التعليق على شرح علل الترمذي 69

التعليق على شرح علل الترمذي 69

الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 69، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الغريب إسناداً وأنواعه

يشرح المقطع مفهوم الغريب إسناداً عند الترمذي بأنه حديث صحيح المتن لكن إسناده فردي أو قليل الرواة، ويبين نوعين رئيسيين: تفرد راوٍ عن شيخ معروف بغير المتن المشهور، وحديث متن معروف يروى من وجه صحابي غريب. كما يذكر أن لهذه الأحاديث طرقاً صحيحة ثابتة في الصحيحين.

أمثلة الأحاديث الغريبة: حديث أبي موسى وحديث النهي عن الدباء

يضرب المقطع مثالين للغريب إسناداً: حديث أبي موسى في أكل الكافر والمؤمن الذي تفرد به أبو كريب عن أبي أسامة، وحديث النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت الذي تفرد به شبابة عن شعبة. وينقل نسخ النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت مع بيان وجه الغرابة في كل منهما.

نقد الأئمة لأسانيد حديث بريد وحديث الانتباذ

يناقش المقطع ضعف حديث بريد المروي عن أبي كريب عن أبي أسامة واستنكار أحمد وأبي داود لطلب طرقه الغريبة، ثم ينتقد إسناد حديث النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت المروي عن شبابة عن شعبة معتبراً إياه غريباً ومنكراً عند أحمد والبخاري، بينما يراه ابن المديني ممكناً لكثرة سماع شعبة.

