كتاب الصلاة 24

كتاب الصلاة 24

الدرس في كتاب الصلاة 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

صلاة المأموم خلف إمام جالس وتأصيل متابعة الإمام

روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قاعدا بعد أن جرح، فصلوا خلفه قعودا وأمرهم بمتابعته. الحديث يبين كيفية متابعة المأموم للإمام في الصلاة.

وجوب متابعة الإمام في أفعال الصلاة

يجب على المأموم أن يقتدي بالإمام في أركان الصلاة وواجباتها مثل التكبير والركوع والسجود، ولا يتقدم عليه أو يتأخر عنه. الحديث يبين أهمية هذه المتابعة.

حكم صلاة المأموم قاعدا خلف إمام قاعد وآراء أهل العلم

اختلف أهل العلم في حكم صلاة المأموم قاعدا خلف الإمام القاعد، حيث يرى البعض أن هناك نسخا بحديث آخر بينما يرى آخرون مثل الإمام أحمد تفصيلا في المسألة.

توجيه الجمع بين الأحاديث وتقديمه على النسخ

يفضل الجمع بين الأحاديث على النسخ لأن النسخ يكون عند تعذر الجمع، والجمع ممكن هنا. الله تعالى أعلم بالصواب في هذه المسائل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمر الناقد، وزهير بن حرب، وأبو كريب، جميعا عن سفيان. قال أبو بكر: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سقط النبي صلى الله عليه وسلم عن فرس، فجُحش شقه الأيمن جُحشا، يعني جرحا وخدشا. قال: فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدا، فصلينا وراءه قعودا. فلما قضى الصلاة، قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون». قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، وحدثنا محمد بن رمح، قال: أخبرنا الليث عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: خر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرس، فجُحش، فصلى لنا قاعدا، ثم ذكر نحوه. قال: أو حدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صُرع عن فرس، فجُحش شقه الأيمن، بنحو حديثهما، وزاد: «فإذا صلى قائما فصلوا قياما». قال: وحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا، فصرع عنه، فجُحش شقه الأيمن، بنحو حديثهم، وفيه: «فإذا صلى قائما فصلوا قياما». قال: وحدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: أخبرني أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم سقط عن فرسه، فجُحش شقه الأيمن، وساق الحديث، وليس فيه زيادة يونس ومالك، يعني قوله: «فإذا صلى قائما فصلوا قياما»، لم يذكر هذه الزيادة. قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا، فصلوا بصلاته قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، فجلسوا. فلما انصرف، قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا». قال: وحدثنا أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا حماد، عن ابن عجلان، وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن نمير، وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، جميعا عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد نحوه. حديث أنس بن مالك رضي الله عنه يخبر بأن النبي عليه الصلاة والسلام ركب فرسا، ثم سقط عليه الصلاة والسلام من على هذا الفرس، فجُحش جُحشا، يعني خدشا، فعاده أصحابه رضي الله تعالى عنهم، فصلى بهم. وصلى النبي صلى الله عليه وسلم جالسا، فأشار إليهم النبي عليه الصلاة والسلام، أو أخبرهم أنه يجب متابعة الإمام في الصلاة، ومن ذلك إذا صلى قاعدا، فإنهم يصلون قعودا، إكمالا لمتابعة الإمام. ففي هذا الحديث وجوب اعتمام المأموم بالإمام. اعتمام المأموم بالإمام، «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، يعني يقتدى به. فالمأموم يقتدي في صلاته بالإمام، فلا يتأخر عنه، ولا يتقدم عليه، بل يتابعه في أركان الصلاة وواجباتها. فإذا كبر فكبروا، فالمأموم يكبر بعد تكبيرة الإمام، لا يكبر قبله، ولا يكبر معه. إذا كبر الإمام وانتهى من التكبير، يكبر بعده المأموم. وإذا كبر قبله، لا يصح اعتمامه به. إذا كبر المأموم قبل تكبيرة الإمام، فهنا لا يصح أن يقتدي به، وأن يتم به؛ لأنه تقدمه. كبر قبله، الواجب أن يكبر بعده. إذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا. كذلك أيضا في الركوع والسجود، فإنه يكون بعد انتقال الإمام. إذا ركع الإمام، يركع المأموم. إذا رفع الإمام، يرفع المأموم. وإذا سجد الإمام، يسجد المأموم. وهكذا يتابعه في سائر انتقالات الصلاة، يكون المأموم خلف الإمام، كما جاء في بعض الأحاديث الأخرى: إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا. هكذا يحصل الائتمام بالإمام والاقتداء به. قال: «وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد». ومر معنا الكلام على ما يتعلق بالتحميد بالتسميع والتحميد. قال: «وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون»، يعني إذا كان الإمام يشتكي، فصلى قاعدا، فصلى قاعدا، فهنا يشرع للمأموم أن يصلي قاعدا، متابعة للإمام. واختلف أهل العلم في هذا الحكم، هل هو ما زال محكما أم أنه نسخ؟ لأنه في هذا الحديث، أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلوا قعودا. وصح في الصحيح، في آخر أمر النبي عليه الصلاة والسلام، لما مرض، وأتى مرة، وأبو بكر يصلي بالناس، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى جالسا، وصلى صحابته رضوان الله عليهم قياما. صلوا قياما، كان أبو بكر يقتدي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة يقتديون بصلاة أبي بكر. فمن أهل العلم من ذهب إلى أن هذا الحديث ناسخ لأمر للمأموم أن يصلي قاعدا خلف الإمام إذا صلى قاعدا. قالوا: هذا الحديث يكون ناسخا؛ لأن هذا الحديث متأخر. حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم جالسا، وصلاة الصحابة رضوان الله عليهم خلفه قياما، هذا متأخر عن هذا الحديث. قالوا: فيكون ناسخا. ومن أهل العلم من جمع بين الحديثين، كالإمام أحمد رحمه الله، فقال: إذا ابتدأ الإمام الصلاة وهو قاعد، فإن المأموم يصلي خلفه قاعدا. وأما إذا صلى قائما، ثم طرأ له في الصلاة ما جعله يجلس، فإن المأموم في هذه الحالة يستمر قائما. قالوا: لأن هذا الحديث، حديث أنس، في أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قاعدا ابتداء من أول الصلاة، صلى قاعدا من أول الصلاة، فأمرهم أن يقتدوا به، وأن يصلوا قعودا. وفي قصة أبي بكر، صلى أبو بكر رضي الله عنه قائما، ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى جالسا، فاستمر الصحابة رضوان الله عليهم في قيامهم، أو على قيامهم. قالوا: إذن في مثل هذه الحالة، إذا حصل مثل هذا للإمام، صلى قائما، ثم عرض عليه عارض، فجعله يجلس، فحينئذ يستمر المأمومون في القيام. وبهذا تجتمع الأدلة. وهذا أولى من النسخ؛ لأن النسخ، كما هو مقرر عند أهل الأصول، لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع. ومدام أن الجمع بين الأحاديث ممكن، فلا نسخ. والله تعالى أعلم.