الدرس في اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الحديث المتواتر يفيد العلم بالضرورة لكثرة رواته واستحالة تواطؤهم على الكذب، ويستند إلى أمر محسوس مثل السماع أو الرؤية. يشترط فيه عدد كبير من الرواة بحيث يستحيل اتفاقهم على الكذب.
يتناول المقطع شرط إفادة خبر الآحاد العلم اليقيني ووجود قرائن مع الخبر، مع توضيح خلاف أهل الحديث حول هذه المسألة وأقسام التواتر والخبر الأحاد. يُظهر أهمية وجود القرائن لتعزيز صحة الخبر.
يشرح هذا الفصل تعريفات الأحاديث المشهور والعزيز والفرد والغريب، حيث يُعرّف كل نوع من هذه الأحاديث بناءً على عدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند، مع توضيح أوجه الالتقاء والافتراق بين هذه المصطلحات.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله: قال: أنواع علوم الحديث. قال: المتواتر علم بأن أهل هذا الشأن قد قسموا الأخبار بالتبيان لذي تواتر يفيد العلم لا بنظر بل بالضرورة الجلية. وهو الذي جمع رواه، اتفقت العادة أن يختلفوا عن مثلهم، رووا بلا امتراء من ابتداء الإسناد إلى انتهائه، واستندوا في قولهم هذا إلى الحس لا محض اقتضاء العقل. وانضاف إلى ذلك أن يصحب ذلك الخبر إفادة العلم اليقيني لا مراء، فقد يجيء في لفظه التواتر، وجاء في معناه، وهو الأكثر. أما القرآن فهو قد تواتر لفظًا ومعنى كله، لا يمتري الآن. الآن ذكر الحديث المتواتر، وقد تقدم معنا تقسيم الخبر إلى متواتر وأحاد، وقلنا: إن هذا المتواتر الذي لا ينظر في إسناده لكثرة من رواه، وواثقتهم، فلا يحتاج إلى النظر إلى الإسناد. فلهذا المتواتر ليس مما يبحث في علم الحديث، لكن أهل الحديث هم الذين يقررون أن هذا متواتر أو هذا أحد. طيب فلهذا ذكروا المتواتر في كتب الحديث، فقال: أعلمنا بأن أهل هذا الشأن قد قسموا الأخبار بالتبيان لذي تواتر يفيد العلم لا بنظر بل بالضرورة الجلية. هذا المتواتر هو الذي يفيد العلم بالضرورة، ليس بالنظر مثل الأحاد، وإنما المتواتر مع أنه أفاد العلم ضرورة، أو بعضهم يقول: ما أفاد العلم اضطرارًا، معناه: يضطر الإنسان أنه يقر بهذه الحقيقة. مثلا تواتر عندنا أن هناك في المملكة منطقة يقال لها الرياض، فهل أحد يشك في ذلك؟ ما في أحد يشك؛ لأن هذا علم بالضرورة. علم بالضرورة أن هذا... أمس ظهر قراءة في واحد من المشايخ السلفيين، قال: اتهموه أنه قال: إن خديجة ليست زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر أن هذا شيء متواتر أصلا، ما يستطيع أحد ينكره. معناه: في أحد سينكر أن خديجة ليست زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا شيء يعتبر متواتر، معناه: ضرورة يعلمه الإنسان. ما الضرورة؟ ما علم من الدين بالضرورة؟ أو ما تواتر وأفاد العلم ضرورة؟ ومعنى ضرورة: هو الذي لا يستطيع دفعه. العلم الإضطراري يسمونه العلم الإضطراري، العلم الإضطراري الذي لا يستطاع دفعه، أن الدفع إنكاره، ما يستطيع الإنسان أن ينكر هذا العلم الضروري أو العلم الاضطراري، لا يستطيع الإنسان أن ينكره. فلهذا المتواتر لا يستطيع الإنسان أن ينكر المتواتر، شيء تواتر كما قلنا: معرفة أسماء المدن مثلا، الآن عندنا مكة، لا يستطيع أحد يقول: لا، لا يوجد مكة في اليمن، هذا الشيء أصبح ضروري، لا يستطيع أحد يدفعه. وبعضهم يمثل مثلا أن الواحد أصغر من الاثنين، أو أن الواحد نصف