الدرس في كتاب الطهارة 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع الأول والأخير مسألة تنجيس الماء عند ملامسة النجاسة له، حيث يوضح أن الماء لا ينجس إذا لاقته النجاسة ولم تتغير أوصافه.
يستعرض المقطعان الأول والثاني آراء الفقهاء حول تنجس الماء القليل والكثير، حيث يرى البعض أن الماء القليل ينجس بملامسة النجاسة بينما لا ينجس الكثير إلا إذا تغيرت أوصافه.
يناقش المقطع الثالث حكم الماء إذا تغير أحد أوصافه بنجاسة، ويبين أن الإجماع هو دليل نجاسة الماء المتغير، مع الإشارة إلى ضعف بعض الأحاديث في هذا السياق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. بعد ذلك، ذكر المؤلف في حديث أبي سعيد مسألة، ومن ضمنها أيضًا مسألة أخرى، وهي مسألة وقوع النجاسة على الماء. والمسألة الأخرى هي الفرق بين القليل والكثير. ذكر رحمه الله أن مالكًا، ورواية عن أحمد، يقولون: إن الماء لا ينجس إلا إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة، سواء كان قليلًا أم كثيرًا، وسواء كان يتحرك طرفه أو لا يتحرك. إذا حرك طرفه الأول إلى غير ذلك مما ذكر من الآراء، فلا فرق عندهم بين القليل والكثير، وإنما العبرة بالتغير. وذهب الشافعي، والحنفية، والهادوية، إلى أنه أيضًا كذلك، ومشهور عن الحنابلة إلى أن الماء يفرق بين القليل والكثير. فالقليل ينجس بمجرد ملاقاته للنجاسة، مجرد ما تلقى فيه النجاسة ينجس، والكثير لا ينجس إلا بالتغير. قلنا: إن الأدلة تؤيد القول الأول، وهو أن الماء لا ينجس إلا إذا غيرته النجاسة، غيرت أحد أوصافه الثلاثة. وهذا الذي تقتضيه الأدلة، وقد رجح هذا أيضًا شيخ الإسلام، وابن القيم، وغيرهم من أئمة الإسلام. أحيانًا يخالفونه قول بعض المتأخرين؛ لأن مذهبهم هو مقود من الحنفية، من مذهب الحنفية، لكن رقعوه ببعض الأشياء أخذوها من هنا وهناك. ولهذا كان الشيخ رحمه الله، شيخنا مقبل، يقول: إن مذهب الهادوية مبني على الهيام، يعني ليس مذهبًا ثابتًا، وإنما هو مقود من المذاهب، وأكثر مسائلهم على مذهب الحنفية. قال: الآن يناقش أدلة الحنفية. قال: وقالت الحنفية: المراد بلا ينجسه، لا ينجسه شيء الكثير الذي سبق تحديده. وقد أعلوا حديث القلتين بالاضطراب. الحنفية، وكذلك أعلّه الإمام المهدي في «البحر الرائق». الإمام المهدي هذا من أئمة الهدوية. قالوا: بعضهم تأوله، وبقية الأحاديث في القليل. ولكنه ورد عليهم حديث بول العرابي. فإنه كما عرفت دل على أنه لا يضر قليل نجاسة قليل الماء. فدفعته الشافعية بالفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه. يعني يفرقون بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة. فقالوا: إذا وردت النجاسة على الماء نجسته، كما في حديث الاستيقاظ. وإذا ورد الماء عليها لم تضره، كما في خبر بول العرابي. قالوا: فيه بحث حققناه في حواش شرح العمدة، وحواشي ضوء النهار. وحاصله أنهم حكموا أنه إذا وردت النجاسة على الماء القليل نجسته، وإذا ورد الماء عليها لم ينجس. فجعلوا علة عدم تنجيس الماء الورود على النجاسة، وليس كذلك. كما ذكرنا قبل أن الإمام عبد البر قال: من جاء بالفرق فقد تناقض. معنا لا فرق بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة. قال: بل التحقيق أنه حين يرد الماء على النجاسة يرد عليها شيئًا فشيئًا حتى يفني عينها وتذهب. قبل فنائها فلا يأتي آخر جزء من الماء الوارد على النجاسة إلا وقد طهر المحل الذي اتصلت به، أو بقي فيه جزء منها يفنى ويتلاشى حتى ملاقات آخر جزء منها يرد عليه الماء، كما تفنى النجاسة وتتلاشى إذا وردت على الماء الكثير بالإجماع. فلا فرق بين هذا وبين الكثير في إفناء الكل للنجاسة. فإن الجزء الأخير الوارد على النجاسة يحيل عنها لكثرته بالنسبة إلى ما بقي من النجاسة. فالعلة في عدم تنجسه بوروده عليها هي كثرته بالنسبة إليها، لا الورود. فإنه لا يعقل التفرقة بين الورودين بأن أحدهما ينجسه دون الآخر، حتى بالعقل. ورود الماء على النجاسة يأتي إليها شيء فشيء حتى تذهب. طيب ورود النجاسة على الماء، كيف نعرف أنها أثرت عليه؟ كيف نعرف أنها أثرت؟ لكن وقوع شيء يسير من البول مثلًا؛ لأنهم يقولون: حتى شيء يسير، حتى قطرات بول مثلًا. وكان إنسان عنده ماء في صحفة، ووقعت مثلًا قطرات البول فيه، فعندهم أنه نجس، يعتبر نجسًا؛ لأنه ماء قليل. طيب هذه النجاسة التي وقعت كيف تأثر الماء بها؟ طبعًا أن الماء ما سيتأثر، لكن متى نعرف أن الماء تأثر؟ إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة نعرف أن الماء تأثر بهذه النجاسة. فلهذا أيضًا من ذلك أنه إذا كان كثيرًا يقولون: إنه لا تؤثر فيه هذه النجاسة القليلة. طيب أيش الفرق بين الكثير والقليل حتى نعرف أن هذا تغيرت فيه، وهذه لم تتغير؟ إلا بالتغير، فلهذا فالتغير لا بد منه. قال: فإن الجزء الأخير الوارد على النجاسة يحيل عينها لكثرته بالنسبة إلى ما بقي من النجاسة. فالعلة في عدم تنجسه بوروده عليها هي كثرته بالنسبة إليها، لا الورود. فإنه لا يعقل التفرقة بين الورودين بأن أحدهما ينجسه دون الآخر. قال: وإذا عرفت ما أسلفناه، وأن تحديد الكثير والقليل لم ينهض على أحدهما دليل، فأقرب الأقاويل بالنظر إلى الدليل قول القاسم بن إبراهيم، ومن معه، وهو قول جماعة من الصحابة، كما في «البحر». وعليه عدة من أئمة آل المتأخرين، واختاره منهم الإمام شرف الدين الصنعاني. دائمًا يذكر مذاهب أئمة البيت؛ لأنه كان في وضعه أن كان مذهب الزيدية منتشرًا في صنعاء منتشرًا كبيرًا. فلهذا كان يظهر الصنعاني مذهب الزيدية، وهذا لأجل أن الناس يتقبلون كتابه، وإلا إذا لم يذكر أئمة البيت -كما يقولون- والعترة، تجد أنه ما سيتقبلون كتابه. قال: وقال ابن دقيق العيد: إنه قول لأحمد، أي هذا القول، وهو أن الماء لا يتنجس إلا بالتغير. قال: ونصره بعض المتأخرين من أتباعه، وهو يريد ظاهر شيخ الإسلام ابن تيمية. قال: ورجحه أيضًا من أتباع الشافعي القاضي أبو الحسن الروياني، صاحب «البحر». قال: صاحب «البحر» المذهب. قاله في «الإمام»، الإمام هذا كتاب لابن دقيق العيد، شرح فيه «الإلمام»، وهو كتاب موسع، شرح أسهب فيه، لكنه لم يوجد منه إلا أشياء يسيرة. «الإمام شرح الإلمام»، «الإلمام» هذا كتاب مثل بلغ المرام، فيه حديث الأحكام، ثم شرحه في «الإمام». قال: وقال ابن حزم في «المحلى»: إنه روي عن عائشة من المؤمنين، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، والحسن بن علي بن أبي طالب، وميمونة أم المؤمنين، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان، والأسود بن يزيد -معنا من التابعين- الأسود بن يزيد النخعي، وعبد الرحمن أخيه، وابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، ومجاهد، وعكرمة، والقاسم، ومحمد الحسن البصري، وغير هؤلاء: أن كلهم جاء عنهم هذا القول، أي أن الماء لا يتنجس إلا إذا تغير بالنجاسة، ولا فرق بين الكثير والقليل. قال: قالوا: عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه». أخرجه ابن ماجة، وضعفه أبو حاتم. وللبيهقي: «الماء طهور لا ينجسه تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه». قال: وعنى بأمامة -أي بضم الهمزة- أمامة صدي بن عجلان، وهو من الموحدين. معنى من الأسماء المفردة في الصحابة، ليس هناك صدي إلا أبو أمامة. قال الباهلي: بموحدة، نسبة إلى باهلة، في القاموس: باهلة قوم، واسم أبيه عجلان صدي بن عجلان الباهلي. قال ابن عبد البر: لم يختلف في ذلك -يعني في اسمه واسم أبيه- سكن أبو أمامة مصر، ثم انتقل عنها وسكن حمص -حمص معروفة في الشام- قال: ومات بها سنة إحدى، وقيل: سنة ست وثمانين، وقيل: هو آخر من مات من الصحابة بالشام. كان من المكثرين في الرواية عنه صلى الله عليه وسلم، وليس من المكثرين الذين ذكروا فوق العلف، لكنه يعتبر ممن أكثر في الحديث. