الدرس في كتاب الصلاة 23، الدرس الثالث والعشرون :(افتداء القادر على القيام بالجالس وأنه يجلس معه ...قال فسمعته يقول رب قني عذابك يوم تبعث عبادك ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
إذا طرأ عذر على الإمام أثناء الصلاة فلا يجب على المأمومين الجلوس إذا كان الإمام يصلي جالسًا بسبب العذر، ويقوم المأموم الواحد عن يمين الإمام بحذائه.
يجب تسوية الصفوف خلف الإمام، ويتحقق ذلك بعدم تقدم أو تأخر أحد عن الآخر، ويستحب التحاذي بين المناكب والأرجل.
يتحدث عن أهمية تراص الصفوف وسد الفرجات في الصلاة، ويستشهد بأحاديث نبوية تشجع على ذلك وتحذر من تركه.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتفت إلى اليمين واليسار أثناء الخطبة، ولم يكن يلتفت إلى اليمين دائمًا كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود.
والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال المؤلف: "باب استخلاف الإمام إذا طرأ عليه عذر في الصلاة". قال عن عائشة أنها قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بيته وهو شاكٍ عن المرض، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن يجلسوا. فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا". قاله عن أنس قال: سقط النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن فرس، فجحش شقه الأيمن -والجحش هو السلاق في الجلد- قال: فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلينا به قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا. فلما قضى الصلاة قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون". وهذا الباب في استخلاف الإمام إذا طرأ عليه عذر في الصلاة. وهذه المسألة جاءت فيها هذه الأحاديث، وجاء أيضًا فيها حديث مما يوهم أنه فيه شيء من التعارض، وهو صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في آخر حياته، ثم جاء وكان أبو بكر يصلي، فلما خرج ورآه أبو بكر، فأخر أبو بكر، فجاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجلس بجانب أبي بكر، فكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي جالسًا، وأبو بكر يقتدي بصلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله تعالى عنه. فهنا في هذا الحديث أن الناس صلوا قيامًا والإمام جالس، فحصل شيء من التعارض في هذا. فبعض العلماء يقول: إن الإمام هو أبو بكر، ليس الإمام هو النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الإمام أبو بكر. والصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان هو الإمام، وأن أبا بكر كان يقتدي بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والناس كانوا يقتدون بأبي بكر. فلهذا حصل في هذه المسألة الخلاف. وخلاصة هذه المسألة أن القول الصحيح في هذه المسألة هو قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو الجمع بين هذه الأدلة. فقال رحمه الله تعالى: إن الإمام إذا ابتدأ الصلاة وهو جالس، فالمأمومون يجلسون معه. إذا ابتدأ الصلاة وهو جالس، فواجب على المأمومين أن يجلسوا معه. وأما إذا كان صلى قائمًا ثم طرأ عليه شيء في الصلاة، فإنه جلس، فهنا لا يجب على المأمومين أن يجلسوا معه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جاء بعدما صلى الناس وهم في الصلاة، فلهذا لم يجلسوا معه، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. إذا ابتدأ الصلاة وهو جالس، فواجب أن يجلسوا معه المأمومون. وأما إذا كان إنما طرأ عليه شيء فجلس، فهنا لا يجلسوا. وهذا قول إمام أحمد رحمه الله تعالى، جمع بين هذه الأدلة. قال: "وقال المأموم الواحد يقوم عن يمين الإمام بحذائه". سواء قال عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "بيت في بيت خالتي ميمونة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العشاء، ثم جاء فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام فجئت فقمت عن يساره، فأزاحني إلى يمينه". هذا الحديث وهذه المسألة، هذا الحكم فيها هو أن المأموم الواحد إذا قام مع الإمام، فإنه يقوم بحذائه، بجانبه، لا يتأخر عنه ولا يتقدم. وليس من السنة ما يفعله كثير من الناس، أنه يجعل الإمام مقدمًا على المأموم، هذا لم يثبت. وإنما ثبت أنه يجعله بحذائه. وهكذا أيضًا كان عمر يفعل رضي الله تعالى عنه، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا جاء اثنان، ما كان الرجل ثم جاء آخر، فهنا يتأخر هذا الذي يكون عن يمينه. لابد أن يكون الواحد هذا عن يمين الإمام، أو يكون عن يسار الإمام. ولا يكون أن يكون عن يمين الإمام ولا يكون عن يسار، الإمام يكون عن يسار المأموم والمأموم يكون عن يمين الإمام، أن يقف بحذائه عن يمينه. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم حول ابن عباس من اليسار إلى اليمين. كذلك أيضًا جاء عن جابر نحو هذا. لكن إذا جاء آخر، فإنه يدفعهما إلى الخلف، إن كان قام بين يديه، فيدفعهما إلى الخلف. وإن لم يقم بين يديه، فتأخر وصل خلفهما. فإن هذا الذي عن يمينه يتأخر، هذا هو السنة. وجاء عن ابن مسعود خلاف هذا، جاء عن ابن مسعود أنه يصلي يجعلهما أحدهما عن يمينه وعن يساره. لكن السنة التي جاءت عن نبي صلى الله عليه وسلم أن الاثنين يجعلان خلف الإمام. أما الواحد يجعل بحذائه. قال: "الاثنان فصاعدًا يقومان صفًا خلف الإمام". عن جابر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فجئت فقمت عن يساري، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه. ثم جاء جبار بن صف، فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بأيدينا جميعًا، فدفعنا حتى قامنا خلفه. وهذا هو السنة كما ذكرناه. قال: "فإذا كان المأموم امرأة، فإنها تقوم خلف الإمام، أي ولو كانت واحدة". ولو كانت واحدة، فإنها تقوم خلف الإمام. قال عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه -أو قال: بامه- قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا. فالسبيل من هذا أن المرأة لا تقف في حذاء الرجل، وإنما تقف خلفه، ولو كانت واحدة. قال: "ويجب تسوية الصفوف". قال: يجب على الإمام ألا يدخل بالصلاة حتى تستوي الصفوف، وأن يأمرهم بذلك، وأن يلي تسوية بنفسه، ويأمر من يسويها. عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة". اتفق عليه. هذا الباب باب تسوية الصفوف، فيه وجوب على المأمومين أن يصفوا خلف إمامهم، وأن يصفوا صفوفهم. وتسوية الصفوف تعني أنهم يبقون في صف واحد، أي لا يتقدم أحدهم ولا يتأخر، لا يتقدم أحدهم ولا يتأخر، يكونون على استواء واحد في صف واحد. وهناك أمور بعد ذلك تكون مما يعين على هذه أو على تسوية الصفوف. فهناك فرق بين تسوية الصفوف نفسها، وبين الأمور التي تعين على تسوية الصفوف. فمثلًا التحاذي بين المنكبين، وكذلك أيضًا بين الأرجل أو القدمين، هذا كله من باب الاستحباب، ومن باب الإعانة على تسوية الصفوف وعدم مخالفتها. لكن الواجب هو التسوية، وهذه الأمور مستحبة ومعينة وأسباب على تسوية الصفوف. قال عن ابن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم". قال: وعن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أننا قد عقلنا عنه، ثم صلى يومًا فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلًا بادٍ صدره من الصف، فقال: "عباد الله لتسوية صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم". قال: وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قوموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان". ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله. وهذا الحديث صححه الإمام أبو داود. وفيه أن المسلم في صفته في الصلاة يحاول أن يلاحظ هذه الأشياء، من المحاذاة بين المناكب وسد الخلل، وهي الفتحات الصغيرة. وكذلك أن يدر فرجات، أن لا يذر فرجة للشيطان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعظم خطوة يخطوها العبد أن يسد فرجة في صف في الصلاة". وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله". قال: "ورص صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالعنق". والذي نفسي بيده، إني لأرى الشيطان يدخل من خلال الصف كأنه الحذف -والحذف هو الغنم الصغير من المعز-. وهنا أيضًا قوله: "وقاربوا بينها"، أي قاربوا بين الصفوف، لا تباعدوا بين الصفوف. هنا وصف أيضًا بعيد جدًا، لأن الواحد يحاول أن يقارب بين الصفوف، أي يقرب بين الصفوف على ما يكون فيه متسع للسجود، أو لسجود المصلي. وكذلك شيء لو مثلًا وجد فرجة أيضًا يسدها. قال: "كيف تسوى الصفوف عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: قوموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري". وكان يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه. قال: وقال النعمان المشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه. وهذه أخرجها البخاري تعليقًا. لكن بعض العلماء يضعفها لأن فيها الجدل، زيادة الكعب. هذه فيها الجدل والضعف. لكن صح في حديث أنس: صحة الصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم. بل جاء أيضًا كذلك في البخاري: أنه قال: "والركبة بالركبة، والساق بالساق". قال: "صفوف الرجال والنساء". عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها". أي خير صفوف الرجال ما يكون في الأول، يحث الرجل أن يكون من أول الصفوف. وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها. وإنما كانت شرها أولها لأنها قرب الرجال. والمرأة التي تحرص أن تكون قرب الرجال تكون أقرب إلى الفتنة. لكن المراد أن المرأة لا تحرص أن تكون في أول الصفوف، وإنما إن جاءت في أول الصفوف جاءت ليس مثل الرجل. فإن الرجل يحرص على أن يكون في أول الصفوف. وأما الذين يتأخرون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزال رجال يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله". قال: "فضيلة الصفوف الأول". عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول". فهذا فيه فضيلة للصف الأول، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه". قالوا: عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه". قال: فسمعته يقول: "ربي قني عذابك يوم تبعث عبادك". أي معنى بعد الصلاة. وبعضهم جعله قبل الصلاة، أي جعل هذا الذكر قبل الصلاة. والظاهر أنه بعد الصلاة، أي بعد ما انصرف إليه. هذه بعض المسائل في السجود، أنه يستحب التيامن، لأنهم كانوا يحبون هذا الصحابة رضي الله تعالى عنه. لكن ليس هناك فضيلة في التيامن. وما جاء أن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف، وهو حديث منكر لا يصح. لكن كان الصحابة كما قال البراء يحرصون على ميامن الصفوف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يلتفت يلتفت إليهم. والالتفات إلى اليمين هذا ما كان دائمًا النبي صلى الله عليه وسلم يلتفت عن يمينه، وإنما أحيانًا يلتفت عن يمينه وأحيانًا يلتفت عن يساره، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود. فهذا وهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله.