال: ويجعل الحنوط فيما بينها، الحنوط أيضاً طيب، الحنوط طيب من الطيب الذي يكون للميت، فهذا الحنوط شيء من الطيب، ولو استبدله بشيء آخر ما في شيء. معنى لو استبدله بطيب آخر، مسك أو كذا ما في شيء، المهم أنه يطيب الميت ويطيب الكفن. قال: ثم يوضع عليها مستلقياً، معنى هذه اللفائف تبسط كل واحد فوق الآخر، ثم يوضع الميت عليها. قال: ويجعل منه في قطن بين اليتيه ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان، التبان هو سروال الصغير، فإن هذه الخرقة تغطي فرجه وتغطي ما بين اليتيه، ويشد في فخذيه حتى تصير مثل التبان. فإن هذا يفعلونه، معنى إذا كان حتى مثلاً لا يخرج أذى من بطنه فيوسخ الكفن، وهذه الأشياء من باب التجارب فقط. معنى إذا كان الإنسان مثلاً لا يخرج منه شيء، فالأصل أنه لا يفعل له شيء من هذا. لكن إذا حصل أو خشية أن يخرج منه دم أو شيء من الوسخ، فإنه لا بأس يفعل هذا، يحش بقطن أو يحش بخرقة ويشدها. قال: وتجمع عليته ومثانته، أي في هذا العصب، يعني يشد، يضعه في رجليه أو في فخذيه لئلا يخرج، أن يشد أماكنه، فيشد الأليتين، وكذلك المثانة، المثانة معروف مكان البول. قال: ويجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده، مكانه يجعل هذا الحنوط يجعل في منافذ وجهه مثل العينين والفم والأنف، ومواضع السجود. قال: وإن طيب كله فحسن، مواضع السجود معنى الجبهة واليدين وركبتيه، أن يضع الطيب في مواضع في مواضع جسده، وإن طيب كله فحسن، ما في شيء لو طيب كله. فقد جاء الحنوط في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في المحرم: لا تحنطوه. قال النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم: لا تحنطوه، قل على أن غير المحرم يحنط، فيجعل الطيب سواء كان حنوط أو طيب آخر يجعل في جسده حتى يراح وتذهب رائحة الرائحة التي تخرج من ميت لليبوسة يبوسة وعفن أيضاً عظام الميت من الداخل. فلهذا يوضع هذا الطيب في تلك الأماكن. قال: ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، هل يحتاج إلى عطب أو قطن يحتاج إذا كان هناك شيء من السوء ليخرج، إذا كان مثلاً يخرج دم في أنفه أو في فمه. واستحب بعضهم أن يوضع ولو لم يخرج لأجل الهوام، قالوا لأجل الهوام أو الحشرات حتى لا تدخل منافذه، تدخل فمه أو أنفه أو عينيه، فيوضع قطن مثلاً. فإن احتاج إلى ذلك لا بأس، وإن لم يحتاج معنا ما يلزم أنه يفعل قطن، إذا كان مثلاً فمه مغلق، وأيضاً الكفن سيغطيه خلاص يكفي هذا. وإن جعل شيء للاحتياط ما في شيء، لكن لا يظنون أن هذا القطن شيء من السنة لابد أن يفعل القطن. قال: وإن طيب كله فحسن، ثم يرد طرفا لفافة العليا على شقه الأيمن، أنا من قبل الرأس، ويجمع ويجمع أكثر شيء يجعل اللفافة أكثر شيء من قبل الرأس، ويرد طرفها الأيمن في يمين الميت وطرفها الأيسر في يسار الميت. ثم بعد ذلك يفعل بالثانية ثم الثالثة كذلك، ويجعل أكثر الفاضل عند رأسه؛ لأجل أن يكون عند الرأس أكثر حتى لا ينكشف الرأس. ومما يدل على هذا الحديث الذي ذكرناه حديث خباب في تكفين