الاثنين، هذا أشياء تعلم بالاضطرار، فهذا هو التواتر ما أفاد العلم اضطرارًا أو بالضرورة. ولهذا قال: الذي تواتر يفيد العلم لا بنظر، معناه: ليس بالنظر مثل الأحاد، وإنما يفيد العلم اليقيني كما سيأتي، والعلم الضروري معناه: بالاضطرار. قال: وهو الذي جمع رواه، اتفقت العادة أن يختلفوا، هذا المتواتر له شروط، هذا المتواتر حتى يقال أنه متواتر لابد أن يجمع شروطًا. الشرط الأول: أن يرويه جماعة، أن يرويه جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، يستحيل تواطؤهم على الكذب، معناه: ما يستحيل أنهم يجتمعون على كذب، هؤلاء الجماعة يستحيل أنهم يجتمعون على كذب. لماذا؟ لأنهم أولا أناس ثقات، فيستحيل أن يجتمعوا، وأيضا يكون عددهم يفيد التواتر، معناه: اختلفوا في العدد. منهم من قال: سبعين، منهم من قال: أربعين، منهم من قال: ثلاثين، وكلها أقوال ليس لها أدلة، أو ليس لها مثلا ما يدل عليها. أننا نقول: ثلاثين يعتبر تواتر، والصحيح الذي ذكره المحققون من الأئمة، ذكره المحققون من الأئمة: أن التواتر ليس له عدد معين. أن التواتر ليس له عدد معين، ممكن يكون مثلا سبعين، ممكن يكون أقل، أحيانا مثلا الحديث الواحد يرويه مثلا سبعون صحابيًا، إذا كان الصحابة سبعون صحابيًا، فكيف سيكون الرواة الذين رووا هذا أنه سيكون كثير جدا. مثلا حديث «من كذب متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، ذكر بعض العلماء أنه وجده عن سبعين صحابي، بل ذكر ابن منده في جزء له أنه وجد هذا الحديث عن مئتي صحابي. لكن هذا باب قد يكون فيه غلو، معناه: هو زيادة؛ لأن بعض الأسانيد تجدها باطلة أصلا، وبعض الأسانيد تتكرر، وبعضها مثلا فيها أخطاء. تحصي الإسناد يأتي إنسان بإسناد آخر غير الإسناد المعروف، المهم أنه قد بلغ هذا المبلغ من الصحابة، فكيف بمن بعدهم؟ لأن الصحابي الواحد قد يروي عنه أكثر من خمسة، فكيف يكون سبعون صحابيًا؟ لا شك أن العدد سيكون من بعده أكثر، وكلما ابتعد، كلما كان أكثر. طيب فالآن أولا أول شرط: أن يكون هناك عدد من الرواة، عدد من الرواة يقضي في نفس العالم أن هذا العدد يكفي للتواتر. نحن الآن نتكلم عن الحديث، وإلا التواتر مثلا في غير الحديث، ممكن أنه يعرفه كل أحد، هو الذي لا يستطيع دفعه. لكن الآن في علم الحديث، متى نقول أنه متواتر؟ فإذا انقضى في علم العالم من أهل الحديث أن هذا لا يمكن دفعه، لا يمكن أن يدفع لكثرة من رواه، فيكون عدد، معناه: أولا يكون عدد، وهؤلاء العدد يستحيل تواطؤهم على الكذب، يستحيل تواطؤهم على الكذب. وأيضا من الشروط: أن يستندوا إلى أمر محسوس، أن يكون هؤلاء كلهم يستندون إلى أمر محسوس. كيف أمر محسوس؟ معناه: يحس، وهنا المقصود بالإحساس في علم الحديث: إما سمع وإما رؤية، إما سمع وإما رؤية، أو إما سمع وإما رؤية. والسماع في الطبقات غير الصحابة، أو يكون مثلا حديث رؤية، وأيضا قول يحتاج إلى رؤية وسمع، مثل الحديث التي تكون مسلسلة مثلا بالرؤية. «رأيته النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا»، مثل ما جاء مثلا في حديث علي: «لما كان راكبًا، شرب من زمزم وهو راكب، وابتسم»، قال: «رأيته النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا، ويشرب، ويبتسم»، هذا رؤية وقول معنى يحتاج إلى سماع ورؤية. فلهذا فهم يستندون إلى أمر محسوس، يعني معنى من معاني الحواس الخمس، معنى