الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الدرس بشرح حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يحث على مخالفة أهل الكتاب، ويبين دلالة الأمر بمخالفتهم. يتناول أيضا مسألة اشتقاق الفعل المأمور به من معنى أعم وتأثير ذلك على المطلوب.
يشرح الدرس أن مخالفة الكفار واليهود والنصارى أمر عام يشمل جميع عاداتهم وعباداتهم، وليس خاصا بأمور معينة، مستدلا بحديث «من تشبه بقوم فهو منهم». كما يناقش مفهوم عموم الكل لأجزائه وتطبيقاته في الفقه الإسلامي.
يناقش الدرس تطبيقات عموم الكل لأجزائه في الفقه الإسلامي، مثل غسل الوجه في الوضوء والإكرام وضد الموافقة. كما يشرح كيفية الرد على الفلاسفة وغيرهم في الأفعال المطلقة، مبينا أن الكل يقتضي أجزائه كلها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر المؤلف -رحمه الله- من النصوص التي تبين تحريم مخالفة أهل الكتاب قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم». وذكر أن العمر بمخالفتهم إما أراد المخالفة العامة، وإما أراد مخالفة خاصة بالصبغ. وذكر ذلك في سياق كلامه على مشاركتهم في الظاهر، وأن مشاركتهم في الظاهر تعتبر أيضا مما نهي عنه إذا كان ذلك مما خصه أو مما اقتص به هؤلاء اليهود أو النصارى أو الكفار. وذكر مسألة أن الفعل المأمور به إذا عبر عنه بلفظ مشتق من معنى أعم من ذلك الفعل، فلابد أن يكون ما منه الاشتقاق أمرا مطلوبا. يعني إذا جاء فعل المأمور به إذا عبر عنه بلفظ مشتق من معنى أعم، وهنا قوله «فخالفوهم» معنى أعم من الصبغ، فلهذا فإذا كان كذلك لابد أن يكون ما منه الاشتقاق أمرا مطلوبا، وهو مخالفتهم في الصبغ؛ لأن المطلوب هو الصبغ، وكذلك الأمر العام وهو مخالفتهم. ثم ذكر بعض المسائل التي تبين هذا الأمر، وذكر عدة وجوه في ذلك. قال: فإن قيل: الأمر بالمخالفة أمر بالحقيقة طيب. قبل هذا قال: وكذلك إذا قيل: اتقوا الله وخالفوا اليهود، فإن التقوى تارة تكون بفعل واجب من صلاة أو صيام، وتارة تكون بترك محرم من كفر أو زنى أو نحو ذلك. فخصوص ذلك الفعل إذا دخل في التقوى لم يمنع دخول غيره. فإذا رؤيا رجل على زنى، فقيل له: اتق الله، كان أمرا له بعموم التقوى، داخلا فيه خصوص ترك ذلك الزنى. لما نقول له: اتق الله، هذا الأمر عام، لكنه يخص في هذا الموضع بالزنى. مثل هنا «فخالفوهم» لا تصبغوا «فخالفوهم»، فهنا المخالفة عامة، لكن المراد به هنا مخالفتهم في الصبغ. وكذلك هنا إذا قيل لرجل: اتق الله، وهو على محرم، فهنا هذا المحرم. أو قوله: اتق الله، أمر عام، تقوى الله عز وجل، سواء كان فيه التفريط في الواجبات أو في فعل المحرمات. فيقال له: اتق الله، لا تتأخر عن الصلاة، أو حافظ على صلاتك. ويقال له أيضا: اتق الله، فإن كذا من المحارب، فإن السرق من المحارب، وغيرها من هذه الأشياء. فتقوى الله كلمة عامة، فإذا قيل للرجل: اتق الله، وهو في زنا، قال الشيخنا: كان أمرا له