الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 116، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح تحريم تقليد الكفار في أعيادهم وتأثير ذلك على تعظيم أعياد المسلمين، حيث يؤدي اعتياد أعياد الكفار إلى نقص تعظيم أعياد المسلمين في القلوب.
التعود على أعياد الكفار يقلل الرغبة في أعياد المسلمين وقد يؤدي إلى كراهيتها، كما يحدث لمن تأثر بالغرب وتقليدهم فيصبح احتفاله بأعيادهم أكبر.
يناقش المقطع خطورة الإكثار من سماع القصائد والأناشيد على حساب القرآن، ويحذر من أن ذلك يلهي عن القرآن ويبعد عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، أخذنا بعض الوجوه التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تحريم اتباع أو في تحريم تقليد الكفار في أعيادهم أو عمل الأعياد التي يعملها الكفار أو الاحتفال باحتفالاتهم، وكل ذلك مما لا يجوز. فذكر أولا الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف وأقوالهم، ثم ذكر بعد ذلك اعتبارات كثيرة لتحريم هذا الأمر. وذكرنا ثلاثة أوجه مما ذكرها، ثم قال رحمه الله: «الوجه الرابع: أن الأعياد والمواسم في الجملة لها منفعة عظيمة في دين الخلق ودنياهم، كانتفاعهم بالصلاة والزكاة والحج، ولهذا جاءت بها كل شريعة». معنى الأعياد كما قال تعالى: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾، وقال: ﴿لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه﴾، أن هذا المنسك هو الموسم الذي تعظمه الأمة، وجعل الله عز وجل لكل أمة منسكا وموسما في العبادات. قال: «ثم إن الله شرع على لسان خاتم النبيين من الأعمال ما فيه صلاح الخلق على تم الوجوه، وهو الكمال المذكور في قول تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، ولهذا أنزل الله هذه الآية في أعظم أعياد الأمة الحنيفية، فإنه لا عيد في النوع أعظم من العيد الذي يجتمع فيه المكان والزمان، وهو عيد النحر، أن يجتمع فيه الزمان والمكان». معنى الناس يكونون -أي الحجاج يكونون- في مكة يؤدون عبادة الحج، وكذلك الزمان يكون في يوم حرام وشهر حرام، فهذا يكون أعظم. ولهذا يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، وهو أعظم أيام السنة كما جاء في حديث عبد الرحمن بن قرط قال: قال «لا عين من عيان هذا النوع أعظم من يوم كان قد أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامة المسلمين». وقد نفى الله تعالى الكفر وأهله، ولهذا لما قال ذلك الرجل اليهودي لأمير المؤمنين عمر قال له: «يا أمير المؤمنين، إن آية في كتاب الله لو نزلت علينا معشر يهود لاتخذناها عيدا»، قال: «وما هي؟» قال: قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، فقال عمر: «أما إني أعلم أين نزلت ومتى نزلت، نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب بعرفة أو قال: وهو يخطب يوم النحر، وهو يخطب بعرفة، فكانت يوم الجمعة»، قال: «وكان يوم الجمعة وهو بعرفة، وعرفة كما ذكرنا قبل يعتبر من يوم النحر، عرفة ويوم النحر يوم واحد، ليلتهما واحدة». فلهذا كان يوم عيد، يوم معظم عند الله جل وعلا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية في ذلك اليوم. قال: «والشرائع هي غذاء القلوب وقوتها، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه، ويروى مرفوعا: «إن كل آدب يحب أن تؤتى معدبته»، يعني آداب الذي يعمل معدبته -يعمل طعاما- «إن كل آدب يحب