كتاب الطهارة 9

كتاب الطهارة 9

الدرس في كتاب الطهارة 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث النهي عن الاغتسال في الماء الدائم

يناقش شرح حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي ينهى عن الاغتسال في الماء الدائم وهو جنب، واستعراض مختلف الروايات والآراء الفقهوية حول معنى الحديث. يتناول المقطع دلالة الحديث على النهي عن البول والاغتسال في الماء الراكد.

حكم الاغتسال في الماء الراكد والجاري

تناول حكم الاغتسال في الماء الراكد والجاري، حيث اختلف العلماء بين كراهته وتحريمه، واستعراض آراء مختلف المذاهب الفقهية في هذه المسألة. يخلص إلى أن الصحيح هو التحريم في الماء القليل الراكد.

نية الكتابة والختام

نية الكتابة بإذن الله تعالى تعبير عن العزم على البدء في الكتابة، ويبدو أنه يشير إلى نهاية الدرس أو بداية موضوع جديد.

  • 19 جمادى الآخرة 1445هـ - 31/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «لا يقزل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» أخرجه مسلم. هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من طريق عمر بن الحارث عن بكير بن العشج عن السائب مولى بني زهرة عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-. وجاءت أيضا روايات أخرى كما سيذكرها المؤلف. قال البخاري «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه»، ولمسلم «لا يغتسل فيه من الجنابة». قال الشارح: عن أبي هريرة قال للرسول الله -صلى الله عليه وسلم- «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم»، قال: وهو الراكد أو الراكد الساكن. ويأتي وصفه بأنه الذي لا يجري. قوله «وهو جنب» أخرجه بهذا اللفظ مسلم. البخاري «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل»، قال: «رُفِعَتْ» اللام، «ثم يغتسل» على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: ثم هو يغتسل. معنى الحديث: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل، أي: لأنه سيحتاج إليه ثم يغتسل فيه. مثل قول النبي -عليه الصلاة والسلام- «لا يضرب أحدكم امرأته كضرب الفحل ثم هو يجامعها»، معنى أنه سيحتاج إلى أن يجامعها، فكيف يضربها ضرب الفحل؟ وهذا مثله. لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، أي: لأنه أيضا سيحتاج إليه للغسل، فلا يبول فيه. وبعضهم جعله على أنه معطوف على «لا يبولن»، أي: لا يبول ولا يغتسل. معنى أنه نهي عن الاثنين معا. والرواية الأولى التي ذكرها المؤلف تدل على هذا. وأيضا قد جاء في حديث جابر -عند مسلم- نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبال في الماء الراكد، فدل على أن اغتسال الجنب في الماء الدائم منهي عنه، وبوله أيضا منهي عنه، سواء كان من نفس الجنب أو من غيره. قالوا: قد جوز جزمه على عطفه على موضع «يَبُولَنَّ»، على أنه «آذى». معنى نهي عن الاغتسال وعن البول. ونصبه في تقدير معنى «ثم يغتسل»، في تقدير «أنْ» على البدل، «ثم» بالواو، أو «الواو» في ذلك. وإن أفاد أن النهي إنما هو عن الجمع بين البول والاغتسال دون إفراد أحدهما، مع أنه ينهى عن البول فيه مطلقا. معنى ذلك: إذا كان بالرفع، يدل على هذا، وبالنصب يدل على أن الاثنين منهي عنهما. قال: «فإنه لا يخل بجواز النصب»، لأنه يستفاد من هذا النهي عن الجمع، ومن غير النهي عن إفراد البول