بعموم التقوى، داخلا فيه خصوص ترك ذلك الزنا؛ لأن سبب اللفظ العام لابد أن يدخل فيه. كذلك إذا قيل: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم»، كان أمرا بعموم المخالفة، داخلا فيه المخالفة بصبغ اللحية. يعني يريد أن يصل الشيخ -رحمه الله- هنا أن الأصل هو مخالفة اليهود والنصارى والكفار، الأصل أن المسلمين يخالفون اليهود والنصارى وجميع الكفار في عاداتهم وما اختصوا به، سواء كان من العبادات أو من غيره. فمخالفتهم أمر عام معنى، ليس أنه أمر خاص في أمور خاصة لا، بل مخالفتهم في أمر عام. فمثلا إذا قال الإنسان: إيش الدليل على أن من لبس لباس الكفار يكون أمرا محرما؟ مثل أيضا بعض الناس ما تفعله النساء، وكذلك الرجال من الحلاقات التي معنى يأخذون بعض الشعر ويتركون بعضه، أو كذلك بعض النساء تفعل بعض الصبغات التي تراها عند الكافرات، فإن هذا الأصل أنه محرم؛ لماذا؟ لأنها توافق هؤلاء الكافرات. كذلك الرجل يوافق هؤلاء الكفار، فموافقة هؤلاء هو المحرم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من تشبه بقوم فهو منهم». والشيخ هنا أراد أن يبين أن مثل هذه النصوص «فخالفوهم» هي نصوص عامة أصلا، وإن ذكر شيء خاص، وإنما المراد هو العموم، أن المخالفة تكون لأهل الكتاب في كل شيء. ثم قال: لأنه سبب اللفظ العام، لفظ العام هو «خالفوهم»، والصبغة هذه إنما جاءت سبب في اللفظ العام الذي هو المخالفة. قال: وسببه أن الفعل فيه عموم وإطلاق لفظي ومعنوي، فيجب الوفاء به، وهو «خالفوهم». وخروج على سبب يوجب أن يكون داخلا فيه، لا يمنع أن يكون غيره داخلا فيه. وإن قيل: إن اللفظ العام يقصر على سببه؛ لأن العموم ها هنا من جهة المعنى، فلا يقبل من التخصيص ما يقبله العموم اللفظي. بعضهم يقول هذا: لابد اللفظ العام يقصر على سببه، وهو الصبغ، واللفظ العام هنا «خالفوهم»، فيقتصر على الصبغ. فأراد -رحمه الله- أن يرد على هذا. فإن قيل: الأمر المخالفة أمر بالحقيقة المطلقة، وذلك لا عموم فيه، بل يكفي فيه المخالفة في أمر ما. وكذلك سائر ما يذكرونه، فمن أين اقتضى ذلك المخالفة في غير ذلك الفعل المعين؟ قلت: هذا سؤال قد يريده بعض المتكلمين في عامة الأفعال المأمور بها، ويلبسون به على الفقهاء. و جوابه من وجهين: أحدهما أن التقوى والمخالفة ونحو ذلك من أسماء الأفعال المطلقة قد يكون العموم فيها من جهة عموم الكل لأجزائه، لا من جهة عموم الجنس لأنواعه. معنى العموم الكل لأجزائه: معنى كل ما تحتوي هذه الكلمة. مثل: التقوى كل ما يدخل في التقوى فهو داخل في هذه الكلمة. لا عموم الجنس: عموم الجنس لأنواعه، مثلا أن يكون هذا الشيء هو من التقوى، مثلا معنى يقال له: اتق الله في كذا، اتق الله في كذا، فهذا عموم الجنس. لكن المراد هو معنى عموم الكل لكل ما يحتويه أو ما تحتويه معنى هذه الكلمة ولفظها. والغالب هنا الأجزاء تكون من المعنى، والجنس يكون من اللفظ. قال: فإن العموم ثلاثة