الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 76، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
حذر السلف من مشابهة الكفار في أفعالهم، واستدل بإنكار علي على قوم سدلوا ثيابهم في الصلاة. روى عن ابن عمر وأبي هريرة كراهية السدل في الصلاة.
ناقش المقطع مفهوم السدل في الصلاة وآراء الفقهاء حول حكمه، حيث اختلفوا في كراهته وتحريمه. يُوضح المقطع أيضًا اختلاف العلماء في تعريف السدل وتفسير النهي الوارد عنه.
شرح المقطع معنى السدل في الصلاة وكراهته عند العلماء، وبيّن أن السدل هو ترك طرح أحد طرفي الثوب على الآخر. يذكر اختلاف العلماء في تفسيره وكراهته لما فيه من مشابهة اليهود.
أشار المقطع إلى وجود آثار سيتم التطرق إليها في درس لاحق بإذن الله تعالى. يبدو أن الحديث متصل بموضوع معين يتم تفصيله على مدار عدة دروس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعض ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك عن السلف، عن أبي بكر وعمر وعثمان، من التحذير من مشابهة الكفار، خاصة اليهود والنصارى. ثم قال: روى سعيد -وهو منصور أبو عثمان الخرساني الإمام- في سننه، قال: حدثني شيبة بن بشير، أن الحسن بن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب حدثهم، عن أبيه. وعبد الرحمن بن سعيد بن وهب، وثقه المدائني. خيواني أصله من اليمن، وأبوه سعيد بن وهب الهمداني، وهو كوفي مخضرم، قال: عن نبيه، قال: خرج علي رضي الله عنه، فرأى قوما قد سدلوا، فقال: ما لهم، كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم. رواه مبارك، وحفص بن غياث، عن خالد، عن خالد الحذاء. وهذا الأثر إسناده صحيح، إسناده صحيح إلى علي، وأنكر عليهم السدل، وجعل هذا السدل من أمور اليهود. وسيأتي إن شاء الله تعالى تفسير السدل. قال: وفيه أنه رأى قوما قد سدلوا في الصلاة، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهورهم. وقد روينا عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يكرهان السدل في الصلاة. وهذا ما جاء بأسانيد صحيحة عند ابن أبي شيبة. قالوا: قد روى أبو داود، عن سليمان الأحول، وعسل بن سفيان. وعسل بن سفيان فيه ضعف، وهو التميمي اليربوعي، ضعفه أحمد وغيرهم. وقال: عسل بن سفيان، وأبو سفيان، قال: عن عطاء، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه. وهذا الحديث كما قلنا إسناده ضعيف، لكن السدل صحيح. وعن النهي عن السدل عن عدة من الصحابة، مما يدل على أن هذا السدل قد نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: منهم من رواه عن عطاء، عن النبي مرسلا. قال: لكن قاله شيبة، حدثنا عامر الأحول، قال: سألت عطاء عن السدل في الصلاة، فكرهه. فقلت: عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: عن النبي عليه الصلاة والسلام. والتابع إذا أفتى بما رواه، دل على ثبوت عنده. معنى أنه مرسل، لكن قد روي عن عطاء من وجوه جيدة أنه كان لا يرى بالسدل بأسا، وأنه كان يصلي سادلا. وظهر أن السدل هنا سدل اليدين. قال رحمه الله: فلعل هذا كان قبل أن يبلغه الحديث، ثم لما بلغه رجع، أو لعله نسي الحديث. والمسألة مشهورة، وهو عمل الراوي خلاف روايته، هل يقدح فيها؟ والمشهور عن أحمد، وأكثر العلماء، أنه لا يقدح فيها، لما تحتمل المخالفة من وجوه غير ضعف الحديث. من إذا روى أو عمل خلاف ما روى، أو رأى خلاف ما روى، فهل هذا يعل الحديث الذي رواه؟ ففيه خلاف بين العلماء. والمشهور عن أحمد وغيره، أنه لا يعله. لكن في بعض المواضع عمل أحمد بهذه القاعدة، مثلا في الطلاق، حديث الطلاق الثلاث، حديث ابن عباس. قال ابن عباس: كان الطلاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاث واحدة، وفي عهد أبي بكر، وشطرا من خلافة عمر. ثم لما رأى عمر أن الناس قد أكثروا، فمشاه عليهم، أنا جعله ثلاثة. ثم إن ابن عباس يفتي بالثلاث. وهذا على خلاف ما مشى عليه ابن عباس. ابن عباس ما يقدم أحد على النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا أيضا هنا، وأبو بكر يجعلون الثلاث واحدة، وعمر مشاه ثلاثة. ولهذا أخذ أكثر رؤساء العلم بما فعل عمر. لكن لما محمد كأنه يضعف هذا الحديث، يقول ابن عباس على خلافه. يقول ابن عباس على خلافه. فابن عباس اشتهر عنه، أو جاء من أسانيد كثيرة، أنه يفتي بأن الثلاث ثلاث. من طلق ثلاثا فهي ثلاث. بل سئل الرجل، قال لزوجتي أنت طالق مئة، مئة طلقة. فقال: تكفيه ثلاث. فقال: تكفيه ثلاث، أي في الطلاق. قال: قد روى عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي عبيدة بن عبد الله، أي ابن مسعود، أن أباه كره السدل في الصلاة. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن ذكر علي بن المديني، أنه قد سمع من كبار أصحاب أبيه. فكان المسعود يكره السدل في الصلاة. قال أبو عبيدة: وكان أبي يذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عنه. قال: وأكثر العلماء يكرهون السدل مطلقا، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والمشهور عن أحمد. وعنه أنه إنما يكرهه فوق الإزار دون القميص، توفيقا بين الآثار في ذلك، وحملا للنهي على لباس من المعتاد. أن العادة السدل هنا قصد به السدل في الثياب. وأيضا قيل: أن المراد بالسدل هو الإسبال نفسه. وقيل: بالسدل أن يشتمل أو يلف عليه الثوب، ويضعه في غرزه. معنى يلف الثوب من تحت، ويضعه في غرزه، ويمشي أو يصلي هكذا، فهذا مدعاة لرؤية عورته. وقيل: أن الإسبال هو إطالة الأكمام في اليدين وغيرها، سمى إسبالا. قال: ثم اختلفوا: هل السدل محرم يبطل الصلاة؟ وسيأتي أيضا ذكر الكلام على السدل. قال: فقال ابن أبي موسى: فإن صلى سادلا، ففي الإعادة روايتان، أظهرهما لا يعيد. وقال أبو بكر بن عبد العزيز -أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، صاحب كتاب الشافي، وهو الذي قال له غلام الخلال، قال له غلام الخلال لأنه كان ملازما له- قال: وقال أبو بكر عبد العزيز: إلا تبدو عورته، فلا يعيد باتفاق. ومنهم من لم يكره السدل، وهو قول مالك وغيره. فإن كان السدل مرادا به كما ذكرنا، أن يأخذ طرف ثوبه فيغرزه، فهذا لا شك أنه لا يجوز، لأنه مدعاة لرؤية عورته. وأما إن كان السدل المراد به ما زاد من الثياب على الأعضاء، فهذا قد جاء النهي عنه في الإزار. وأما في الرداء فلم ينه عنه. فإذا حملنا السدل عليه، فينهى عنه. قال: والسدل المذكور هو أن يطرح الثوب على أحد كتفيه، ولا يرد أحد طرفيه على كتفه الآخر. هذا هو المنصوص عن أحمد. أن يطرح الثوب على أحد كتفيه، ولا يرد أحد طرفيه على كتفه الآخر. معنى لا يفعل هكذا، وإنما يجعله نازلا من طرف واحد. يجعل الثوب نازلا من طرف واحد. قال: وعلله بأنه