أن تؤتى معدبته، وإن معدبة الله هي القرآن». والصحيح في هذا أنه موقوف على عبد الله بن مسعود. وجاء بلفظ: «إن هذا القرآن معدبة الله، فقبوا ما استطعتم». قالوا: «من شأن الجسد إذا كان جائعا فأخذ من طعام حاجة، استغنى عن طعام آخر، حتى لا يأكله، إن أكل منه إلا بكراهة وتجشم، وربما ضره أكله». وإذا أكل ما يحتاج إليه، فإن أكل منه قد يضره أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذي لها الذي يقيم بدنه. فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما عوض من غيره، بخلاف من صرف همه وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه ويكمل إسلامه. وهذا من سنن الله عز وجل في الخلق، أن من اجتهد في البدعة فإنه يترك مثلها من السنة، كما جاء ذلك عن ابن عباس، وجاء أيضا عن بعض السلف. فالمجتهد في البدع فإنه لا شك أنه يترك من السنة، ومن أحب السنة تجد أنه يبتعد عن البدعة. أما من أحب البدعة فإنه يبتعد عن السنة. تقول هذا هنا، الشيخ ضرب مثلا، فذكر: «كأن الجسد إذا كان جائعا فأخذ من طعام حاجة، استغنى عن طعام آخر»، معنى الذي يحتاجه وهو المشروع، وهو العمل المشروع الذي شرعه الله عز وجل، فإن أخذه استغنى عن غيره، لكن إن لم يستغنى عن المشروع وأخذ غيره، فإنه إما أن يضره في مع ذاك الذي كان معه -أي الطعام- وإما أنه لم ينتفع به، ولم يكن أيضا هو الذي يقيم بدنه، فلهذا بل يضر نفسه غالبا. قال: «ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه، تنقص رغبته في سماع القرآن، تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما كرهه». ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها، لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة. وهذا ملاحظ، فالشيخ يقول رحمه الله: «من أكثر من سماع القصائد لطلبه صلاح قلبه»، مثل ما يفعل الصوفية، وكذلك أيضا يفعل كثير من الحزبيين الآن، تجد أنه ينهمك في سماع القصائد، ويحب هذه القصائد، حتى هذه القصائد التي قد تكون مشروعة، فإن الإكثار منها يبعد عن القرآن. الآن بعض الشباب من أهل السنة تجد أنه يحب مثل هذه القصائد، ما إن شاء الله تجد جواله مليئا بقصائد ضفر أو بقصائد غيره، وليس هي حرام، لكن الإكثار منها خطأ، الإكثار من مثل هذه القصائد خطأ، لأنه يبعدك عن سماع القرآن وعن محبة القرآن. وأما هذه ما يسمونه بالأناشيد الإسلامية، فهي لا شك أنها تبعد عن القرآن أكثر، فلهذا ينبغي للمسلم أنه إذا أراد يسمع شيئا من هذه النغمات أو شيئا من هذه القصائد لا يكثر منها، يحاول أنه يسمع القرآن دائما ويقرأ القرآن. وإن شاء سمعه من غيره أو من القراء، لكن أن يكثر من هذه القصائد، فإن هذه تلهيه عن القرآن، ولهذا تجد من أكثر الناس سماعا لهذه الأناشيد، وكذلك الإكثار منها هم الصوفية، لكن تجد أنه من أبعد الناس عن القرآن، من أبعد الناس عن القرآن، سواء كان عن سماعه أو عن الاهتمام به أو العمل به، فهم من أبعد الناس، لم يوفقهم الله عز وجل بالعمل بالقرآن ولا بالاهتمام به، فتجد عندهم القصائد أعظم شيء. ولهذا لما بدأت هذه القصائد في عهد الإمام أحمد وغيره، وكان أصحاب الحارث المحاسبي يعملون مثل هذه القصائد الزهدية والشعرية، فسمعها محمد بن الحسين، بل وبكى لما سمع ذاك الشعر الذي كان يأتون به: «إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني»، فكان فسمعه لما محمد فبكى، لكن حذر منه، فالإكثار من مثل هذه القصائد يرغب