الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
إطلاق بعض الأئمة وصف "مجهول" على راوٍ لا يعني ثبوت جهالته مطلقاً، فقد يعرفه غيرهم فيوثقونه كما فعل ابن معين وأبو حاتم مع عبد الله بن العليَد. يعتمد العلماء على استقامة الحديث وموافقة الثقات للتمييز بين جهالة العين وجهالة الحال.
قاعدة توثيق الراوي لمجرد رواية أربعة ثقات عنه غير صحيحة، وقد خالفها ابن حجر والذهبي بأمثلة لرواة لم يوثقوا رغم ذلك. قول ابن معين "لا أعرفه" ليس حجة قاطعة على الجهالة، بل هو رأي أغلبي قد يخطئ فيه.
رغم إمامته في الرجال، قد يجهل يحيى بن معين رواة الأقطار النائية، لذا يُرجع إلى علماء كل بلد كابن يونس في مصر والمغرب، ودحيم وعبد الأعلى بن مسهر في الشام، ومالك بن أنس في المدينة. المعرفة بالرواة تتحقق بأهل البلد الأصليين.
القاعدة المذكورة في ضوابط الجهالة ليست مطلقة كما ذكر ابن عدي، بل هي أمر أغلبي غير مضطرد. يكتفي المتحدث بهذا القدر من التعليق على القاعدة المعترضة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال: القاعدة الرابعة: لا يلزم من حكم بعض الأئمة بالجهالة على الراوي أن يكون مجهولًا، فقد يعرفه غيره فيوثقه. ومن أمثلة ذلك ما يلي: قد يقول بعض العلماء: "فلان مجهول" أو "لا يعرفه"، فليس معنى ذلك أنه يحكم عليه بالجهالة حتى ينظر إلى العلماء الآخرين، فقد لا يعرفه فلان من الأئمة وإن كان من المطلعين، لكن يعرفه بعض أهل بلده من الأئمة الذين يتكلمون على الرجال. فمن أمثلة ذلك: أن عبد الله بن العُليَد بن عبد الله المَزني قد وثقه ابن معين، فقال: «كان من خيار المسلمين»، وقال أبو حاتم: «صالح الحديث»، وقال علي بن المديني: «مجهول، لا أعرفه». وهذه طريقة الإمام أبي الحسن علي بن المديني رحمه الله، فإنه إذا لم يعرف الرجل بثقة فإنه يقول: «مجهول»، ولهذا جهل كثيرًا من التابعين، لكن قد عرفه جماعة من الأئمة كابن معين وأحمد وغيرهما. قال الحافظ الذهبي: «قد عرفه جماعة ووثقوا، فالعبرة بهم». وبعض المتأخرين، كما ذكرنا قبل، أن عنده مثل القاعدة في المجهولين، كما ذكرنا في قاعدة ابن عدي، فإنه يتكلم في كل من لم يطل فيه إمام عاصر ذاك الإمام أو ذاك الرجل، أو أخذ عن من عاصره ما يدل على عدالته. يعني: إذا كان لم يذكر عدالته أحد ممن عاصره، أو ممن أخذ عن من عاصره، فإنه يعتبره مجهولًا. فلهذا فعنده المجاهيل كثير. فالعبرة ليس بأن يقول فلان مثلاً: إنه مجهول، ينظر في الآخرين. فمن عرف بعضًا، مثلاً النسائي وغيرهم، قد يسبرون حديث الرجل، فيعرفون أنه ثقة. كيف يسبرونهم؟ بأن يقابلون حديثه بحديث ثقات، ولو كانوا مثلاً متأخرين عنه، فينظر في حديثه وحديث غيره من الثقات، فإذا رأى حديثه مستقيماً وثقه. وبهذا يعرف ضبط الرواة، يعرف ضبط الرواة بهذا، وهذا مع استقامة العدالة الظاهرة. وكما ذكرنا قبل: أن العلماء عندهم إما أن يكون الرجل مجهول عين، أو مجهول حال، أن تعرف عدالته أو تعرف عدالته الظاهرة ولا تعرف عدالته الباطنة. فإذا عرفت عدالته الباطنة، أي أنه رجل ثقة وحافظ، أو يحفظ وحديثه مستقيمة، فبعد ذلك يوثقه. طيب، قال: أن الحكم بن عبد الله البصري قال فيه: «مجهول». قال الحافظ: «حجر، ليس بمجهول، من روى عنه أربع ثقات ووثقه الظهلي». وهنا قوله: «ووثقه الظهلي» يدل على أن الحافظ لم يعتمد الأربع ثقات، وإن كان الشيخ رحمه الله، الشيخ الألباني، ينسب إلى الحافظ، وإلى الحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر، أنهما يوثقان من روى عنه أربعة من الثقات ولم يوثقوا أحدًا. فعنهم يقولون: إنهم يوثقون. لكن، وذكر العُتبي رحمه الله، لكن الظاهر أن هذه القاعدة ما نص عليها أحدهما، أو أحد منهم، لم ينص عليها أحد منهم، حتى الحافظ ابن حجر، مع أنه كثير لهج في مثل هذه الأشياء. لكن وجد من الرواة من كانت هذه حاله ووثقوه، لكن وجد العكس أيضًا، وجد العكس: أنه هناك رواة رووا عنهم ثقات ولم يوثقوا، ولم يوثقهم لا الذهبي ولا الحافظ ابن حجر. أنا قد يقول فيه مثلاً: «ثقة» أو «موثق»، خاصة إذا كان قد وثقه ابن حبان. فلهذا يدل على