مصعب بن عمير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: غطوا وجهه واجعلوا على رجليه الإذخر. فدل على أن تغطية الوجه أهم. فلهذا يجمع الكفن أكثر عند الوجه حتى لا ينكشف الوجه، يكون أكثر الكفن عند الوجه، فيكون الزائد والفاضل يكون عند الرأس. قال: ثم يعقدها، يعصبها بحبل، مما يأخذ من الكفن أو يأتي بحبل آخر للعقد، وإن لم يكن من الكفن، ويعقدها حتى لا تنفك هذه اللفائف. أنا إذا أخذ الميت، ولا بأس بعد ذلك يحلها في القبر، يحلها في القبر. لكن بعضهم تجد يحلها ويفتح وجهه، هذا ما ثبت أن يفتح الوجه في القبر. أو بعضهم يجعل له شيء من الطين ويضعه فيه ويفتح وجهه ويضع خده على الطين، هذا كله لم يثبت فيه شيء. وإنما يبقى في الكفن، ويمكن أن يخرج هذا العصاب وهذه العقد يخرجها منه حتى لا تبقى، ثم يتركه هكذا. قال: وتحل في القبر. قال: وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز، أن إذا كفن في قميص، معنى ما في شيء، يؤتى بقميص من قميصه مثلاً نظيف ويدخل فيه، ثم يلف عليه بعض اللفائف. قال: وتكفن المرأة في خمسة أثواب، إزار وخمار وقميص ولفافتين، وهذا من باب ستر المرأة. وجاء في حديث أم عطية الثقفي، والحديث صحيح، الشيخ الألباني صححه، على أنه كفن أنها كانت ممن غسل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم ابنة زينب، وكفنوها في خمسة أثواب كذلك. كفنت فاطمة في خمسة أثواب، كفنها أم عيسى وعلي في خمسة أثواب. والأصل هو الستر، والمرأة تستر أكثر، معنا لا يجعل مثل الرجل مثلاً تكون كفنها شفاف أو خفيف أو يظهر حجم العورة، هذا ليس صحيح. لابد المرأة أن تستر أكثر. فلهذا يجعل لها قميصاً، يجعل لها قميصاً حتى أولاً يستر، معنا ما سيكون تحجم في العورة إذا عمل القميص. ثم بعد ذلك يجعل إزاراً أو يجعل الإزار من تحت، إزار وخمار، إزار أسفل الجسم والخمار في أعلى. ثم بعد ذلك يجعل قميص ولفافتين، اللفافتين تكون آخر شيء بعد حتى تستر المرأة ولا يرى شيء من جسدها، ولا أيضاً يصف شيء من حجم عورتها. جاء عن فاطمة أنها أوصت لها نعشاً، وأخبرت أم سلمة لما أخبرتها أن في الحبشة يفعلون ذلك، فأمرت أسماء بنت عميس أنها تفعل لها ذلك. أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب، ثم تزوجها أبو بكر الصديق، ثم تزوجها علي بن أبي طالب، ولدت له محمد، وكلهم ماتوا في عقدها. فالمرأة تكفن في هذه الخمسة الأثواب، وللعلم أنه يجعل للمرأة نعش، الآن النعش للرجال وللمرأة، والسنة إنما تكون للمرأة حتى تستر أكثر. وأما الرجل فالأولى أن يكون في محمل حتى يراه الناس ويتعظوا. قالوا: الواجب ثوب يستر جميعه، هذا الواجب. الواجب هو ثوب، كفن حمزة في ثوب، وكفن مصعب بن عمير في ثوب، وكذلك أبو بكر، قالوا له: نأتي لك بثوب نكفنك جديد، قال: الحي أولى بالجديد، توني بنظيف أو خلق، فكفنا في ثوب نظيف. فالواجب هو ثوب واحد، لكن هذا من باب فقط الستر، تكون أكثر من ثوب من باب الستر، وإلا الثوب الواحد كان غليظاً فهو يكفي. طيب هذا ما يذكر في الكفن، وأيضاً ما يتعلق به.