بحدى الحواس الخمس، لكن هنا المطلوب هو السماع ورؤية، إما سماع أو رؤية، فيستندون إلى أمر محسوس، ليس أنهم يستندون إلى عنعنة مثلا، ذاك يقول: «بلغني كذا»، أو «حكيا عن فلان كذا»، لا، كلهم يستندون إلى أمر محسوس، معناه: «سمعت فلان يقول كذا وكذا»، أو «رأيت فلان»، أو «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا». وهذا التابع يقول: «رأيت الصحابي يفعل كذا»، فهذا يستندون إلى أمر محسوس. ثم أيضا ذكر شرطًا خامسًا: أنه يفيد العلم اليقيني، قال: ذلك أن يصحب ذلك الخبر إفادة العلم اليقيني لا مراء، فقد يجيء في لفظه التواتر، وجاء في معناه. قال: واستند التهاؤهم في قولهم هذا إلى الحس لا محض اقتضاء العقل، ليس من باب العقل مثلا، أو ما يجوز العقل، ممكن هذا حصل، ممكن هذا لا، عندهم حس، سماع ورؤية، أو رؤية. قال: ذلك أن يصحب ذاك الخبر إفادة العلم اليقيني لا مراء، أيضا يصحب هذا الأمر أنه يفيد العلم اليقيني. لماذا العلم اليقيني؟ العلم الذي يقطع به، لا شك فيه، العلم الذي يقطع به، معناه: عندما نقول: أفاد هذا العلم اليقيني، معناه: أفاد هذا العلم يقيني، أي عندنا يقين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال هذا الحديث. مثلا عندنا: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، عندنا أنه لا شك ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، هذا يفيد العلم اليقيني. وهل هناك غير المتواتر يفيد العلم اليقيني؟ هذا فيه خلاف بين أهل الحديث، لكن عامة أهل الحديث وعلماء السلف يقولون: الحديث الذي احتفت به القرائن، ولو كان أحادا، إذا احتفت به القرائن أفاد العلم اليقيني. أفاد العلم اليقيني، مثل أشياء القرائن، مثل وجوده في الصحيحين، وجوده في الصحيحين، هذا يفيد العلم اليقيني. أن يرويه أئمة ثقات، يبلغ مثلا الحديث مشهور، حديث يرويه ثلاثة عن ثلاثة، أو أربعة، وكذا، أو أقل طبقة فيه ثلاثة، هذا يسمى حديث مشهور. لكن هؤلاء الثلاثة ومن كان فيهم من رواة الحديث كلهم أئمة معروفون، فهذا يفيدنا العلم اليقيني كذلك، وهكذا، فهناك قرائن، هذه القرائن إذا اقترنت بالحديث أفادت العلم اليقيني أيضا. وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: هذا قول كافة العلماء وعامة السلف، وذكره عن أئمة أهل المذاهب؛ لأن هذا القول، وهو عدم إفادة العلم اليقيني ولو احتف بالقرائن، نسبه بعضهم إلى أهل السنة، وقالوا: إنما يفيد الظن الغالب، وهذا ليس صحيحا، وليس قول أهل السنة، وإنما أهل السنة يقولون كما ذكر شيخ الإسلام: أنه يفيد العلم اليقيني إذا اقترنت به قرائن، إذا اقترنت به قرائن أفادت العلم اليقيني. وحاول بعض المعاصرين أن يتملص من هذه القضية، ويقول: أنها لا تفيد العلم اليقيني، وأراد أن ينصر المذهب الآخر، لكنه باء بالفشل، ورد عليه العلماء. والصحيح أن هذا الحديث الأحادي إذا احتفت به القرائن أفاد العلم اليقيني، وقد ذكره شيخ الإسلام كما قلنا عن إمام المذهب، ذكر من كل مذهب إمام أو إمامين يقولون بهذا القول. الآن مثلا تجد بعض الشافعية ينسب إلى مذهب الشافعي أنه يفيد الظن، أن حديث الأحادي كله يفيد الظن، لكن هذا الكلام غير صحيح. فهؤلاء بعض الأئمة كأبي إسحاق الإسفرائيني يعتبر من أئمة الشافعية، وأيضا كذلك أبو حامد الإسفرائيني أيضا من أئمة الشافعية، ويقولون أيضا أبو الطيب الطبري يعتبر من أئمة الشافعية، هؤلاء كلهم يقولون بأنه يفيد العلم اليقيني إذا احتفت به القرائن. كيف ينسب إلى مذهب الشافعي؟ وهؤلاء أئمة الشافعية يقولون: صحيح أن هذه المسألة لم يذكرها المتقدمون، لا الشافعي ولا أحمد ولا غيره؛ لأنهم مشوا على الفطرة، على أن هذا شيء معلوم. وقد ذكر ابن عبدالبر أن العلماء من زمن قديم أنهم إذا صح الحديث يقولون: يفيد العلم والعمل معا، ما يمشون على هذا. ثم لما جاءت المعتزلة قالوا: هذا يفيد الظن، الأحاد يفيد الظن، نحن ما نأخذ عقيدة بظن، فقسموا الخبر إلى متواتر وأحاد، وقالوا: الأحاد لا يفيد اليقين، المتواتر يفيد اليقين، لكن الأحاد لا، فقاموا وقالوا: لا نأخذ عقيدتنا من ظن. هكذا هم أرادوا أن يردوا الشريعة حتى يتسنى لهم أن ينشروا مذهبهم. ولهذا مذهب الأشاعرة والمعتزلة: تقديم العقل على النقل؛ ليش؟ قالوا: لأن العقل ما يضطر فيه يكون يقين، انظر إلى الشيطان كيف سوى لهم، قالوا: العقل ما يضطر في العقل ما يكون معروف عند عقلاء الناس، هذا يعتبر يقين. لكن الحديث الذي يتلقاه الأمة بالقبول، هذا يعتبر ظن، انظروا إلى كيف أوحى الشيطان إليهم. فلهذا قالوا: أن العقل مقدم على السمع، وأيضا كذلك المتواتر، قالوا: المتواتر إنما في النقل متواتر، لكن دلالته هل تفيد اليقين أو تفيد الظن؟ فقالوا: أكثر النصوص تفيد الظن؛ لأنها تحتمل معاني أخرى. فقالوا: لهذا نقدم العقل على النقل، على الكتاب والسنة، انظروا إلى هذا، هذا كما قال بعضهم، شيخ الإسلام وغيره: أنهم من وحي الشيطان، أوحى إليهم حتى قدموا عقولهم على الكتاب والسنة. ولهذا كان الإمام أحمد يقول: «الحديث الضعيف خير من رأيي من آراء الرجال»، يقول: «الحديث الضعيف خير من آراء الرجال»، يعني: لا أخذ بحديث ضعيف، ولا أخذ برأي رجل ولو كان عالما؛ لأن العقل غالبا يخطئ، والرأي يخطئ، لكن هذا ممكن أنه قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ممكن، وإن كان ضعيفا. فلهذا وهذا دأب الذين يقدمون يعظمون الكتاب والسنة على العقل، لكن هؤلاء عظموا العقل حتى قدموه على الكتاب والسنة. طيب قال: ذلك أن يصحب ذاك الخبر إفادة العلم اليقين لامر، فقد يجيء في لفظه التواتر، وجاء في معناه، وهو الأكثر. الآن يقول: المتواتر على قسمين: متواتر لفظي، ومتواتر معنى. المتواتر اللفظي: هذا الذي يأتي لفظه، التواتر «من كذب عليه متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، «من بنى لله بيتا بنى الله له بيتا في الجنة»، نظم بعض العلماء بعض الحديث المتواترة في اللفظ، وبعضها في المعنى. فقال: ومما تواتر حديث «من كذب»، ومن «بنى لله بيتا واحتسب»، ورؤية شفاعة، وحوض، ومسح الخفين، وهذا بعض معنى حديث الرؤية، وحديث الشفاعة، وحديث الحوض، وحديث المسح الخفين، هذه كلها من التواتر المعنوي. كيف تواتر معنوي؟ معناها: تواتر الآن عندنا مثل الحوض، الحوض حوض النبي عليه الصلاة والسلام، لم يأت في القرآن، وإنما جاء قول الله عز وجل: «﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾»، والحوض شيء آخر غير الكوثر، الكوثر النهر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطانيه يا الله». لكن الحوض شيء آخر، جاءت أحاديث متكاثرة في الحوض، في طوله، في عرضه، في عدد آنيته، في وجوده، وفي أيضا التقاء النبي صلى الله عليه وسلم بأمته عند الحوض، أحاديث