وإفراد الاغتسال. والأمر يحتمل أن المراد به النهي عن الجمع بين الاغتسال والبول، ومحتمل أن كليهما منهي عنه. لأنه جاء في حديث أبي هريرة «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، وفي حديث جابر أيضا نهي عن البول. قال: هذا بناء على أن «ثم» قد صارت بمعنى «الواو» تفيد الجمع. وهذا قاله النووي، معترضا به على ابن مالك حيث جوز النصب. وأقره ابن دقيق العيد في غير شرح العمدة، إلا أنه أجاب على النووي بما فعله. قوله «فإنه لا يخل بجواز النصب» إلى آخره، قال: قلت، والذي تقتضيه قواعد العربية أن النهي في الحديث إنما هو عن الجمع بين البول ثم الاغتسال منه، سواء رفعت «اللام» أو نصبت. وذلك لأن «ثم» تفيد ما تفيده «الواو» العاطفة في النهي، الجمع، وإنما اختصت «ثم» بالترتيب. فالجميع واهمون فيما قرروا. ولا يستفاد النهي عن كل واحد على انفراده من رواية البخاري، لأنها إنما تفيد النهي عن الجمع. ورواية مسلم تفيد النهي عن الاغتسال فقط. إذا لم تفيد برواية البخاري، ثم رواية أبي داود بلفظ «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه»، تفيد النهي عن كل واحد على انفراده فيه. ولمسلم في رواية أخرى «منه» بدلا عن قوله «فيه». والأولى تفيد أنه لا يغتسل فيه بالانغماس مثلا. وقوله «ثم يغتسل فيه»، ولا يغتسل فيه، أي: بالانغماس. وقوله «منه» في رواية أبي داود «منه ثم يغتسل»، ولا يغتسل منه، أي: حتى بالتناول. لكن هذه الرواية كأنها رواية بالمعنى، رواها بعض الرواة بالمعنى. وإلا فالأحاديث تدل على أن الاغتسال فيه هو الذي يمنع، أما بالتناول فلم يأت ما يمنعه. ومن ذلك أيضا أن أبا هريرة لما سئل «كيف يفعل؟» قال: «يتناوله تناول». تناوله، ولو كانت عنده هذه الزيادة «منه» لم يقل هذا. والله أعلم. قال: والثاني تفيد أنه لا يتناول منه ويغتسل خارجه. وهذا لم يقل به إلا اليسير من العلماء، أي: أن النهي داخل حتى في التناول. والصحيح أن التناول يجوز، يعني يجوز مثلا إذا كان ماء ساكن يتناول منه، يأخذ إما بيده أو بمغرفة، ولا شيء فيه. وإنما الماء المنهي عنه هو الانغماس في الماء. قال: أولى أبي داود بلفظ «ولا يغتسل فيه» عوضا عن «ثم يغتسل من الجنابة»، عوضا عن قوله «وهو جنب». «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ولا يغتسل فيه من الجنابة»، فهذا نهي، وهذا نهي. وإن لم يؤخذ من هذا الحديث، يؤخذ من الحديث التي جاءت. والقول هنا «ولا يغتسل» -عند أبي داود- يدل على أن النهي عن كل واحد من الأمرين على انفراده، كما هو أحد الاحتمالين الأولين في رواية «ثم يغتسل منه». قال: في الشرح، أي: في شرح بدر التمام، وهذا النهي في الماء الكثير للكراهة، وفي الماء القليل للتحريم. قيل: على أنه يؤدي إلى استعمال لفظ النهي في حقيقته ومجازه. فالأحسن أن يكون من العموم المجاز. طيب، فالأحسن أن يكون من العموم المجاز، والنهي مستعمل في عدم الفعل الشامل للتحريم وكراهة التنزيه. الآن يقول: هذا النهي في الماء الكثير للكراهة، في الماء القليل للتحريم. إذا كان ماء قليلا يكون محرما، إذا كان ماء كثيرا يكون مكروها. وهذا لا دليل عليه. لأن الماء الساكن لا تدخل فيه هذه المياه الكبيرة المستبحرة كالنهار والعيون الكبيرة. وإنما المقصود بالذي لا يجري هو الماء القليل غالبا. وبعض العلماء فرق بين الدائم وغيره، فرق بين الدائم والساكن. الدائم قال: الذي هو موجود ماء