أقسام: عموم الكل لأجزائه، وهو ما لا يصدق فيه الاسم العام ولا أفراده على جزئه. وعموم الجميع لأفراده، وهو ما يصدق فيه أفراد الاسم العام على أحده، وعنى كل واحد يصدق عليه لفظ العام، سمى عموم الجميع لأفراده. وهذا يحصل في ما دل الفرد على العموم، يعني أو يأتي العموم ويراد به فرد من أفراده، أو يذكر فردا من أفراد العموم، كل ذلك من عموم الجميع لأفراده. و عموم الجنس لأنواعه وأعيانه، وهو ما يصدق فيه نفس الاسم العام على أفراده. وهو غالبا يدخل في اللفظ. الأول: عموم لكل أجزاء في العيان والأفعال والصفات، كما في قول تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾. فإن اسم الوجه يعم الخد والجبين والجبهة ونحو ذلك. أن كل أجزاء الوجه تدخل فيه، وكل واحد من هذه الأجزاء ليس هو الوجه. فإذا غسل بعض هذه الأجزاء لم يكن غاسلا للوجه لانتفاع المسمى بانتفاع أجزاء. معنا: لو غسل جزء من الوجه فهو ليس غاسل للوجه، وإن كان مثلا قد غسل بعض الجبهة وبعض الوجنتين وبعض الخد، فإن هذا لا يسمى غسل وجه، وإنما لابد أن يغسل الوجه كله. قالوا: كذلك في الصفات والأفعال إذا قيل: صلي، فصلى ركع وخرج بغير سلام، أو قيل: صم، فصام بعض يوم، لم يكن ممتثلا لانتفاع. معنا: الصلاة المطلقة والصوم المطلق. وكذلك إذا قيل: أكرم هذا الرجل، فأطعامه وضربه لم يكن ممتثلا؛ لأن الإكرام المطلق يقتضي فعل ما يسره وترك ما يسوعه. أنا أخذ جزء من المعنى، فهذا لا يعتبر عموم الكل لأجزائه. قال: فلما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، فلو أطعمه بعض كفايته وتركه جائعا لم يكن مكرما له لانتفاع جزاء الإكرام. ولا يقال: الإكرام حقيقة مطلقة، وذلك يحصل بإطعام لقمة. أنا ليس أنه حقيقة مطلقة، مثل مثلا كما تقدم: فك رقبة، رقبة حقيقة مطلقة، أي رقبة. لكن هنا «من كان يؤمن باليوم الآخر فليكرم ضيفه»، ليس معنا الإكرام هنا حقيقة مطلقة أنك أعطيته شيئا من الطعام لا، لو أعطيته شيئا لم يسد جوعته فهذا ليس من الإكرام. قال: إذا قال: «خالفوهم»، فالمخالفة المطلقة تنافي الموافقة في بعض الأشياء أو في أكثرها على طريق التساوي؛ لأن المخالفة المطلقة ضد الموافقة المطلقة، فيكون الأمر بأحدهما نهيا عن الآخر. ولا يقال: إذا خالف في شيء ما فقد حصلت المخالفة. أنا لو خالف الإنسان اليهود مثلا في تسريح الشعر، فهنا حصلت مخالفة، لكن هل هذه المخالفة التي فعلها تكفي عن مخالفتهم في بعض الأمور الأخرى؟ لا، لا بد أن يخالفهم في الأمور الأخرى. وهذا الذي أراد الشيخ -رحمه الله- بهذه أو بهذا الكلام، والرد على بعض الفلاسفة وغيرهم في الأفعال المطلقة، أنه يبين أن حقيقة الأمر أن الكل يقتضي أجزائه كلها، وعموم الكل يقتضي أجزاء كل ما دخل في هذا المعنى. فلهذا فالمخالفة هنا المراد بها مخالفة أهل الكتاب فيما هم عليه، خالفة أهل الكتاب فيما هم عليه، فهذا -إن شاء الله تعالى- ما يذكر. والله تعالى أعلم.