كثيرة جدا، كلها فيها معاني أن هناك حوض موجود، فهذا يعتبر تواتر على الحوض. وهكذا الرؤية، رؤية الله عز وجل، أحاديث كثيرة فيها الرؤية، وهكذا، فهذا يسمى تواتر معنوي. قال: أقسام الخبر الأحاد، وتعريف المشهور. قال: والثاني أحاد، فمنه ما اشتهر، وكذا عزيز، ثم فرد قد ظهر، أو قد ظهر. فإن أتى من طرق ثلاث أو من فوقها فذاك مشهور رأوا، وحيث عمت شهرة كل السند، فالمستفيد عندهم بدون رد. الآن يقول: أن حديث الأحاد ينقسم إلى أقسام، أولا الثاني وهو الأحاد، فمنه ما اشتهر، المشهور، وكذا العزيز، والفرد الغريب. فقال: ثم ذكر المشهور، قال: فإن أتى من طرق ثلاث أو من فوقها فذاك مشهور رأوا. الآن المشهور ما هو؟ المشهور: أن يأتي في أقل طبقة فيه ثلاثة أشخاص، إيش الطبقة؟ الطبقة: الأسانيد التي تأتي، يكون في أقل طبقة ثلاثة. مثلا يأتي هذا الحديث عن صحابي، يرويه عن مثلا عن أبي هريرة، يرويه عن أبي هريرة مثلا أبو صالح، وأيضا يرويه أيضا عن أبي هريرة سعيد بن المسيب، ويرويه عن أبي هريرة أيضا أبو سلمة، ثلاثة منهم من التابعين، ثلاثة. ثم لا شك أنه يروي عن سعيد مجموعة مثلا الزهري، وأيضا كذلك يحيى بن سعيد الأنصاري، فلان وفلان، ويرويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الزهري، يحيى بن أبي كثير، فلان وفلان، ويرويه مثلا عن أبي صالح الأعمش، ومنصور، وكذا، فيرويه مجموعة. فيأتي الحديث عن جماعات، معناه: هذا روى عنه ثلاثة، وهذا روى عنه خمسة، وهذا روى عنه ستة، فيأتي بعد ذلك في كل طبقة من طبقات أكثر من عشرة، لكن في طبقة من طبقاتي ثلاثة، فهذا يسمى يسمى مشهور، يسمى حديث مشهور. فيكون في أقل طبقات ثلاثة، ممكن في الطبقات الأخرى يكون أكثر، فيسمى مشهور، وإذا كان فوق الثلاثة مثلا عندنا حديث أقل طبقة فيها أربعة، فماذا يسمى؟ عند أكثر العلماء يسمونه مشهور أيضا، عندهم المشهور هو ما رواه ثلاثة فما فوق، ما لم يبلغ حد التواتر، أن يرويه ثلاثة فما فوق، ما لم يبلغ حد التواتر. فلهذا إذا كان أربعة يكون مشهور، لكن هناك قول عند بعض العلماء يقولون: يسمى مستفيض إذا كان أربعة فما فوق، يسمى مستفيض، لكن المشهور كما قلنا: أنه يسمى مشهورا، يسمى مشهورا. وهذا المشهور الذي يسمونه المشهور الإصطلاحي، الذي اصطلح عليه أهل الحديث، الذي اصطلح عليه أهل الحديث، سمي مشهور اصطلاحي؛ لأن هناك قد يطلق على حديث يسمى مشهور، لكن ما يريدون المشهور الاصطلاحي، المشهور الاصطلاحي فيما بين أهل الفن، معناه: بعض الأحاديث يقولون: هذا حديث مشهور عند أهل اللغة. مثلا حديث «نعم الرجل صهيب لو لم يطع الله لم يعصه»، نعم الرجل صهيب لو لم يطع الله لم يعصه، هذا حديث لا يصح، لكنه مشهور عند من عند أهل اللغة، عند أهل اللغة مشهور، كذلك عند أهل الفقه، «إنما الأعمال بالنيات»، هذا حديث مشهور عند أهل الفقه، وعند أهل الحديث، بعضهم يقول: مشهور عند أهل الحديث، أي أنهم يفتتحون كتبهم به، ومنهم من يقول: مشهور عند الفقهاء كذلك، أيضا، أما المشهور في السنة الناس، وهذا كثير، أحاديث اشتهرت في السنة الناس، معناه: تجد الآن عند العوام يجبون لك حديث، أحاديث يذكرونها، معناه: تنتشر بين الناس هذه الأحاديث، وقد يكون صحيحة، وقد يكون ضعيفة. ولهذا أول من انبرأ للجمع مثل هذا السخاوي في كتاب «المقاصد الحسنة في ما اشتهر من الحديث في الألسنة»، ألف كتاب سماه «المقاصد