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه». قال: المراد أحدها، كما يفسر حديث البيهقي: «ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه». قال: أخرجه ابن ماجة، وضعفه أبو حاتم. وهذا الحديث لا يصح؛ لأنه من رواية رشدين بن سعد، وهو متروك. وجاء من يتابعه، لكن الحديث أيضًا معلوم. الصحيح في الحديث أنه مرسل، كما رجح ذلك أبو حاتم. الصحيح أنه راشد بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أخرجه ابن ماجة، وضعفه أبو حاتم. قال: ذهب في حقي أبو حاتم، هو الرازي الإمام الحافظ الكبير محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أحد العلماء الحنظلي مولاه الحنظلي التميمي. ولد سنة 195 أو 100 وأثنى عليه إلى أن قال: قال النسائي: ثقة. توفي أبو حاتم في شعبان سنة 277 أو 200، وله 82 أو 80 سنة. بل هو إمام من أئمة هذا الشأن. قال: وإنما ضعف الحديث؛ لأنه من رواية رشدين بن سعد -بكسر الغين وسكون المعجمة- قال أبو يوسف: كان رشدين رجلًا صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث، وهو متروك. قال أبو يوسف: ما أدري من هذا؟ آه ابن يونس. خال في المسند. مطبوع. أبو يوسف، لكن الصواب -التقريب- أنه أبو يونس. قال أبو يوسف: ابن يونس، آه ابن يونس هذا مؤرخ أهل مصر، تاريخ مصر لابن يونس، تمام تاريخ مصر. حقيقة الحديث الضعيف هو مقتل فيه أحد شروط الصحيح والحسن، وله 6 أسباب معروفة سردها في الشرح. عنها شروط الحديث المقبول، كما هو معروف: عدالة الرواة، وضبطهم، واتصال السند، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، وعدم العاضد عند الاحتياج. قال البيهقي: والحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين، له التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، كان زاهدًا ورعًا تقيًا، ارتحل إلى الحجاز والعراق. قال الذهبي: تصانيف وتقارب ألف جزء. وبيهق: بموحدة مفتوحة، ومثنى تحتية ساكنة، وها مفتوحة، فقاف، بلد قرب نيسابور. أي رواه بلفظ: «الماء طهور إلا أن تغير ريحه أو طعمه أو لونه أحدث فيه بنجاسة». الباء سببية، أي بسبب نجاسة تحدث فيه. قال المصنف: قال الدارقطني: قال المصنف -معنا الحافظ ابن حجر- قال الدارقطني: ولا يثبت هذا الحديث. وقال الشافعي: ما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسًا، يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه لا يثبت، أهل الحديث مثله. وقال: إنه يتفق المحدثون على تضعيفه، لكن عملوا به. وفي كلام الشافعي أيضًا ما يدل على هذا، لكنه ضعيف من ناحية الإسناد. وقال: إنه يتفق المحدثون على تضعيفه. والمراد تضعيف رواية الاستثناء، لا أصل الحديث؛ فإنه قد ثبت في حديث بئر بضاعة، ولكن هذه الزيادة قد أجمع العلماء على القول بحكمها. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس. فالإجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه، لا هذه الزيادة. وخلاصة المسألة كما قلنا، هذا الذي ذكرناه: أن الصحيح أن الماء إذا لاقته نجاسة فلم تغيره لا ينجس، وإن غيرته تنجس، صار معه النجس، لا يجوز الوضوء به. فهذا خلاصة ما يذكره.