أنها ليست قاعدة عندهم مضطردة، وإنما قد يكون باعتبار آخر. ولهذا هنا قال: قد قال رحمه الله: «من روى عنه أربع ثقات ووثقه الذهبي، ليس بمنشود». من كان هذا حاله. قال: أن عباس بن الحسين القُطري، قال فيه أبو حاتم: «مجهول». قال الحافظ ابن حجر: «إن أراد جهالة العين، فقد روى عنه البخاري، وموسى بن هارون الحمال، والحسن بن علي المعمري، وغيرهم. وإن أراد جهالة الحال، فقد وثقه عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عنه فذكره بخير». أنا ذكره بخير هنا ليس المقصود أنه ذكره بخير، معنى أنه مثلاً قال: «رجل صالح» و«رجل كذا». إذا كان... إذا كان ما يعلم... ما يعلم... ما يعلم شيء عنه، يقول: «ما أعلم إلا خيراً»، مثلاً. إذا كان ما يعلم ثقته، أو كما أخيراً... أخيراً... أخيراً... أخيراً أنه يوثقه. فمثل هذا الرجل، وهو الحكم، وهذا عباس بن حسين القُطري، فإنه وثقه الإمام أحمد رحمه الله برواية ابنه. قال: وأما قول ابن عدي بعد نقله لقول ابن معين في عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وعبد الرحمن بن آدم، حيث قال: «لا أعرفهما»، فقال ابن عدي: «إذا قال مثل ابن معين: لا أعرفه، فهو مجهول غير معروف، وإذا عرفه غيره لا يعتمد على معرفة غيره، لأن الرجال عند ابن معين تصبر أحوالهم». وهذا ليس على إطلاقه، وإنما هذا أمر أغلبي، هذا أمر أغلبي، وإلا فكم من رجل لم يعرفه ابن معين وعرفه غيره. لكن ابن معين كان مطلعًا شديد الاطلاع في الرجال، وكأنه خُصّص لهذا العلم، ولهذا أكثر من تكلم في الرجال هو يحيى بن معين. لكن قد يغيب عنه بعض المحدثين، مثلاً الذين في مصر، الذين بعيدون عنه، في الشام، الذين قد يكونوا في خراسان، أو لا، بعيدون عنه، وقد لا يعرف ثقتهم، ويعرفهم أهل بلدهم، أهل بلدهم. فالاعتماد على هذا. ولهذا قال هنا: وهذا الرجل قد عرفه ابن يونس، أو قال: فقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، فقال: «لا يتمشى في كل الأحوال، فرب رجل لم يعرفه ابن معين بالثقة والعدالة، وعرفه غيره، فضلاً عن معرفة العين، لا مانع من هذا». قال: قد عرفه ابن يونس، وابن يونس هو العمدة في أهل مصر، قالوا: إليه المرجع في معرفة أهل مصر والمغرب. وقد ذكر ابن خلفون في الثقات، وقال: «كان رجلاً صالحاً جميل السيرة». وابن يونس له كتاب سماه «تاريخ مصر»، وتكلم على الرواة، وأيضًا بين كثيرًا من الرواة الذين لم يعرفهم العلماء، يعني: علماء بغداد وعلماء البصرة، لأن أكثر علماء الجرح والتعديل هم في العراق. أكثر علماء الجرح والتعديل هم في العراق. لكن تجد أحيانًا يجهلون بعض الرواة الذين يكونون في الشام، الذين يكونون في مصر. فلهذا تجد مثلاً: دحيم، دحيم يعتبر أعرف الناس بأهل الشام. إذا تكلم مثلاً... مثلاً ابن معين على الرجل وأثنى عليه دحيم، وإذا كان من أهل الشام، أخذتم بكلام دحيم. هو عبد الرحمن بن إبراهيم، الشامي، دمشقي. وأيضًا كذلك الحسن بن علي، أو أبو الحسن الموصلي، عبد الأعلى بن مسهر، أقصي... أبو الحسن الموصلي، فهو أيضًا عمدة في الشاميين. أبو الحسن الشامي، الدمشقي، وهو عبد الأعلى بن مسهر، عبد الأعلى بن مسهر يعتبر عمدة أيضًا في معرفة الشاميين. فتجد أن هناك أناسًا من أهل العلم، ومن يتكلم في الجرح والتعديل، تخصصوا في بعض أهل بلادهم، وأعرف الناس بهم. فابن يونس هو أكثر الناس معرفة بأهل مصر، بل بأهل المغرب جميعًا، وكذلك بالشام. وأما أهل المدينة، فتجد كثيرًا من تكلم في الرجال، وأكثر الناس... أو معنى كما قال الإمام محمد: «عندنا مالك ثبت في أهل المدينة». معنى أن كلام مالك هو القدوة في أهل المدينة. وقال سفيان بن عيينة: «إنا لنقتدي بمالك في الرجال». يعني: من روى عنه مالك من أهل المدينة روينا عنه، ومن لم يروِ عنه مالك لا نروِ عنه. فلهذا فليس كما ذكر ابن عدي رحمه الله، أو أنه يحمل على أنه أمر أغلبي، أمر أغلبي، وليس أمر مضطرد. طيب، هذا إن شاء الله ما يذكر في هذه القاعدة، أو في هذه القاعدة التي تعتبر معترضة في ضوابط الجهالة. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله أعلم.