الحسنة في ما اشتهر من الحديث في الألسنة»، وذكر أحاديث كثيرة استعملها العوام، أن بعض العوام تجدوا استعمل بعض أحاديث لا أصل لها. قل لك: «أه بعضهم يقول: قال الله: «أنا أرضى عليهم وأنا أرضى عليه»»، هذا عندهم حديث، «الله يقول: «قال الله: أحلف لا تحلف صادق ولا كاذب»»، «قال الله: لا تحلف صادق ولا كاذب»، غيرها من هذه الأشياء. فجاء هؤلاء السخاوي وجمع، جاء العجلوني، العجلوني وجمع أكثر من السخاوي، وهكذا جاء بعدهم الحوت وغيره، وجمعوا أشياء كثيرة في هذا في الأحاديث التي اشتهرت على الألسنة، ثم يبينون هل هي صحيحة أو لا، أو إذا كانت أه قد رواها أهل الكتب، يذكرون من رواها، وإذا كان لم يروها أحد، يقولون مثلا: «لا أصل لها»، أو كذا. بعض الأحاديث مثلا تجدها تنتشر عند الفقهاء، حتى مثلا فقهاء الكبار الآن في «المغني» مثلا، أحيانا تجد أحاديث ما تجدها عند أحد أبدا، ما تجدها عند أحد، لو بحثت عنها ما تجدها، لكن تجد الفقهاء يتداولونها، ويتتابعون. مثلا عندك الحنابلة يقولون: «إن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين صلاة المغرب والعشاء في مطر»، هذا الحديث يتداوله كثير من الحنابلة عنه، ليس هناك حديث بهذا المعنى أو بهذا اللفظ، «إن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء في مطر»، وإنما حديث ابن عباس: «إن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر». لكن «إن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء في مطر»، هذا غير صحيح، وأشياء كثيرة، أحيانا الحديث تجدها موجودة في الكتب. عندك الآن لما حقق العراقي «إحياء علوم الدين»، حققه العراقي في كتاب كبير، واختصره بعد ذلك، فتجد أن كثير من الحديث يقول: «لا أصل له»، «إحياء» يقول: «لم أجده»، فحديث كثيرة غير موجودة، أصل ليس تحديث، وإنما هي من كلام الفقهاء، فيظنها الغزاء؛ لأنها حديث، فيذكرها حديثا. طيب فهذا يسمى لحديث المشهورة، ولهذا مثلا «إنما الأعمال والنيات»، عندما يقولون: «الحديث مشهور»، ليس أنه مشهور بالاصطلاح، هذا، وإنما مشهور على أنه مشهور عند أهل الحديث، وعند أهل الفقه، فيقولون: «الحديث مشهور»، وإن كان يرادوا الاستلاح الشهرة في هذا الحديث في آخره. ولهذا يقولون: حديث حديث النية: «أه فرد في أوله»، أو «غريب في أوله»، ومشهور في آخره، أنا رواه عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، ورواه عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، ورواه عن محمد بن إبراهيم يحيى بن سعيد الأنصاري، بعد ذلك رواه الجمع الغفير، أكثر من مائتي راوي، رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، فهو في أوله غريب، فرد، لكن في آخره صار مشهورا، بل حتى قد يبلغ التواتر، لكن لاجل أن الحديث أه في بداية أحاد، فلهذا لم يقولوا: أنه متواتر. قال رحمه الله: وحيث عمت شهرة كل السند، فالمستفيد عندهم بدون رد. وقلنا: المستفيد هذا أه فوق الأربعة، وهناك الحنفية لهم اصطلاح يسمون الحديث مستفيض، لكن اصطلاح ليس داخل في علم الحديث. طيب قال: وما عن اثنين رواه اثنان فهو العزيز، فافهمنا التبيان. وما به الواحد قد تفرد فالفرد مطلقا ونسبيا غدا. الآن الشيخ قال: «وما عن اثنين رواه اثنان»، يوهم الشيخ رحمه الله أن العزيز هو رواة اثنين عن اثنين عن اثنين عن اثنين، وهذا ليس صحيحا، وإن كان ظنه بعض العلماء هكذا، ابن حبان ذكر أن العزيز هكذا: اثنان عن اثنان. ولهذا قال الحافظ: إن كان يريد اثنان اثنان عن اثنين، فهذا لا يوجد، أو قد يكون وجوده قليل؛ لأن ابن حبان بحث لماذا سمي عزيزا؟ قال: لقلة وجوده. فقال الحافظ: إن كان أراد اثنان عن اثنين، فهذا لا شك أنه قد ما تجد؛ ليش؟ ليس أنه مثلا أنه ما يستطع أن يروي اثنين عن اثنين، لا، لأنه معناه: ما سينسحب، كيف سيكون اثنان عن اثنين؟ معناه: مثلا لو عندنا صحابيان، لا بد هذا الصحابي سيروي عنه واحد أو اثنان، وهذا أيضا سيروي هكذا، سيفتر، فليس سيكون اثنان عن اثنين، وإنما سيكون هذا الواحد يروي عنه اثنان، هذا يروي عنه واحد، هكذا. لكن مثل الحافظ بشيء يقرب المعنى، أو يقرب الاستراح، مثلا بحديث مثلا بحديث أنس «لا يؤمن أحدكم حتى يكون حب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، هذا الحديث قال: رواه أنس وأبو هريرة من الصحابة، ورواه عن أنس عبد العزيز بن الصحيب، وثابت البناني، ورواه عن ثابت حماد بن الزيد، وحماد بن سلمة، وهكذا. يعني: يأخذ كل واحد راوي، ويروي عنه اثنان، فمثل بهذا على أنه أقرب إلى التمثيل، لكن صورة العزيز الصحيحة، صورة العزيز الصحيحة: أن العزيز هو ما رواه أقل من اثنين، أو أن يكون في أقل طبقة فيه اثنان، ما رواه اثنان في أقل طبقات، معناه: أقل طبقة تكون فيها اثنان، يروي هذا الحديث، فيسمى هذا عزيز، فيسمى عزيزا. قيل: إنه سمي عزيزا لعزته، وقيل: إنه سمي عزيزا؛ لأنه معناه: يعز بعضهم بعضا، فيعتز، والعزة قد تكون من القوة، «العزة» بكسر العين، أي عزة يعز عزا، أي قوة، فهذا يقوي هذا، فسمي عزيزا. فهذا العزيز هو: أن يكون كما قلنا: يرويه اثنان في أقل طبقة، أقل طبقاتي اثنان، أقل طبقاتي اثنان، فهذا هو العزيز، مثل المشهور، أقل طبقاتي ثلاثة، وهذا يكون أقل طبقاتي اثنان، فيسمى عزيزا. قالوا: ما به الواحد قد تفرد فانفردوا، فالفرد مطلقا ونسبيا غدا، فالمطلق الفرد به الصحابي عن النبي عن سائر الأصحاب، أنا انفرد به واحد، وغيره النسبي من دون خفاء، وبالغريب عندهم قد عرفا. الآن المؤلف جمع بين الفرد والغريب؛ لأن الغريب يقارب بالفرد، لكن إيش الفرد؟ بينهما الغريب، لا شك أنه من من أحاديث الأحاد، أحاديث الأحاد، لكن إيش معناه؟ إيش الغريب؟ الغريب: أن يكون أقل طبقه فيه واحد، أن يكون أقل طبقه فيه واحد، هذا الغريب المطلق. وأما الفرد: الفرد هو واحد عن واحد، واحد عن واحد إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الفرد. فالآن في إيش يشتركان؟ الغريب والفرد، ها معناه: هذا في يلتقيان، طيب افترقان في إيش؟ أكثر من واحد في السند، كيف أكثر من واحد؟ هو الآن الحديث طبقات، معناه: كل طبقة تكون أكثر من واحد، هكذا، ها كيف يلتقي؟ هو الفرد. نحن قلنا: إن الغريب يلتقي مع الفرد، وأيضا يفارقه، يلتقي معه، ويفارقه فيلتقي معه، وفين ما في فيش، ها أحاد، هو حديث أحاد، الغريب والفرد أيضا داخل في الأحاد، لكن أين يلتقوا؟ أي يلتقيان الفرد والغريب؟ ها نحن الفرد قلنا: الفرد واحد عن واحد عن واحد، هذا يسمى فرد، غريب، هذا يسمى فرد غريب؛ لأننا قلنا: إن الغريب هو أن يكون أقل طبقة فيه واحد، قد يكون كل الطبقات واحد، هذا يسمى غريب أيضا، لكنه غريب فرد، هنا يلتقيان. الغريب الفرد يكون في طبقة واحدة، أم يعني: يكون كل طبقة فيها واحد فقط، يسمى غريب، ويسمى فرد، لكن لو كان في طبقة من الطبقات اثنان، هذا خلاص ما يسمى فرد، لكن يسمى غريب. في طبقة من الطبقات مثلا سبعة، في طبقة ستة، لكن في طبقة من طبقات واحد، الآن أكثر الأحاديث، أكثر الأحاديث تجد مثلا بعد مخرجها تجد أنه هناك من يروي عنه أكثر من سبعة، تمانية، عشرة. الآن مثلا رواية الأعمش، الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، لو بحث ما تجد له هذا الإسناد، الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ثم بعد ذلك عند الأعمش تجد أن الأعمش رواه عنه مثلا عشرة، عشرة رواه عن الأعمش، فهذا يسمى يسمى غريب، يسمى غريب، لكن ما يسمى فرد، ما يسمى فرد. الفرد متى؟ إذا كان واحد عن واحد عن واحد عن واحد إلى نهاية الإسناد، هذا يسمى فرد، أما إذا وجد في الإسناد أكثر من واحد، فهو غريب، ولو وجد الطبقة واحدة فيها واحد فقط، يعتبر غريب. مثلا التابعي الذي رواه عن الصحابي واحد، ثم تفرع الحديث، فمثلا مثلا رواه عن أبي هريرة مثلا أبو سلمة من عبد الرحمن فقط، أو مثلا حديث «أبد الله بن الدينار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته»، «لا نبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وهبته»، هذا كما قال بعض الحفاظ: «لم يروه في الدنيا عن عبد الله بن الدينار إلا عبد الله بن الدينار عن ابن عمر»، ورواه عن عبد الله بن الدينار مالك بن أنس، ورواه كذلك أيضا عبيد الله بن عمر العمري، ورواه جماعة عن عبد الله بن الدينار، لكن ما رواه إلا عبد الله بن الدينار عن ابن عمر، فهذا الآن يسمى يسمى غريب، ما يسمى فرد أيضا. حديث «دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وعلى رأسه المغفر»، حديث أنس، ما رواه عنه إلا الزهري، ثم رواه عن الزهري جماعات، أنا كثير، رواه عن الزهري قرابة عشرة، فهذا أيضا يسمى غريب، ما يسمى فرد، لكن حديث واحد عن واحد عن واحد، هذا يسمى فرد. فالآن متى يلتقيان؟ إذا كان الحديث إسناد واحد عن واحد عن واحد، هذا يقال: فرد غريب، لكن إذا كان في أقل طبقة واحد، ثم في طبقات ثلاثة، أربعة، كذا، لكن في طبقة من طبقات واحد، هذا يسمى غريب، فهمت الآن. فهنا الغريب يلتقي مع الفرد، وينفرد، معناه: يلتقي معه، ويفارقه، يفارقه في وجود أكثر من واحد في طبقة من الطبقات، خلاص ما يكون فرد، يكون غريب، إذا وجد في كل طبقات واحد، هذا يسمى فرد، هذا الغريب المطلق، والفرد المطلق، لكن هناك فرد نسبي وغريب نسبي، فرد نسبي وغريب نسبي. والغريب النسبي له أنواع، لكن لعلنا لا نذكر هذا؛ لأن سيدخلنا في أشياء أخرى؛ لأن الغريب عند أهل العلل مهم جدا، وكيف يعرفون الغريب؟ لهم هناك معرفة خاصة بأهل العلل، يستخدمون هذا الغريب في معرفة علل الحديث. طيب قال: وحيث عمت شهرة كل سنة، طيب قال: فالمطلق الفرد به الصحابي عن النبي عن سائر الأصحاب، أنا انفرد به واحد، وغيره النسبي من دون خفاء، وبالغريب عندهم قد عرف، الفرد النسبي قد أيضا يلتقي مع الغريب النسبي في بعض في بعض الطرق أو بعض التسميات. مثلا على سبيل المثال: الفرد النسبي، الفرد النسبي مثلا بالنسبة إلى فرد من الأفراد، بالنسبة إلى فرد من الأئمة، مثلا رواية مالك، مالك إمام، فمثلا هذا الحديث رواه مالك عن عبد الله بن دينار، أو أقصد عبد الله بن دينار رواه عن أبي هريرة، عبد الله بن عمر، فجاء في بعض الطرق أن بعضهم رواه عن نافع عن