تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 4

الدرس في تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التوسل بالأعمال الصالحة في القرآن والسنة

يشرح هذا الفصل أهمية التوسل بالأعمال الصالحة كما ورد في القرآن وفي قصة الثلاثة في الغار، ويبين أن هذا النوع من التوسل مشروع. يتطرق أيضاً إلى كيفية توسل المؤمنين بإيمانهم ومسارعتهم إلى الخيرات.

الفرق بين التوسل المشروع والممنوع

يفصل هذا الفصل بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع، ويوضح أن التوسل بالذوات لم يثبت عن النبي أو أصحابه، بينما التوسل بالأعمال الصالحة ثابت ومشروع، ويشرح الفرق بين مغفرة الذنوب وتكفير السيئات.

تخيير الأنبياء في الموت وفضل الدعاء بالتوفى مع الأبرار

يتناول هذا الفصل موضوع تخيير الأنبياء في الموت ودعاء الصالحين الله أن يتوفاهم مع الأبرار، ويذكر مثال النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين كانوا يدعون الله حتى في الأمور الدنيوية.

فضل القرآن وإنزاله على النبي وتوفيقه

يشرح هذا الفصل إنزال القرآن على النبي وتوفيقه لمرضاة الله وتفريج كربته، ويشير إلى فضل النبي في تلقي الوحي والتوفيق الإلهي له، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار﴾. يقول العلامة السعدي رحمه الله: "ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو الناس إليه ويرغبهم فيه في أصوله وفروعه". وهذه الآية استدل بها العلماء على أن الداعي إلى الله ينشر دعوته، يسمع الناس هذه الدعوة العظيمة كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدور بها بين القبائل، وكذلك بين المناطق حتى يقبلوا هذه الدعوة. فلهذا قال هؤلاء: "ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان". فالمناداة تعني رفع الصوت، وكذلك إشهار هذا الصوت. فهكذا الدعوة إلى الله جل وعلا. ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال: "إنني من المسلمين". فالداعي إلى الله ينشر دعوته عند الناس، وينشر دعوته حتى يسمع بها جميع الناس، وينشر الحجج التي في الكتاب والسنة حتى يدمغ بها ما يبثه أهل الباطل من باطل. والله عز وجل جعل الرسل حجة على الناس؛ لألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. فالرسل، ومنهم نبينا عليه الصلاة والسلام، أرسلهم الله عز وجل حجة على الناس، يعلمون الناس ويرشدونهم، وأيضا يبلغونهم دعوة الله. فالله عز وجل أرسل رسلا مبشرين ومنذرين. قال: "فآمنا" أي أجبناه مبادرة واستجبنا إليه. وفي هذا إخبار منهم بمنة الله عليهم، أو تبجح بنعمته، وتوسل إليه بذلك. معنى أنهم يتوسلون إلى الله عز وجل بمبادرتهم بالإيمان. وهذه من أعظم النعم أن العبد يوفق إلى الخير من أول وهله. ولهذا حفظ النبي عليه الصلاة والسلام مكانة أبي بكر رضي الله عنه بمسابقته إلى دين الله جل وعلا. في الصحيحين، في حديث أبي الدرداء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "ألا أنتم تاركون لي صاحبي؟ جئت فكذبتموني، فقال أبو بكر: صدقت، وواساني بماله ونفسه". فانظر إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: "قال أبو بكر: صدقت". معنى لم يتخلجه شك، ولم يتردد، وإنما آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام لما سمع بدعوته، صلوات الله والسلام عليه. فلهذا فهي من أعظم النعم أن يوفق العبد إلى دعوة الله جل وعلا، وإلى الخير من أول ما يسمعه. ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا. ﴿وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما وهديناهم صراطا مستقيما﴾. هذا لمن استمع الوعظ، استمع الكلام، وطبق هذا الذي سمعه من الخير. ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب﴾. فهؤلاء يتوسلون بمسارعتهم بالإيمان، وفيه التوسل بالأعمال الصالحة. وأن هذا كثيرا في القرآن هو التوسل بالأعمال الصالحة. وقد أجازه النبي عليه الصلاة والسلام، وأيضا مثل أو ذكر صلى الله عليه وسلم أحاديث في مثل هذا. ومن ذلك قصة الثلاثة الذين كانوا في الغار، وانطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا بأعمالهم الصالحة. فالتوسل بالأعمال الصالحة مشروع. وأما التوسل بالذوات، ولو كان الذات النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لم يثبت لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه أنهم كانوا يتوسلون بذاته أو بجاهه أو بحقه. وإنما كانوا يتوسلون بإيمانهم بالله، وإيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل هذه الآية: "فآمنا". "إننا سمعنا ينادي للإيمان فآمنا". "ربنا فاغفر لنا ذنوبنا". فتوسلوا بين يدي دعائهم بإيمانهم، ومسارعتهم إلى الخير وإلى دعوة الله جل وعلا، والاستجابة لها. قال: "وتبجح بنعمته وتوسل إليه بذلك أن يغفر الله عز وجل، وتوسل إليه بذلك أن يغفر ذنوبهم ويكفر سيئاتهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات". والذي من عليهم بالإيمان يمن عليهم بالأمان التام. فتوسلوا بإيمانهم بالله جل وعلا على أن يغفر الله عز وجل ذنوبهم ويكفر عنهم سيئاتهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. طيب، أيش الفرق بين مغفرة الذنوب وتكفير السيئات؟ فالعلماء يقولون: كله واحد. معنى مغفرة الذنوب وتكفير السيئات إزالة ما يكون من ذنوب عند العبد. لكن ذكر العلماء أن هناك فرقا بين مغفرة الذنوب وتكفير السيئات. وهذا أخذ من الآيات. فتكفير السيئات يكون مقابلة بالحسنات. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾. ولهذا قال: "ويكفر سيئاتهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات". فلهذا فتكفير السيئات يكون مقابل الحسنات. فهناك حسنات تكفر السيئات إذا جاء بها كفر الله عز وجل عنه سيئات. وتكفير السيئات دفنها، وكذلك إزالتها. ومغفرة الذنوب سترها. معنى أنه لم يمحها، لكن سترها. فالغفران هو ستر. ولهذا قال العلماء: إن الفرق بين العفو والغفران أن الغفران ستر، والعفو محو. عندما يعفو الله عز وجل عن الذنوب، فإنه محاها عنهم. كما تقدم معنى أن الله عز وجل عفا عن أهل أحد، عفا عنهم. معنى أنه محى ما كان عليهم، بخلاف المغفرة. المغفرة هي الستر. يستر عنهم، ولا تذكر هذه الذنوب. والمؤدى واحد، لكن من ناحية المعنى يختلف. فالعفو إزالة ومحو، والمغفرة ستر، والتكفير أيضا ستر ودفن. قال رحمه الله: وقوله جل وعلا: ﴿وتوفنا مع الأبرار﴾. قال: يتضمن هذا الدعاء التوفيق لفعل الخير وترك الشر الذي به يكون العبد من الأبرار، والاستمرار عليه والثبات إلى الممات. "وتوفنا مع الأبرار" أي إذا توفيتنا فتوفنا ونكون مع الأبرار. وهذا مثل قول الله عز وجل: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾. وأيضا قول بعض الأنبياء كما قال سليمان: ﴿توفني مسلما وألحقني بالصالحين﴾. أي أن هذا الدعاء بالحشر عند الله عز وجل مع أهل الصلاح، ومع الأبرار. الأبرار جمع بر، وهو الطائع لله جل وعلا. فلهذا يتمنى المسلم أن يكون مع أهل الصلاح يوم القيامة. فهذا نبينا الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، مع مكانته العظيمة عند ربه جل وعلا، إلا أنه كان يقول في آخر حياته قبل أن يموت، صلوات الله والسلام عليه: "مع الرفيق الأعلى". قالت عائشة كما في البخاري: قالت: كنت أسمع أن الأنبياء لا يموتون وحدهم حتى يخير. قالت: فلما احتضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان على حجري، قالت: فسمعته يقول: "مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا". قالت: فعلمت أنه يخير، فاختار الرفيق العظيم، الرفيق الأعلى. لهذا جاء أيضا في الصحيحين بلفظ: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير برأسه إلى السماء ويقول: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى". وهذا باب التخيير. معنى يخير الأنبياء في موتهم، هل يبقون في الدنيا أم يموتون؟ ولهذا جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وما عنده، فاختار ما عنده". فبكى أبو بكر وقال: "فديناك بأبائنا وأمهاتنا يا رسول الله". فقال أبو سعيد: فعجبنا لأبي بكر، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا خيره الله بين الدنيا والآخرة، فاختار ما عند الله. قال: ثم أعرفنا أن المخير هو رسول الله. وكان أبو بكر أعلمنا. معنى أبو بكر علم أن المخير هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلهذا من دعاء أهل الصلاح أن يدعو العبد الصالح أن الله عز وجل يتوفاه مع الأبرار، مع الصالحين، يكون مع الرفقة العظيمة التي ذكرها الله عز وجل: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾. فهذا من دعاء أهل الصلاح أنه يكون يوم القيامة مع هذه الرفقة العظيمة والرفيق الأعلى من الملائكة، وممن ذكرهم الله عز وجل في هذه الآية. فكان هذا التوسل العظيم بإيمانهم: "ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار". وأيضا في الآية ما يدل على أن أهل الإيمان يكونون بينهم ارتباط بالله جل وعلا ارتباطا عظيما. معنى يدعون الله عز وجل دائما، لا ينفكون عن الدعاء. فالدعاء من أعظم وأفضل العبادات التي تربط العبد بربه جل وعلا. قالت عائشة رضي الله عنها: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون الله عز وجل حتى الملح". حتى الملح. معنى إذا أرادوا ملحا سألوا الله عز وجل. وجاء في حديث آخر: "يسألونه حتى شسع نعالهم". وهذا الحديث صحيح. الشيخ الألباني يقول: "حتى شسع نعالهم". شسع يعني الشراك للنعل إذا انقطع. سأل الله عز وجل أن يعوضهم هذا الشراك أو الشسع للنعل. وهذا ارتباط بالله جل وعلا، وأن العبد يكون قلبه مرتبطا بالله في كل صغيرة وكبيرة. فإذا نزلت به نازلة أنزلها على الله عز وجل. أي حصل له شيء كرب وشدة أنزلها على الله. لم ينزلها على غيره. ثم يوفقه الله عز وجل إلى مرضاته، وإلى أيضا تفريج كربته. طيب، هذا ما يذكر في هذه الآية. والله تعالى أعلم.