الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أكد شيخ الإسلام ابن تيمية على أهمية مخالفة الكفار وتغيير الشيب لتجنب التشبه بهم. استشهد بموقف الإمام أحمد بن حنبل وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
يتناول أهمية مخالفة اليهود والمشركين في المظهر مستشهدا بأحاديث نبوية مثل تغيير الشيب وإعفاء اللحى وحف الشوارب. هذه الأمور تعتبر من مخالفات المسلمين للكفار.
نقل عن أحمد بن حنبل كراهة حلق القفا لتشبهه بالمجوس. هذه المسألة تندرج تحت مخالفة الكفار والمشركين في المظاهر.
سيتم ذكر بعض المخالفات الأخرى في درس قادم. الهدف من ذلك هو التنبيه على الأخطاء الشائعة وتوضيحها.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، فبعدما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار أمورهم معللة، لابد في أعمالهم من خلل، فلهذا فإن الشرع أمر بمخالفتهم، وأن نفس المخالفة أمر مقصود للشارع في الجملة. قال: فقد تبين أن نفس مخالفتهم أمر مقصود للشارع في الجملة، وأن مخالفتهم مخالفة عامة، ليس مخالفة خاصة في بعض الأمور. قالوا: لهذا كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة يعللون الأمر بالصبغ بعلة المخالفة. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ما أحب لأحد أن يغير الشيب ولا يتشبه بأهل الكتاب، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «غيروا الشيب ولا تشبهوا بأهل الكتاب». وقال إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه: سمعت أبا عبد الله يقول لأبي: يا أبا هاشم، اخضب ولو مرة واحدة أحب لك، أو أحب لك أن تخضب ولا تشبه باليهود. قال: وهذا اللفظ الذي احتج به أحمد قد رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد رواه النسائي من حديث محمد بن كناسة عن هشام عن الأعرج، عن عروة، عن عثمان بن عروة، عن الزبير، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود». ورواه أيضا من حديث عروة، عن عبد الله بن عمر، لكن قال النسائي: كلاهما ليس بمحفوظ، لكن أصل الحديث محفوظ، وإن كان هذا الحديث جاء من طريق عروة مرسلا. قالوا: هذا اللفظ يدل على الأمر بمخالفتهم والنهي عن مشابهتهم، فإنه إذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بياض الشيب الذي ليس من فعلنا، فلأن ينهى عن ابتداع التشبه بهم أولى. قالوا: ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين، احفوا الشوارب وأوفوا اللحى». رواه البخاري ومسلم. وهذا اللفظ يدل على أن مخالفة المشركين مطلقة، ثم قال: «احفوا الشوارب وأوفوا اللحى»، وهذه الجملة الثانية بدل من الأولى، وهي تدل على أن هذا الشخص إذا حلق لحيته ووفر شاربه، فهو قد وافق اليهود والمجوس فيما هم عليه، وهذا شيء أنشأه وليس شيئا طبيعيا. قال: فإن الإبدال يقع في الجمل كما يقع في المفردات، كقول تعالى: ﴿يسمونكم سوء العذاب﴾ ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾، فهذا الذبح والاستحياء هو سوء العذاب. قال: يريد أن يبين أن الإبدال يقع في الجمل كما يقع في المفردات. قالوا: لهذا لما فهم السلف كراهة التشبه بالمجوس في هذا وغيره، كرهوا أشياء غير منصوصة بعينها عن النبي عليه الصلاة والسلام، من فعل المجوس. وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن أحمد بن حنبل عن حلق القفا من الشعر، فقال: هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم. وقال أيضا: قيل لأبي عبد الله: يكره للرجل أن يحلق قفاه ووجهه؟ قال: أما أنا فلا أحلق قفاه. قال: قد روي فيه حديث مرسل عن قتادة في كراهيته. وقال: إن حلق القفا من فعل المجوس، أن يحلقوا بعض رأسهم ويتركوا البعض. قال: لو كان أبو عبد الله يحلق قفاه وقت الحجامة. وقال أحمد أيضا: لا بأس أن يحلق قفاه وقت الحجامة، أما إذا كان لأجل الحجامة فلا شيء فيه. قال: قد روى عنه ابن منصور قال: سألت أحمد عن حلق القفا، فقال: لا أعلم فيه حديثا صحيحا في كراهيته. قال: والسلف تارة يعللون الكراهة بالتشبه بالكفار، وتارة بالتشبه بالعجم، وكلتا العلتين منصوصة في السنة. قال: مع أن الصادق صلى الله عليه وسلم قد أخبر بوقوع المشابهة لهؤلاء وهؤلاء، كما قد بينا ذلك. وسيذكر أيضا بعض الأشياء التي فيها مخالفات، إن شاء الله تعالى، نذكرها في درس قادم.