عن القرآن ويبعد عن القرآن. فلهذا قال شيخ الإسلام هنا: «ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما كره». وهذا واقع، وهذا واقع كما قلنا، سواء كان عند أهل التصوف أو عند الحزبيين أو حتى عند شباب من أهل السنة ممن أكثر من هذه القصائد. قالوا: «من أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم»، وهذا أيضا مشاهد عند آل التشيع والصوفية، تجد أنهم يحبون السفر إلى المشاهد. وقد يكون الرجل قريبا من البيت الحرام، لكنه لا يذهب، لماذا؟ لأن قالوا له: «إذا ذهبت للقبر الفلاني كأنك حججت ثلاث حجج أو سبع حجج». الآن مثلا تجد ينشرون عند العامة أن من زار أو ذهب زيارة هود فكأنما ذهب الحج سبع مرات. أنا خلاص يقول لك: «سأذهب إلى زيارة هود وأجري سبع حجات أتحصلها بزيارة هود». والشيعة كذلك يعتبرون زيارة كربلاء أفضل من حج بيت الله الحرام، ولهذا تجد الشيعة لا يكترثون بالحج كثيرا، ولا أيضا يذكرون فضائله أكثر مما يذكرون فضائل زيارات المشاهد. فلهذا قال شيخ الإسلام: «من أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة». ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآداب في قلبه ذلك الموقع. وهذا كلام عظيم، وكلام رجل خبير في أهل الفرق وأهل الاختلافات. فأهل المنطق وأهل الفلسفة تجد أنهم عندهم كلام سقراط أو أفلاطون أو غيرهم من علماء الحكمة -كما يقولون- هؤلاء عندهم كلامهم قد يقدم حتى على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعلوا كلامهم كأنه قرآن، كلامهم يعتبرونه كأنه قرآن. الآن لما تقرأ في كتب المعتزلة وكتب الأشاعرة في العقائد، ما تجد «قال الله، قال رسوله صلى الله عليه وسلم» إلا شيئا يسيرا، لكن تسمع «قال سقراط، قال أفلاطون، قال كذا في تغورس»، ومن هؤلاء الذين يظنون أنهم حكماء، فتسمع كلمات كثيرة يأتون بها عن هؤلاء، لكن ما تجد من الآيات ولا حديث إلا الشيء اليسير، فاغتروا بهؤلاء، وتركوا دين الله جل وعلا، وتركوا أدلة الشرع. ولهذا يقول، لما قال ابن القيم رحمه الله: «هؤلاء الفلسفة والمنطق مثل من يريد أن يدخل مكانا فيه ظلمة، فيعطى شمعة، فيضلله، فيطفئ هذا الشمعة ويدخل». قال: «فهؤلاء عندهم كتب اليونان وكتب فارس وكتب هؤلاء القدماء من اليونانيين وغيرهم، وليس عندهم أدلة الشرع، فهم يحاكمون ويحاججون بكلام هؤلاء». الكفار أن أكثرهم أكثرهم ملحدين، هؤلاء اليونانيون القدماء الحكماء، منهم بعضهم -كسقراط مثلا- عنده توحيد، لكن الله أعلم هل هو على شريعة صحيحة أو لا. لكن المهم أنهم ليسوا ما عرفوا بالإسلام وما عرفوا بالدين، فيأخذون كلام هؤلاء كما قال ابن القيم، ويتركون نصوص الكتاب والسنة، ويقررون أن كلام هؤلاء هو العقل، ولهذا يقدمون العقل على النقل، يقدمون العقل على النقل، على أن كلام هؤلاء هو العقل، فلهذا يقدمونه حتى على الكتاب والسنة. وهذا إجرام عظيم، ولهذا لم يوفقوا في باب الاعتقاد، وخاصة الأشاعرة -كما قلنا- الذين يدعون أنهم من أهل السنة، لكن ابتعدوا كثيرا بأخذهم مثل هذه القواعد التي أصلها هؤلاء، وأخذها الجهمية والمعتزلة، فأخذها بعد ذلك الأشاعرة. المهم أن كما قال شيخ الإسلام: «أن من أخذ الآداب من كلام حكماء فارس والروم لا يبقى لحكمة الإسلام وآداب في قلبه ذلك الموقع». ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم، لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام. ونظير هذا كثير، من أدمن والإدمان -معنى الإكثار- من أدمن قصص الملوك وسيرهم دائما يقرأ في الملوك القدماء، ملوك حمير، ملوك سبأ، ملوك كذا، تبع، الفراعنة، فيقرأ في مثل هذه القصص، ويترك قصص الأنبياء، ويترك سيرة النبي عليه الصلاة والسلام. فتجد أنه بعد ذلك لا تجد عنده قيمة أو محبة لقصص الأنبياء أو تعظيم لقصصهم، ولا أيضا لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: «لهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من ابتدع أو ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنه من السنة مثلها»، رواه الإمام أحمد». ولكن الحديث لا يصح، قد مر معنا. قالوا: «هذا أمر يجده من نفسه، من نظر في حاله، من العلماء والعباد والأمراء والعامة وغيرهم». ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع. الآن شيخ الإسلام أراد أن يصل إلى أن من اعتاد أعياد الكفار فإنه بعد ذلك لا تكون لأعياد المسلمين قيمة عنده، ولا تجد تعظيما لأعياد المسلمين، لأنه تعود أعياد الكفار. وهذا لا شك أيضا أنه حاصل، خاصة في هذا الزمان، تجد كثيرا من الناس، سواء كان ممن يعيش في الغرب أو حتى ممن يعيش في البلاد الإسلامية، إذا جاءت أعياد النصارى كان أول الناس من المبادرين في هذه الأعياد، ويحتفل بها، عيد الكريسمس، عيد كذا، فيحتفل بمثل هذه الأعياد. لكن لما تأتي أعياد الإسلام تجد أنه نائم في بيته، لا يحتفل ولا يخرج، بل وأنه يضيق في صدره والابتعاد عن الناس في تلك الأعياد. فالمهم أن هذا شيء مجرب، وهو من السنن الكونية، أن من أكثر من شيء وأدمن فيه لا شك أن هناك أشياء سيتركها. فدلل الشيخ رحمه الله أن من أكثر من القصائد رغب عن سماع القرآن، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد فإنه لا يبقى لحج بيت الله الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم. وكذلك من أكثر من أخذ الحكمة والآداب من حكماء فارس وغيرهم، أو من المجلات والجرائد وكذا، فإنه لا يبقى في قلبه لحكمة الإسلام شيئا من ذلك التعظيم. ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم فإنه لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام. قال: «وهذا أمر يجده من نفسه، من نظر في حاله، من العلماء والعباد والأمراء والعامة وغيرهم». ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع، وكرهتها، أي كرهت الشريعة البدع، لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافا -لا عليه ولا له- لكان الأمر خفيفا. بل لا بد أن يوجب له فسادا، منه أن الفساد هذا في نقض الشريعة، معنى ما يأتي بدعة إلا ويترك مثلها من السنة، كما جاء عن السلف. فلهذا يقول الشيخ هنا: «لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافا لا عليه ولا له لكان الأمر خفيفا، لكن ليس أنه فقط يتلبس بالبدع بل يترك السنة». قال: «فلهذا نقص منفعة الشريعة في حقه، إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض منه». قال: «لهذا قال صلى الله عليه وسلم في العيدين الجاهليين: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيرا منهما»، قد أبدلكم الله بهما يومين خيرا منهما، فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال المبتدعة»، معنى يغذي قلبه من كان يغذي قلبه من أعمال الأعمال المبتدعة. لا شك أنه سيبعد قلبه عن الغذاء الصحيح، وهو من شريعة الله والأعمال الصالحة. قال: «أو من كمال الاغتذاء بتلك الأعمال الصالحة