الدرس في كتاب الصلاة 26، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل أهمية متابعة المأموم للإمام في الصلاة، حيث نهى النبي عن مسابقة الإمام وأمر بالتأمين عند قول الإمام 'ولا الضالين' ومتابعة الإمام في الركوع والقول بعد الرفع من الركوع. ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يؤكد على ضرورة الاقتداء بالإمام في أفعال الصلاة.
تناول هذا الفصل شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول دور الإمام كـ "جنة" أو وقاية للمأمومين، وفضل التأمين عند قول "سمع الله لمن حمده". كما يبين أهمية متابعة المأموم للإمام في أفعال الصلاة.
يتناول هذا الفصل حكم صلاة المأموم قاعدا خلف إمام يصلي قاعدا، واختلاف العلماء في ذلك. كما يشرح رأي الإمام أحمد في صلاة المأموم قائما إذا جلس إمامه أثناء الصلاة لعارض، وصلاة المأموم جالسا إذا ابتدأ الإمام الصلاة جالسا لمرض أو عذر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمسلمين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام أهل الحجاج، أبو الحسين مسلم بن الحجاج، رحمه الله: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وابن خشرم، قالا: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا، يقول: «لا تبادروا الإمام إذا كبر فكبروا، وإذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد». قالوا: حدثنا كتابة، قال: حدثنا عبد العزيز -يعني الدراوردي- عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، إلا قوله: «ولا الضالين فقولوا: آمين»، وزاد: «ولا ترفعوا قبله». هذا الحديث فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بمتابعة المأموم للإمام، وعدم مسابقته، قال: «لا تبادروا الإمام»، يعني لا تستبقوه، بل كونوا متابعين له، إذا كبر فكبروا، فلا يكبر المأموم قبل الإمام، إلا إذا فعل ذلك لم تنعقد إمامته، فلا بد أن يكبر بعد تكبير الإمام، لا يكبر قبله ولا معه، بل يكبر بعده، إذا كبر فكبروا. والفاء تفيد التعقيب، أي أن الشيء يكون بعد هذا الشيء فترة، سواء كانت قريبة أو بعيدة، فقولوا: إذا كبر فكبروا، معناه أن تكبير المأموم يكون بعد تكبير الإمام، إلا أن يفرغ الإمام من التكبير، فيكبر المأموم، وهكذا في سائر أفعال الصلاة، في الركوع والرفع من الركوع، والسجود والرفع من السجود، فكل هذه الأفعال يكون المأموم فيها متابعا للإمام، لأن الإمام ما جعل إلا ليؤتم به، إنما جعل الإمام ليؤتم به. فإذا سابق المأموم الإمام لم تحصل المتابعة، ولم يحصل المقصود من متابعة المأموم للإمام. قال: «وإذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين». مر معنا في الدروس الماضية مشروعية التأمين، وأن المأموم يؤمن عند أول شروع الإمام في التأمين، فقوله: «إذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين»، في روايات أخرى: «إذا أمن الإمام فأمنوا»، فيكون معناه: وشروع الإمام في بداية التأمين، فحينئذ يؤمن المأموم، ويكون تأمين المأموم بعد قول الإمام: «ولا الضالين»، والإمام إذا قال: «ولا الضالين» قال: آمين، إذا شرع الإمام في التأمين، فيؤمن معه المأموم، إذا أمن الإمام فأمنوا. وقوله: «آمين»، سلّ به بعض أهل العلم على وجوب التأمين على المأموم، لأمر النبي عليه الصلاة والسلام به، والأصل في الأمر أنه للوجوب. قال: «وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد». ومر الكلام على هذه الجمل في الدروس الماضية. قال رحمه الله: وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن العلاء بن عطاء، أنه سمع أبا علقمة، سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الإمام جنة، فإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء، غفر له ما تقدم من ذنبه». قول عليه الصلاة والسلام: «إنما الإمام جنة»، جنة يعني: وقاية وستر، فالإمام جنة ووقاية لمن خلفه من المأمومين، فهو ستر لهم. ولهذا لا يضر أن يمر الإنسان بين المأمومين، بخلاف الإمام، فإنه لا يجوز أن يمر من أمامه فيما بينه وبين السترة. وهكذا إذا أخطأ المأموم أو سهى في صلاته، فإن الإمام يتحمل ذلك عنه، ولهذا لا يسجد المأموم للسهو إذا سهى الإمام خلفه. وهكذا أيضا ما يحصل من خلل في الصلاة بسبب الإمام، فهو المتحمل لذلك، يعني مثلا إذا قام الإمام إلى الركعة الثالثة ولم يسجد، فيجلس للتشهد الأول، فالمأموم سيتابع الإمام، مع أنه هنا سيدخل التشهد الأول متعمدا، لكن لأجل متابعة الإمام، فلأجل ذلك تصح صلاته، لأن الإمام جنة وستر له. بخلاف لو فعل ذلك أو صلى وحده، وترك التشهد الأول متعمدا وهو ذاكر، فإن حينئذ تبطل صلاته. لكن لما كان مأموما ومتابعا للإمام، فإن الإمام له جنة. ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام بمتابعة الإمام في أفعال الصلاة، ومن ذلك القعود في الصلاة قاعدا، يعني لعذر من مرض ونحوه، فإن المأموم يصلي خلفه قاعدا، قاعدا متابعة للإمام. وهكذا أيضا إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، قال المأموم: «ربنا لك الحمد»، أو «اللهم ربنا ولك الحمد»، أو «ربنا لك الحمد»، أو «ربنا ولك الحمد»، كل ذلك ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: «فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه»، وهذا قاله النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الأخرى في التأمين، إذا أمن المأموم مع تأمين الإمام، فوافق قوله قول أهل السماء، يعني من الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه، وهذا في فضيلة التأمين، وفي فضيلة التأمين، وأنه سبب لمغفرة الذنوب، سبب لمغفرة الذنوب، من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه، في أن الملائكة تؤمن على دعاء الإمام والمأمومين. قال رحمه الله: حدثني أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن حيوة، أن أبا يونس، مولى أبي هريرة، حدثه، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون». فهذه الأحاديث كلها فيها وجوب متابعة المأموم للإمام. إنما جعل الإمام ليؤتم به، يعني ماذا جعل الإمام متقدما يصلي بالناس؟ لأجل الاتمام به والاقتداء به، إنما جعل الإمام ليؤتم به. وإذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي للمأموم أن يسابق الإمام، لا ينبغي للمأموم أن يسابق الإمام، ولهذا شبه النبي عليه الصلاة والسلام من فعل ذلك بالحمار، كما في صحيح أبي هريرة في الصحيحين: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار؟». قال أهل العلم: هذا التشبيه لأجل بلادة الحمار، الحمار حيوان معروف بالبلادة والغباوة، وهذا الذي يسابق الإمام شبه بهذا الحيوان البليد، لأنه فيه غباوة وبلادة، إذا أنه يسابق الإمام، يرفع رأسه قبل الإمام، سواء كان في الركوع أو في السجود، وكأنه سيخرج من الصلاة قبل الإمام، وفي النهاية ما سيخرج من الصلاة إلا بعد الإمام، ما سيخرج من الصلاة إلا بعد أن يسلم الإمام، فيسلم بعده، إذا لماذا هذه المسابقة؟ لماذا هذه المسابقة؟ هذا من بلادته وغباوته. فإذا كان الأمر كذلك، ما ستخرج من الصلاة إلا بعد أن يفرغ الإمام، إذن لا داعي للمسابقة وللعجلة، كن متابعا للإمام ومقتديا به، وإذا سلم وفرغ من الصلاة سلمت بعده وخرجت من الصلاة بعده، إذن فلا معنى لمسابقته في أفعال الصلاة، وأنت ما ستخرج من الصلاة إلا بعد خروجه. وقول النبي عليه الصلاة والسلام هنا: «وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون»، كما مر معنا أن هذا الحكم محكم عند الإمام أحمد رحمه الله، وأما عند الجمهور فهو منسوخ، عند الجمهور فهو منسوخ، وقالوا: إذا صلى الإمام قاعدا لعذر والمأموم يستطيع القيام، فإنه يصلي قائما، كما مر في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في آخر أمره جالسا، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يصلي بالناس قائما، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم قياما. فقالوا: إن هذا الحديث يدل على نسخ هذا الحكم، وأن المأموم إذا صلى خلف الإمام والإمام صلى قاعدا، فإن المأموم يصلي قائما. والإمام أحمد رحمه الله يرى أن هذا الحكم ما زال باقيا، وأن صلاة أبي بكر رضي الله عنه والصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم قياما، والنبي صلى الله عليه وسلم جالسا، كان هذا في أثناء الصلاة، كان هذا في أثناء الصلاة، لأن أبا بكر كان يصلي بالناس طائفة، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجلس بجانبه، اقتدى أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم، واقتدى الناس بصلاة أبي بكر، فصار النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام، وأبو بكر مأموما. فقال إمام أحمد: إذا كان مثل ذلك، أن الإمام صلى بأول الصلاة قائما، ثم عرض له عارض فجلس، ففي مثل هذه الحال يصلي المأموم قائما، يصلي المأموم قائما، بخلاف ما لو ابتدأ الصلاة وهو جالس، جاء الإمام وهو مريض لا يستطيع القيام، فصلى جالسا، فإن المأمومين يصلون خلفه جلوسا. لهذه الأحاديث. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.