دائم، لكنه مستمد له من مكان آخر، على سبيل المثال: تجري إليه سيول، أو مثلا فيه قناة إليه على ماء شرط، أو ماء يجري إليه. لكن الماء هذا يأتي من فوقه فيتغير الماء أو يتبدل. لكن الماء يكون موجودا، والراكد هو الذي لا يمتد بماء آخر. على الراكد: محجوز، ما محجوز، ليس له امتداد بماء آخر. والأمر سهل، فكلاهما حكمهما واحد، سواء كان دائما أو راكدا. وعلى التفريق بين الماءين لا دليل عليه. قال: قال في الأحسن أن يكون من عموم المجاز، والنهي مستعمل في عدم الفعل الشامل للتحريم وكراهة التنزيه. فأما حكم الماء الراكد، أنا الآن سأدخل في مسألة مسألة الحديث، فهل النهي هذا للكراهة أم للتحريم؟ فذهب جماعة كالشافعي وأبي حنيفة وغيرهما على أنه مكروه. أقصد الشافعي ومالكا قالوا: إنه مكروه. وقال أحمد: إنه محرم، وهو قول الظاهرية، على أن النهي هذا للتحريم. قال: فأما حكم الماء الراكد وتنجسه بالبول، ومنعه من التطهير بالاغتسال فيه للجنابة، فعند القائلين بأنه لا ينجس إلا ما تغير أحد أوصافه، النهي عنه للتعبد، وهو طاهر في نفسه. وهذا عند المالكية، فإنه يجوز التطهر به، لأن النهي عندهم للكراهة. وعند الظاهرية: أنه للتحريم. المالكية يقولون: للكراهة، كذلك مذهب الشافعية والحنابلة. والظاهرية يقولون: للتحريم، وهو مذهب أحمد. وأما الرواية التي ذكروها عن أحمد أنه يقول بنجاسة الماء، فهذا لم يثبت. قال: فعند القائلين بأنه لا ينجس إلا ما تغير أحد أوصافه، النهي عنه للتعبد، وهو طاهر في نفسه، لأنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة. وهذا عند المالكية، فإنه يجوز التطهر به، لأن النهي عندهم للكراهة. المسألة الأولى صحيحة. طيب، ما مسألة أنه للكراهة؟ لا دليل عليها. صحيح أن الأصل في النهي التحريم، أنه يحرم اغتسال الجنب، وكذلك أيضا البول. قال: وإن كان النهي تعبدا لا لأجل التنجيس، لكن الأصل في النهي التحريم. وهناك من قال: إنه نجس، ونسب هذا إلى أبي حنيفة، أي: على الماء نفسه. وبعضهم قال: إن الماء يكون مستعملا، يكون طاهرا غير مطهر، كما هو قول الشافعي، ورواية عن أحمد. يقول: والمشهور عن أحمد أنه طهور، أن الماء طهور لا ينجسه شيء. قال: وما عند من فرق بين القليل والكثير، فقالوا: إن كان الماء كثيرا، وكل على أصله في حده، ولم يتغير أحد أوصافه، فهو طهور. والدليل على طهوريته تخصيص هذا العموم، قال: إلا أنه قد يقال: إذا قلت بالنهي للكراهة في الكثير، فلا تخصيص لعموم الحديث. وإن كان الماء قليلا، وكل في حده على أصله، فالنهي عنه للتحريم، إذ هو غير طاهر ولا مطهر. وهذا على أصلهم في كون النهي للنجاسة. قال: أذكر في الشرح الأقوال التي في البول في الماء، وأنه لا يحرم في الكثير الجاري. أو الجاري كما يقتضيه مفهوم هذا الحديث. والأولى اجتنابه على باب الاحتياط. أما القليل الجاري، فقيل: يكره، وقيل: لا يحرم، وهو الأولى، لأنه شيء يسير. قال: قلت: بل الأولى خلافه، إذ الحديث في النهي عن البول فيما لا يجري، فلا يشمل الجاري، قليلا كان أو كثيرا. الماء الجاري لا يدخل في النهي، سواء كان في البول أو في الاغتسال. قال: نعم، لو قيل بالكراهة لكان قريبا. وإن كان كثيرا راكدا، فقيل: يكره مطلقا. إذا كان كثيرا مثل البركة، البركة تكون كبيرة لكنها راكدة. قال: كان قاصدا إلا إذا عرض وهو فيه، فلا كراهة. قال: في الشرح، ولو قيل بالتحريم لكان أظهر وأوفق لظاهر النهي، لأن فيه