النافعة الشرعية، فيفسد عليه حاله من حيث لا يشعر، كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا يشعر». وبهذا يتبين لك بعض ضرر البدع. ولهذا تجد أن المبتدع أول ما يأتي بالبدعة يأتي بها شيئا يسيرا، يتعلق بشيء يسير من البدع، ثم بعد ذلك يترك الأصول. ولهذا قال ابن مسعود -كما ذكر ابن وضاح- «البدع تأتي صغيرة، فإن تركتموهم جاءوا بالطامات، إذا لم تنكروا هذه البدعة التي هي يسيرة، فإنهم يأتون بالطامات». ولهذا قال عمر بن سلمة الذي روى أثر عبد الله بن مسعود في أصحاب الحلق، قال: «فرأيت عامة أصحاب الحلق يطاعنون يوم النهروان، بدأوا ببدعة يسيرة، وهي التحلق وذكر الله الجماعي، يقولون: «كبر الله مئة»، فعندهم حصى يكبرون الله مئة، فبعد ذلك أخرجتهم هذه البدعة إلى ما هو أعظم، فصاروا يقاتلون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «نأخذ هذا، وإذا تبين هذا فلا يخفى ما جعل الله في القلوب من التشوق إلى العيد والسرور به والاهتمام بأمره، اتفاقا واجتماعات، وراحة ولدة وسرورا، وكل ذلك يوجب تعظيمه لتعلق الأغراض به»، أنه أن القلب يحب العيد، لكن لو تشبع بعيد الكفار لا شك أن عيد أهل الإسلام ستكون في قلبه لا شيء. قال: «فلهذا جاءت الشريعة في العيد بإعلان ذكر الله فيه، حتى جعل فيه من التكبير في صلاة وخطبته وغير ذلك ما ليس في سائر الصلوات، لم يثبت في الخطبة، وأما الصلاة فهو ثابت، لكن جاء عن بعض السلف أنهم كانوا يكبرون في الخطب، وجاء حديث لكنه لا يصح». قال: «وقامت فيه من تعظيم الله وتنزيل الرحمة فيه، خصوصا العيد الأكبر، ما فيه صلاح الخلق، كما دل عليه قول تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجلا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم﴾، قال: «فصار ما وسع على النفوس فيه من العادات الطبيعية عونا على انتفاعها بما خص به من العبادات الشرعية». فإذا أعطيت النفوس في غير ذلك اليوم حظها أو بعضه الذي يكون في عيد الله، فترت عن الرغبة في عيد الله، وزال ما كان له عندها من المحبة والتعظيم، فنقص بسبب ذلك تأثير العمل الصالح فيه، فخسرت النفوس خسرانا مبينا. وهذا الذي قد ذكرناه أراد رحمه الله أن يقرر هذا الأمر، وأن من اعتاد الاحتفالات بأعياد النصارى واليهود فلا شك أنه لا تبقى في قلبه تعظيما لأعياد المسلمين. قال: «وقل الدرجات أنك لو فرضت رجلين أحدهما قد اجتمع اهتمامهم بأمر العيد على المشروع، والآخر مهتم بهذا، فإنك بالضرورة تجد المتجرد للمشروع أعظم اهتماما به من المشرك بينه وبين غيره». هذا أقل درجة، رجال أنك تجد الرجل مثلا يحتفل بعيد الكفار ويحتفل كذلك بعيد المسلمين، لكن لا شك أنه بينه فرق، بين ذاك الذي يهتم بأعياد المسلمين دون غيرها، فيكون رغبته أكثر في عيد أهل الإسلام. قال رحمه الله: «وأما الإحساس بفتور الرغبة فيجده كل أحد، فإن نجد الرجل إذا كسا أولاده أو وسع عليه في بعض الأعياد المسخوطة، فلابد أن تنقص حرمة العيد المرضي من قلوبهم، حتى لو قيل: «بل في القلوب ما يسح هذين»، قيل: «لو تجردت لأحدهما ملك أنا أكمل». وخلاصة ما يذكر في هذا الوجه أن العيد أو أن من تعود أعياد الكفار فإنه تقل عنده الرغبة في أعياد المسلمين، بل قد تذهب ذلك، بل قد يكره أعياد المسلمين، كما هو الحاصل في كثير ممن حب الغرب وقلدهم وصار مثلهم، يحتفل وصار عنده أعياد الكفار أعظم من أعياد المسلمين، نسأل الله عز وجل السلامة. والحمد لله رب العالمين.