معنى الغريب في الأسانيد وطرق تفرده

يشرح المقطع معنى الغريب في الأسانيد بأنه أن يُروى الحديث بإسناد يتفرد به راوٍ واحد عن شيخ ثم ينتشر من طريقه، وقد يدلسه من لم يذكره، مع وجود طرق صحيحة للحديث في الصحيحين. ويبين أن الغرابة قد تكون في الإسناد فقط دون المتن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: "الغريب إسناداً لا متناً عند الترمذي". قال أبو عيسى: "رب حديث يروى من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال الإسناد". قال: "حدثنا أبو كريب، وأبو هشام الرفاعي، وأبو السائب، والحسين الأسود، قالوا: أخبرنا أبو أسامة، وحميد بن أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معى واحد»". وهذا الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة، وكذلك من حديث ابن عمر. قال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه من قبل إسناده، وقد روي من غير وجه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما يستغرب من حديث أبي موسى أنه يرويه في الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عمر، لكن هنا يستغرب من حديث أبي موسى، أي يستغرب إسناده". وهذا الحديث قد روى أبو أسامة عدة أحاديث بهذا الإسناد: بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى. وروى سفيان بن عيينة أربعة أحاديث بهذا الإسناد. قال: "وسألته" - يعني محمود بن غيلان، وهو المروزي - "عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبي كريب عن أبي أسامة". فسألته - يعني محمد بن إسماعيل البخاري - عن هذا الحديث، فقال: "هذا حديث أبي كريب عن أبي أسامة، لم يعرفه إلا من حديث أبي كريب عن أبي أسامة". أبو كريب هو محمد بن العلاء الهمداني. قال: "فقلت: وحدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا" - أي بهذا الحديث - "فجعل يتعجب ويقول: ما علمت أن أحداً حدث بهذا غير أبي كريب". يقول محمد بن إسماعيل: لما قال له الترمذي: "حدثنا غير واحد عن أبي أسامة"، فقال: "ما علمت أحداً ذكر هذا الحديث عن أبي أسامة إلا أبو كريب". قال محمد: "كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة". معنى ذلك أنهم يرون أن الحديث فيه علة ووهم، وأن محمد بن العلاء وهم في أخذه لهذا الحديث ورفعه - أي من حديث أبي موسى - وإلا فالحديث موجود في الصحيح، أي من حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر. قال: "حدثنا عبد الله بن أبي زياد، وغير واحد، قالوا: أخبرنا شبابة بن سوار، قال: أخبرنا شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدباء والمزفت". قال: "هذا حديث غريب من قبل إسناده، لا نعلم أحداً حدث به عن شعبة غير شبابة". وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أوجه كثيرة أنه نهى أن ينتبذ في الدباء والمزفت. النهي عن الدباء والمزفت حديث ابن عباس في الصحيحين في وفد عبد القيس، لكنه منسوخ. النهي عن الانتباذ في هذه الآنية منسوخ، جاء في حديث بريدة: «قد نهيتكم عن الانتباذ في بعض الآنية، فإنما هو إناء لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً». فهذا من ناحية أنه غريب من قبل إسناده، من رواية شبابة عن شعبة، وإلا فقد جاء هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن ينتبذ في الدباء والمزفت، وجاء من حديث أبي هريرة في الصحيحين. قال: "وإنما يستغرب حديث شبابة لأنه تفرد به عن شعبة، وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «الحج عرفة»". فهذا الحديث المعروف عند أهل الحديث بهذا الإسناد. فمن أين جاء شبابة بهذا الحديث عن شعبة بهذا المتن؟ وإنما روى سفيان وشعبة هذا الحديث من أو بهذا الإسناد حديث: «الحج عرفة». فهذا يعتبر أيضاً غريباً من ناحية رواية هذا الحديث، فلم يرو هذا الحديث أحد غير فلان مثلاً عن هذا الشيخ، فالحديث يكون مشهوراً مثلاً من حديث قتادة فيرويه إنسان عن ثابت، أو الحديث مشهور عن شعبة فيرويه عن سفيان الثوري، وهكذا. قال: "وهذا نوع آخر من الغريب، وهو أن يكون الحديث يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام من طرق معروفة، ويروى عن بعض الصحابة من وجه يستغرب عنه، بحيث لا يعرف حديثه إلا من ذلك الوجه". قال: "وقد ذكر الترمذي هذا النوع مثالين". أحدهما: حديث أبي كريب عن أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده، عن أبيه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء»، يعني يأكل ولا يشبع. قال: "فهذا المتن معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، وقد خرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما حديث أبي موسى هذا فأخرجه مسلم عن أبي كريب، وقد استغربه غير واحد من هذا الوجه، ذكروا أن أبا كريب تفرد به، منهم البخاري وأبو زرعة". وذكر لأبي زرعة: "من رواه عن أبي أسامة غير أبي كريب؟" فكأنه أشار إلى أنهم أخذوه منه. قال: "وحسين بن الأسود كان يتهم بسرقة الحديث، وأبو هشام فيه ضعف أيضاً". وقد ذكرنا كلام أبي زرعة في هذا الكتاب في كتاب الأطمع، وإنكاره على أبي السائب وأبي هشام روايتهما عن أبي أسامة لهذا الحديث. قال: "وظاهر كلام أحمد يدل على استنكار هذا الحديث أيضاً من قبل الإسناد". قال أبو داود: "سمعته - يعني أحمد - ذكر له حديث بريد هذا، فقال أحمد: يطلبون حديثاً من ثلاثين وجهاً، حديث ضعيف، وجعل ينكر طلب الطرق نحو هذا، قال: شيء لا ينتفعون به، أو نحو هذا الكلام". معناه: يأتون بأسانيد أخرى، والصحيح أن هذا من حديث أبي كريب عن أبي أسامة، فمن جاء من طريق أخرى فقد أخطأ. قال: "إنما يكرهون طلب الطرق الغريبة الشاذة المنكرة، وأما الطرق الصحيحة المحفوظة فإنه كان يحث على طلبها، كما ذكرناه عنه في أول الكتاب". وما حكى الترمذي عن البخاري هنا أنه قال: "كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا عن أبي أسامة في المذاكرة"، فهو تعليل الحديث؛ فإن أبا أسامة لم يرو هذا الحديث عنه أحد من الثقات غير أبي كريب، والمذاكرة يحصل فيها تسامح بخلاف حال السماع والإملاء. ولذلك لم يروه عن بريد غير أبي أسامة. المثال الثاني: حديث شبابة عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الدباء والمزفت. فإن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الانتباذ في الدباء والمزفت صحيح ثابت عنه، رواه عنه جماعة كثيرون من أصحابه. قال: "وأما رواية عبد الرحمن بن يعمر عنه فغريبة جداً، ولا يعرف إلا بهذا الإسناد، تفرد بها شبابة عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحج عرفة»". في حديث ذكره. فهذا المتن هو الذي يعرف بهذا الإسناد، وأما هذا المتن الآخر وهو قوله في هذا الحديث: "إنه نهى عن انتباذ الدباء والمزفت"، معنى ذلك أن هذا تفرد به سوار - أو شبابة بن سوار - عن شعبة، ولم يروه غيره. قال: "وأما حديث النهي عن الدباء والمزفت فهو بهذا الإسناد غريب جداً، وقد أنكره على شبابة طائفة من الأئمة، منهم الإمام أحمد، والبخاري، وغيرهما من الحفاظ، عليهم فيه". قال: "وأما ابن المديني فإنه سئل عنه فقال: لا ينكر لمن سمع من شعبة حديثاً كثيراً أن يتفرد بحديث غريب". وقال أحمد: "إنما روى شعبة بهذا الإسناد حديث الحج"، يشير إلى أنه لا يعرف بهذا الإسناد غير حديث الحج. وقد سبق ذكر هذا الحديث مع الكلام عليه في كتاب الغرباء، والله أعلم. معنى الآن: خلاصة الأمر أن هذا يأتي في غريب الأسانيد، معنى يكون الحديث مشهوراً بأسانيد، ويأتي إسناد غريب عن شيخ لا يروه إلا رجل واحد، ويتفرد بهذا الحديث، ثم ينتشر هذا الحديث لكن من طريقه، ومن لم يذكره فدلسه، فيكون يأتي بهذه الطرق، أو يأتي بهذا الإسناد مع أن الإسناد له طرق صحيحة، والصحيحان، كما قد سمعنا في هذا. طيب، إن شاء الله نحتاج...