كتاب الصلاة 28

كتاب الصلاة 28

الدرس في كتاب الصلاة 28، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

استخلاف الإمام غيره في الصلاة عند العجز

يشرح المقطع أهمية استخلاف الإمام غيره عند العجز عن الصلاة، كما يبين جواز مراجعة الإمام إذا رأى المأمور مصلحة في غير ما أمر به.

أحداث استخلاف أبي بكر في إمامة الصلاة

يروي المقطع قصة استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في إمامة الصلاة أثناء مرضه، ومراجعة عائشة للنبي في هذا الأمر.

حكم حضور الإمام أثناء الصلاة خلف غيره

يشرح المقطع حكم حضور الإمام الرسمي أثناء الصلاة خلف غيره إذا تأخر لعذر، ويبين جواز صلاته إماما أو مأموما حسب المصلحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج بن المثنى النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي عن جدي، قال: حدثني عقيل وخالد، قال: قال محمد بن شهاب، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لقد راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبدًا، وإلا أني كنت أرى أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر. وتقصد بذلك رضي الله تعالى عنها لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أروا أبا بكر فليصل بالناس»، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق إذا صلى لم يسمع الناس من البكاء، وكانت تريد بذلك أن يختار النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً آخر. قالت: لأنه لن يقوم أحد مقام النبي عليه الصلاة والسلام، فيحب الناس مقامه، والصحابة يحبون أن يصلي بهم النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يقوم بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخشيت إن قام رجل مقامه أن يتشاءم الناس منه، وأن يقع في قلوبهم شيء عليه. فلما أراد النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن يصلي أبو بكر خشيت أن يقع مثل ذلك لأبي بكر، وأن يتشاءم الناس من مقامه مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فأرادت أن يعدل عن هذا الأمر إلى غيره، وذلك لأجل أن لا يقع ذلك لأبيها رضي الله تعالى عنها. قال: حدثنا محمد بن رافع، وعبد بن حميد، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك - يعني بأمره لأبي بكر أن يصلي بالناس - فيه استخلاف الإمام غيره إذا عرض له عارض من مرض أو نحو ذلك، فإنه يستخلف رجلاً يصلي بالناس حتى لا يتأخر على الناس ويشق عليهم. قال: حدثنا محمد بن رافع، وعبد بن حميد، قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، قال الزهري: وأخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر عن عائشة، قالت: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي، قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر. قالت: والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني أتت بهذه العبارة أنه رجل رقيق إلى آخره من باب الاعتذار حتى يقبل اعتذارها ويختار النبي صلى الله عليه وسلم غيره. قالت: فراجعته مرتين أو ثلاثًا - يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول: مر أبا بكر فليصل بالناس، وهي تقول: إن أبا بكر رجل رقيق - تعيد عليه هذه العبارة ثلاث مرات، فقال: «ليصل بالناس أبو بكر، فإنكن صواحب يوسف». والمراد في قول عليه الصلاة والسلام: «إنكن صواحب يوسف»، أي في التظاهر على ما تردنه، وكثرة الإلحاح في طلب ما تردنه وتمللنه إليه، كما ذكره الإمام النووي رحمه الله. وفي هذا الحديث ما قد مر ذكره في الأحاديث السابقة والمجالس السابقة: فضيلة أبي بكر رضي الله عنه، إذ أن النبي عليه الصلاة والسلام استخلفه على الناس في الإمامة، واستخلاف الإمام غيره وهو لا يختار إلا الأفضل، فدل هذا على أفضلية أبي بكر رضي الله تعالى عنه. وفيه أيضًا جواز مراجعة الإمام للحاجة والمصلحة إذا أمر بأمر ورأى المأمور أن المصلحة في غير ذلك أن يشير إليه بذلك، ولا يعد هذا معصية لولي الأمر. فعائشة راجعت النبي صلى الله عليه وسلم في أمري هذا لما كانت ترى من المصلحة باستخلاف غير أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ومع ذلك أصر النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر أن يصلي بالناس أبو بكر رضي الله تعالى عنه. قال رحمه الله: حدثنا أبو كريب، وأبو شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، أو وكيع، حدثنا يحيى - وهو ابن يحيى - واللفظ له، قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف - يعني كثير الحزن والبكاء - وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر. فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». قالت: فقلت لحفصة: كوني له، إن أبا بكر رجل أسيف، إنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر. فقالت له، فقال رسول الله: «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس». قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس. قالت: لما دخل في الصلاة، وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض. قالت: لما دخل المسجد، سمع أبو بكر حسه - يعني شعر بدخول النبي عليه الصلاة والسلام - قال: ذهب يتأخر - يعني يرجع إلى الخلف - فأومى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم مكانك». فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر. قالت: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر. وهذا الحديث فيه كما مر: استخلاف الإمام غيره إذا نابه شيء. وكذلك أيضًا فيه: إذا عرض للإنسان عارض في الصلاة وأراد أن يتأخر من مقامه وهو فيه داخل الصلاة، فإنه يرجع إلى الخلف ولا يستدبر القبلة. فأبو بكر رضي الله عنه رجع إلى الخلف لما شعر بقدوم النبي عليه الصلاة والسلام، أراد أن يرجع إلى الخلف حتى يتقدم النبي صلى الله عليه وسلم. فهكذا إذا أراد إنسان أن يتأخر لشيء، فإنه يرجع إلى الخلف ولا يستدبر القبلة، بل يظل مستقبل القبلة. وكذلك أيضًا استدل به أهل العلم على جواز اهتمام المصلي بمن دخل بعده. فالنبي صلى الله عليه وسلم دخل في الصلاة بعد أبي بكر، وصار هو الإمام، وصار أبو بكر هو المأموم، مع أن أبا بكر هو الذي ابتدأ الصلاة. ثم لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، صار أبو بكر مأمومًا، وصار النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في الصلاة بعد أبي بكر. ومثل هذا قد يحصل إذا تخلف الإمام ثم جاء وأراد أن يصلي بالناس، فهو أحق بذلك. الإمام الرسمي إذا تخلف لعذر ثم جاء والناس يصلون وأراد أن يصلي، فله أن يفعل مثل ذلك، وإن كان أو خشي أن يحصل شيء من التشويش على الناس، فإنه يصلي مأمومًا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى بني عوف يصلح بينهم، فصلى خلف عبد الرحمن بن عوف كما سيأتي الحديث في ذكر هذه القصة. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.