إفسادا له على غيره، ومضارة للمسلمين. هذا لا شك هو الذي حصل. قال: هنا، إن كان قاصدا الذي إذا عرض وهو فيه، فلا كراهة. قال: في الشرح: المهم أن يقول الشيخ هنا أن التحريم هو الأولى، التحريم هو ظاهر الحديث. قال: قال في الشرح: ولو قيل بالتحريم لكان أظهر وأوفق لظاهر النهي، لأن فيه إفسادا له على غيره، ومضارة للمسلمين. وإن كان راكدا قليلا، فالصحيح التحريم للحديث. ثم هل يلحق غير البول كالغائط به في تحريم ذلك في هذا الماء القليل؟ فالجمهور على أنه يلحق به بالأولى، لأنه أنجس منه. وكذا، وعن أحمد: لا يلحق به غيره، بل يختص الحكم بالبول. وهذا على أن العلة غير معروفة. قال: فالجمهور على أنه يلحق به بالأولى، وعن أحمد: لا يلحق به غيره، بل يختص الحكم بالبول. وقوله «في الماء» صريح في النهي عن البول فيه، وأنه يجتنب إذا كان كذلك. حتى لأجل كثرة الباعلين، لو قل: إنه يجوز البول لكثرة الباعلين فيه، فلهذا منعوه. قال: وأنه يجتنب إذا كان كذلك، فإذا بال في إناء وصبه في الماء الدائم، فالحكم واحد. بخلاف داود وابن حزم، ابن حزم يقول: لو أخذ ماء أو بال في إناء وصبه، فلا شيء في هذا. وهذا ظاهرية مقيتة. يقول ابن حزم: البول منهي عنه المباشر، أما إذا أخذه في علبة مثلا وصب العلبة في الماء، فهذا يقول: جائز. وهذا خطأ، لأنه لا فرق بين البول المباشرة وبين صبه من علبة مثلا. قال: وقوله «في الماء» صريح في النهي عن البول فيه، وأنه يجتنب إذا كان كذا، فإذا بال في إناء وصبه في الماء الدائم، فالحكم واحد. وعند أبي داود: لا ينجسه، ولا يكون منهي عنه إلا في الصورة الأولى لا غير. وحكم الوضوء في الماء الدائم الذي بال فيه من يريد وضوء، حكم الغسل، إذا الحكم واحد، سواء الغسل أو الوضوء. قال: وقد ورد في رواية «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه»، ذكرها في الشرح، ولم ينسبها إلى أحد. وقد أخرج عبد الرزاق وأحمد بن حنبل وأبو شيبة والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وابن حبان في حديث أبي هريرة، ومرفوعا. أخرجه الطحاوي وابن ماجه والبيهقي، بزيادة «أو يشرب». طيب، «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه»، ذكرها في الشرح، ولم ينسبها إلى أحد. وقد أخرج عبد الرزاق وأحمد بن حنبل وأبو شيبة والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وابن حبان في حديث أبي هريرة، ومرفوعا. أخرجه الطحاوي وابن ماجه والبيهقي، بزيادة «ويشرب». وخلاصة هذه المسائل: أن مسألة الاغتسال، الصحيح فيها أنه للتحريم. وكذلك البول يكون للتحريم. لكن هل ينجس الماء؟ وهي مسألة الباب هنا، وذكره المؤلف، الصحيح وهو قول الجمهور: أنه لا ينجس. لكن هل يمن. من الاستعمال الماء أيضا؟ عند الشافعي: أنه يمنع من استعمال الماء. وعند مالك، ورواية عن أحمد: أنه لا يمنع الماء أو استعمال الماء، لا يمنع استعمال الماء. ومن روى عن أحمد: ومن روى عن أحمد أنه ينجس أو يتنجس المسجد أو الماء، أقصد: فهذا لا يثبت عن أحمد، كما أنكره الشيخ الإسلام ابن قيم وجماعة. قالوا: لعلهم لم يفهموا كلام أحمد، أو قال بعض الشراح: لعلهم لم يفهموا كلام أحمد، فنقل على هذا. وإلا فوصول أحمد تدل على غير ذلك. فليس هناك ما يدل على النجاسة أبدا. فلهذا مسألة النجاسة بعيدة. وأيضا مثل استعمال الماء، وأن الماء يكون مستعملا، وكذا، فهذا يظن: لا دليل عليها. إن شاء الله نكتب بهذا.