الدرس في كتاب الصلاة 25، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح حكم متابعة المأموم لإمامه في أفعال الصلاة، ويبين آراء الفقهاء حول نسخ هذا الحكم أو العمل به. يبين أن المتابعة تكون في الأفعال الظاهرة.
يشرح حكم قيام المأمومين تعظيما لشخص وتبليغ تكبيرات الإمام، ويبين أن القيام تعظيما منهي عنه إلا لحاجة أو مصلحة شرعية. كما يجوز تبليغ تكبيرات الإمام عند الحاجة.
يجوز للمأموم أن يختلف نيته عن نية الإمام، فلا يضر اختلاف النية ما دامت الأفعال الظاهرة متابعة للإمام. ثبت ذلك في صلاة معاذ بن جبل مع النبي ثم صلاته بقومه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام النووي، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين سابور بن حشير رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث بن سعد، وحدثنا محمد بن رمح قال: أخبرنا ليث عن أبي الزبير عن جابر قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا. فلما سلم قال: «إن كنتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائما فصلوا قياما، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا». قال: وحدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن أبيه عن أبي الزبير عن جابر قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر ليسمعنا، ثم ذكر نحو حديث ليث. هذا الحديث حديث جابر رضي الله عنه في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام حين اشتكى، فصلى قاعدا وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت عليه الصلاة والسلام فرأى من خلفه قياما فأشار إليهم أن يجلسوا، قال: فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا. فلما فرغ النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة قال: «إن كنتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، اهتموا بأئمتكم، إن صلى قائما فصلوا قياما، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا». هذا الحديث فيه ائتمام المأموم بإمامه في سائر أفعال الصلاة حتى في القيام والقعود، إذا صلى الإمام قاعدا لعذر وابتدأ الصلاة بذلك، فإن المأموم يصلي خلفه قاعدا وإن كان قادرا على القيام متابعة للإمام كما في هذا الحديث. وبهذا قال الإمام أحمد رحمه الله، وجماهير أهل العلم: على أن المأموم إذا كان قادرا على القيام وصلّى الإمام جالسا فإنه يصلي قائما، فالمأموم يصلي قائما ولا يتابعه في القعود. وقالوا: بأن هذا الحديث منسوخ بصلاة النبي عليه الصلاة والسلام في آخر أمره لما صلى أبو بكر بالناس، وسيأتي الحديث: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجلس بجانب أبي بكر، فاقتدى أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبقي المأمومون خلفه قياما لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجلوس. قالوا: فدل هذا على أن هذا الحكم منسوخ. هكذا قال جماهير أهل العلم والإمام أحمد: جمع بين الحديثين بأن الإمام إذا ابتدأ الصلاة قائما ثم طرأ له طارئ وحدث له عذر فجلس، فإن المأموم يصلي خلفه قائما ولا يجلس. وأما إن ابتدأ الصلاة وهو قاعد لعذر، فإن المأموم يصلي خلفه قاعدا، جمعا بين هذه الأحاديث. وكذلك فيه جواز تبليغ أحد المأمومين تكبيرات الإمام إذا كان الناس لا يسمعون صوت الإمام لمرض أو لعذر من الأعذار، لكثرة المصلين وعدم وجود مكبرات الصوت مثلا التي تبلغ المأمومين تكبيرات الإمام، أو لا يوجد مثلا المكبرات وانطفأت الكهرباء نحو ذلك من الأعذار، ووجدت الحاجة إلى تبليغ تكبيرات الإمام، فلا بأس أن يرفع أحد المأمومين صوته بالتكبيرات يبلغ المصلين تكبيرات الإمام. فهذا أبو بكر رضي الله عنه كان يكبر يسمع الناس تكبيره، يبلغ عن النبي عليه الصلاة والسلام تكبيراته وتكبيرات المأمومين. وكذلك أيضا فيه أنه لا يجوز أن يقوم الناس