كتاب التفسير من صحيح البخاري 222

كتاب التفسير من صحيح البخاري 222

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 222، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تسمية سورة الممتحنة وسبب نزولها وتفسير دعاء الفتنة

يوضح المقطع خلاف القراء في ضبط كلمة الممتحنة ويرجح أنها سُميت بالمرأة التي نزلت بسببها وهي أم كلثوم بنت عقبة. ثم يستعرض أقوال المفسرين في معنى دعاء {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} بأنه طلب ألا يُسلط الكفار على المؤمنين فيفتنوهم عن دينهم.

صبر المؤمنين تحت التعذيب والأذى في سبيل الدين

يحذر النص من تسلط الكفار على المسلمين وتعذيبهم لصدهم عن دينهم، مستعرضاً نماذج من ثبات الصحابة كخباب بن الأرت وأهل الأخدود. ويؤكد أن الصبر على الأذى والثبات على الحق من أعظم مقامات الإيمان وأعلى درجات اليقين.

صبر الصحابة تحت التعذيب وأمر مفارقة الزوجات الكافرات

يسرد المقطع معاناة بلال بن رباح وغيره من المستضعفين تحت تعذيب قريش وكيف هانت عليهم أنفسهم فرفعهم الله. كما يبين سبب نزول آية الأمر بمفارقة الزوجات الكافرات في مكة واستبدالهن بالمؤمنات المهاجرات امتثالاً لأمر الله.