فعل اليهود. قال أبو عبد الله: والسدل أن يسدل أحد طرفي إزاره، ولا ينعطف به عليه، وهو لبس اليهود، وهو على الثوب وغيره مكروه. السدل في الصلاة معناه أنه يأخذ أحد طرفي إزاره، ولا ينعطف به، وإنما يجعله مسدولا من كتفه. معنى مثل الذي يطرح هكذا، ويجعله مثل البشت، هذا الذي يلبسه أهل الخليج. معنى يجعله هكذا في عاتقه، وينزله، ولا يضع بعضه على بعض. أنا يضعه أنا نازلا هكذا. فهم إن شاء الله. معنى مثل الآن عندنا في الحج، إزار ورداء. إن كان معه إزار ورداء، فلا بأس. وإن كان بعضها، العلم يرى حتى في الرداء، لا يجعله مسدولا. وإنما يضع أحد، معنى يضع هذا على عاتقه، ويضع الثاني على عاتقه الآخر. ومنهم من جعله في الإزار، إذا كان معه إزار، يلبسه مثل من كتفه، ليس معه رداء، فيلبس الإزار من كتفه. وهذا ممكن أنه تنكشف عورته، تنكشف عورته إذا ركع. فالسدل نهي عنه لأجل انكشاف العورة، أو كما فسره الخطابي، على ما ذكرنا. قال: وقال صالح بن أحمد: سألت أبي عن السدل في الصلاة، فقال: يلبس الثوب، فإذا لم يطرح أحد الطرفين على الآخر، فهو السدل. وهذا هو الذي عليه عامة العلماء. معنى أن السدل ينزله كذا، معنى يجعله نازلا، فهذا يعتبر السدل عند الإمام أحمد، وعند غيره. قال: وأما ما ذكره الحسن الآمدي، وابن عقيل، من أن السدل هو إسبال الثوب، بحيث ينزل عن قدميه، ويجره، فيكون هو إسبال الثوب وجره المنهي عنه، فغلط مخالف لعامة العلماء. وإن كان الإسبال والجر منهيا عنه بالاتفاق، ولا حديث فيه أكثر، وهو محرم على الصحيح، لكن ليس هو السدل. فبعض العلماء رأى أن السدل هو أن يجعل الثوب من كتفه، وهو ينزل إلى تحت عقبيه، أو ينزل على عقبيه تحت الكعب، فحمله هكذا ابن عقيل، قال: وأبو الحسن الآمدي، وكلاهما من الحنابلة. فالآمدي من أصحاب القاضي أبي يعلى، وابن عقيل مشهور من فقهاء الحنابلة، وأيضا كذلك من أصحاب أبي يعلى. قال رحمه الله: وليس الغرض عين هذه المسألة، وإنما الغرض أن عليا رضي الله عنه شبه السادلين باليهود، مبينا بذلك كراهة فعله. فعلم أن مشابهة اليهود أمر كان قد استقر عندهم كراهته. قال: فهر اليهود بضم الفاء، مدارسهم. فهر اليهود لأنه قال في الحديث، أو الأثر الذي تقدم عن علي، أول أثر، قال: كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم. فهرهم معنى من مدارسهم، أو من مكان الذي يتعلمون فيه. قال: وأصلها بهر، وهي عبرانية، فعربت هكذا، ذكره الجوهري. وكذلك ذكر ابن فارس وغيره، أن فهر اليهود مدارسهم. في العين عن الخليل بن أحمد، أن فهر اليهود مدارسهم. قال: وسنذكر عن علي رضي الله عنه، من كراهة التكلم بكلامهم، ما يؤيد هذا. وما في الحديث المذكور من النهي عن تغطية الفم، قد علله بعضهم بأنه فعل المجوس عند نيرانهم التي يعبدونها. فعلى هذا تظهر مناسبة الجمع بين النهي عن السدل، وعن تغطية الفم. لكن كما قلنا، الحديث لا يصح، فيه عسل بن سفيان. قال: بما في كلاهما من مشابهة الكفار، مع أن في كل منهما معنى آخر يوجب الكراهة. ولا محذور في تعليل الحكم بعلتين. قال: فهذا عن الخلفاء الراشدين. وأما سائر الصحابة رضي الله عنهم، فكثير مثل ما قدمنا عن حذيفة بن اليمان، أنه لما دعي إلى وليمة، فرأى شيئا من زي العجب، خرج، وقال: ما من تشبه بقوم فهو منهم. ثم ذكر آثارا في هذا الباب، فإن شاء الله وتعالى نقرأها في درس قادم.