للشخص تعظيما، أن يقوم الناس للشخص تعظيما أو يحب المرء أن يقوم له الناس تعظيما له، فإن هذا أمر منهي عنه كما في هذا الحديث: «إن كنتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود»، يعني من باب التعظيم، يجلسون ويقوم من حولهم، ينخدع الحرس ونحو ذلك حولهم قياما، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التشبه بهم. لكن إذا فعل مثل ذلك للحاجة، يعني إذا قام الإنسان على رأس شخص من باب الإكرام وبيان منزلته وفضله، أو إذلال الكافرين ونحو ذلك من المقاصد الشرعية والمصالح المقصودة، فلا بأس. ويدل على ذلك القيام للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه على رأس النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية. وهكذا أيضا ما صح في بعض الأحاديث في إذن النبي عليه الصلاة والسلام لقيام الصحابة لبعضهم لبعض تكريما وتشريفا، كقول عليه الصلاة والسلام لما جاء سعد بن معاذ: «قوموا إلى سيدكم». وهكذا أيضا قيام سعد رضي الله عنه لكعب بن مالك لما نزلت براءته، ونحو ذلك مما يدل على جواز ذلك إذا كان من باب التكريم. وكذلك من باب مقابلة الإنسان بنحو الهيئة التي هو عليها، إنسان قدم من سفر فأردت أن تسلم عليه وأن تجالس وتقوم وتسلم عليه قائما، لا بأس مثل هذا، لا بأس به. لكن أن تحمل الناس ليقوموا لك تعظيما، هذا منهي عنه، من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار. ومثل ذلك ما قد يفعله بعض المدرسين في المدارس، يعني يأمر التلاميذ أن يقوموا له، رغم ما يغضب إذا لم يفعل أحد ذلك، فهذا لا شك أنه منهي عنه. والنبي صلى الله عليه وسلم مع كونه من أحب الناس للصحابة رضوان الله عليهم، وكان يكره أن يقوم له أحد، كما قال أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إلينا، وكنا نكره أن نقوم له أو يكره أن يقوم له أحد. قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا المغيرة يعني الحزام عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الإمام يؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، إذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون». قال: حدثنا محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. هذا الحديث «إنما الإمام يؤتم به فلا تختلفوا عليه» فيه كما أمر وجوب ائتمام المأموم بالإمام ومتابعة المأموم للإمام في أفعال الصلاة، فهل يشمل ذلك أيضا النية وما في الباطن؟ يعني هل للمأموم أن يصلي مع الإمام وتختلف نيته عن نية الإمام، كأن يصلي الإمام فريضة ويصلي المأموم نافلة أو العكس، يصلي الإمام نافلة ويصلي المأموم فريضة؟ فهل يجوز مثل ذلك أو أن هذا خاص بالأفعال الظاهرة، يعني بمتابعته في التكبير والقيام والركوع والرفع من الركوع والسجود نحو ذلك من أفعال الصلاة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أن وجوب متابعة الإمام إنما هو في الظاهر، إنما هو في الظاهر في أفعال الصلاة. وهذا ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله، وهو الصحيح. وأما اختلاف النية فلا يضر، اختلاف النية لا يضر، فللمأموم أن يصلي نافلة خلف الإمام الذي يصلي فريضة، أو يصلي المأموم فريضة والإمام يصلي نافلة. ويدل على ذلك أحاديث منها صلاة النبي عليه الصلاة والسلام بالصحابة صلاة الخوف، حين صلى بجماعة ركعتين ثم انصرف ثم صلى بجماعة أخرى ركعتين، فالصلاة الأولى التي صلاها النبي عليه الصلاة والسلام فرضاً، والصلاة الثانية صلاها نفلاً ومن خلفه يصلون فرضاً، اختلفت النية ولم يضر ذلك. وهكذا أيضا ما ثبت بالصحيح بصلاة معاذ بن جبل رضي الله عنه مع النبي عليه الصلاة والسلام العشاء، كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم العشاء، فهو يصلي نافلة وهم يصلون خلفه فريضة، فهذا جائز، اختلاف النية لا يضر، ووجوب متابعة الإمام إنما هو في الأفعال الظاهرة.