تفسير آية عدم الإمساك بعصم الكوافر وتطبيق الصحابة العملي

تقرر الآية الكريمة وجوب طلاق النساء الكافرات وعدم البقاء على عقد نكاحهن بعد الهجرة والإسلام. وقد سارع الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب إلى تطبيق هذا الحكم فطلقوا زوجاتهم الكافرات وتزوجوا من المهاجرات المسلمات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله: سورة الممتحنة، ويقال: الممتحنة. أنها بالفتح بفتح الحاء وكسرها، وهذا هو المشهور بفتحها: الممتحنة. وعلى الفتح: فعلى الفتح أنها المرأة التي نزلت هذه السورة من أجلها أو بسببها. ومن كسر: فالمراد صفة السورة الممتحنة، أي صفة للسورة أنها امتحنت، عن سورة الامتحان. ومن فتحها: فالمراد به المرأة التي بسببها نزلت هذه السورة. وذكر الحافظ - والمشهور - أنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيت، وهي زوجة عبد الرحمن بن عوف. وقيل: سعيدة بنت الحارث، وقيل: أميمة بنت بشر. قال الحافظ: الأول هو المعتمد. لكن الظاهر أنه لم يصح شيء فيها، لكن أرجح الأقوال أنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيت، بنت ذلك الكافر الذي هو أشقى أو من أشقى كفار قريش. لكن الله عز وجل هدى ابنته، وكان عقبة بن أبي معيت ممن يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿ سورة الممتحنة ﴾. وقال مجاهد: «لا تجعلنا فتنة» أي: لا تعذبنا بأيديهم. ﴿ لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾. وقال قتادة: إنه قال: «لا تظهرهم علينا فيفتنوننا، يرون أنهم إنما ظهروا علينا بحقهم». أن إذا ظهروا، أي: صاروا أهل الإسلام بأيديهم، فإنهم يفتنوا أهل الإسلام ويعذبوهم. ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ﴾ أي: لا تعذبنا بأيديهم. والمراد أيضًا قول قتادة: «لا تظهرهم علينا فيفتنونا»، لا تجعل الظهور لهم، وأيضًا الهيمنة لهم، فإن وقعنا في أيديهم فإنهم يفتنوننا في ديننا أو يعذبوننا. ولهذا أهل الإسلام يدعون أن لا يجعل الله عز وجل، أو أن لا يجعلهم الله عز وجل تحت إمرة هؤلاء الكفار. ﴿ ولا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ﴾. وقال ابن عباس: أي لا تسلطهم علينا فيفتنوننا. وهذه كلها أقوال بمعنى واحد. فقول ابن عباس: «لا تسلطهم علينا» مثل قول قتادة وقول مجاهد. فالمراد أنه لا تجعل الكفار يتسلطون علينا فيفتنوننا في ديننا ويعذبون، لأن الكفار إذا تسلطوا عذبوا أهل الإسلام، فمنهم من يصبر ويتحمل الأذى والعذاب لأجل دينه، ومن الناس من لا يصبر، وقد يفتن في دينه ويرجع إلى الكفر لسبب هذا العذاب. ولهذا لما جاء الخباب بن الأرت رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو متوسد بردًا عند الكعبة، وكانوا قد لقوا - رضي الله عنه - من الأذى ما لقوا. فقال خباب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن من كان قبلكم كان يؤتى بالرجل فيحفر له الحفرة ثم يوضع فيها، ويؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فينشر فرقتين، ولا يصده ذلك عن دينه. ويؤتى بالرجل فيمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه»، أي: يأتون بالحديد ويمرونه على جسمه، «فلا يصده ذلك عن دينه»، أي: ما يرجع أبدًا. وانظر إلى قصة أهل الأخدود: حفرت لهم النار وألقوا فيها، مع أنهم حديث عهد بإسلام، أي: ما أسلموا إلا في ذلك الوقت، لكنهم صبروا وتحملوا الأذى والعذاب. فحفر لهم هذا الظالم النار، وحفر لهم الحفر، وأوقد فيها النار، وقال: من لم يرجع يقذف فيها. فقذفوا في هذه النار، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. حتى جاءت امرأة ومعها صبي رضيع، فأرادت أن تدخل هذه النار، أو هذه الحفرة التي فيها النار، فنظرت إلى صبيها وكأنها رحمته، فقال لها: «يا أماه، اتقي الله واصبري، فإنك على الحق». فألقت بنفسها في النار. وهذا من أعظم الصبر على الأذى في الله عز وجل. فلهذا كم صبر الأنبياء، وكم صبر أتباعهم الصحابة رضي الله عنهم! عذبوا وصبروا لله، وهانت عليهم أنفسهم، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كما في البخاري: لما عذبت كفار قريش أهل الإسلام - خباب، وعمار، وأمه، وأبوه، وبلال - قال: أما بلال فهانت عليه نفسه، أي: صبر لله عز وجل، ولاقى من العذاب ما لاقى رضي الله عنه، لكن صبر. يوضع في حر الشمس، وتوضع الحجارة الكبيرة على صدره، ولا يتحرك، ولا يطيعهم فيما أرادوا. مع أن الله - ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لهم أنهم يتكلمون - لكن هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل، فرفعهم الله. قال رحمه الله: قال: ﴿ فيقولون لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا ﴾. فقول هنا: قوله ﴿ لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا ﴾، أي: من العذاب والفتنة. لكن أراد أن يبين أن قولهم ﴿ لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ هو دعاء صحيح، وقد يفتن العبد كما ذكرنا. قال: قوله ﴿ بعصم الكوافر ﴾ أي: أمر أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بفراق نسائهم. كنّ كوافر بمكة. وكوافر هنا: جمع مكثر (جمع منتهى الجموع) عن الكافرات. والكوافر معناها: جمع تكسير. ﴿ بعصم الكوافر ﴾ أي: جمع كافرة، وأيضًا كافرات، أو معناها: كافرات جمع مؤنث سالم، وكوافر جمع تكسير. قال: ﴿ بعصم الكوافر ﴾ قال: أمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بفراق نسائهم، كنّ كوافر بمكة، عن كافرات. بعض الصحابة ترك زوجته في مكة لأنها لم تسلم، فتركها. فلهذا أمر الله عز وجل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقوا هؤلاء النساء، واستبدل لهم بهؤلاء المؤمنات المهاجرات، عمن أراد يتزوجهن زوجه النبي عليه الصلاة والسلام منهن. وأما الكافرات فنهاهم الله عز وجل عن إمساكهن. وهذا كله يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم جعلوا أنفسهم لله، وإلا قد يكون الرجل يحب زوجته وإن كانت كافرة، لكن أمره الله عز وجل أن يتركها، فتركوا أزواجهم الكفار أو الكافرات. فقال الله عز وجل: ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ أي: لا تتمسكوا بعصمها، أي: طلقوهن وتركوهن. فكان عمر رضي الله عنه معه امرأة كافرة، وفلان وفلان، فتركوا تلك النساء، وتزوجوا من النساء المهاجرات. فهذا معنى الآية في هذا الباب، والله تعالى أعلم.