كتاب التفسير من صحيح البخاري 271

كتاب التفسير من صحيح البخاري 271

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 271، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

منهج السلف في الرواية عن المبتدعة وتحليل أسانيد سورة المرسلات

يستعرض المحور قاعدة السلف في قبول رواية المبتدع الساكت ورد رواية الداعية، مستشهداً بخلاف الأئمة في حال راوي البخاري عبيد الله بن موسى. ثم ينتقل لتحليل إسناد حديث سورة المرسلات، مرجحاً إسناد سفيان الثوري المسلسل بالفقهاء على إسناد الأعمش، مع بيان تفضيل وكيع بن الجراح لهذا الإسناد.

نزول سورة المرسلات وقصة الحية مع النبي صلى الله عليه وسلم

يوضح المحور سبب نزول سورة المرسلات في مكة وبداية الدعوة السرية، ويسرد قصة خروج الحية على الصحابة أثناء تلاوة النبي لها، فدعا عليهم بالوقاية من شرها كما وقوا شرها. كما يذكر سياق الرواية في صحيح البخاري واختلاف الروايات في مكان النزول بين مكة ومنى.

أحكام قتل الحيات والعوامر والاستئذان في الشرع

يفصل المحور الأحكام الفقهية المتعلقة بقتل الحيات، مميزاً بين العوامر المسالمة في البيوت التي يُستأذن لها ثلاثاً قبل قتلها، وذوات الطفيتين والأبتر اللتين تُقتلان فوراً. ويختم بذكر جواز قتل الحية في الصلاة إذا خيف ضررها، مستنداً إلى السنة النبوية الصحيحة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب». حدثنا محمود، وهو ابن غيلان، قال: حدثنا عبيد الله، وهو ابن موسى الأشجعي. وقد روى عنه البخاري مباشرة، ويروي عنه أيضا بواسطة. في عبيد الله بن موسى تشيع، وقد تكلم عليه الإمام أحمد بما أنه لا يؤخذ منه؛ لأنه كان داعية. لما قيل للإمام أحمد: «لما أخذت من عبد الرزاق وتركت عبيد الله؟» قال: «كان عبيد الله بن موسى داعية يدعو إلى التشيع، لهذا تركه الإمام أحمد». وكأن البخاري لم يرَ ذلك، وكذلك خالفه ابن معين. كان ابن معين يقول: «الذي سمعنا من عبد الرزاق أكثر مما سمعنا من عبيد الله». كأنه يرى أن عبيد الله ليس بداعية، أو أن الذي جاء عنه شيء يسير، من باب التفضيل فقط. لأن عامة هؤلاء أهل الحديث، عامة من رمي بالتشيع هو تشيع التفضيل، كما قلنا: إن الرافضة ثلاثة أصناف: الغلاة (المؤلهة)، والسابة، والمفضلة. فكان عامة أهل الحديث، أو الذين روى عنهم الحديث، عامة من المفضلة. وأما السابة، فقليل أن يوجدوا في كتب العلم، لكن وجد منهم، وأخذ عنهم العلماء، لعلهم كانوا قبل أن يظهروا. مثلًا: عباد بن يعقوب الرواجني. فعباد بن يعقوب شيعي جلد، لكن كان قبل ذلك، لما روى عنه البخاري، وروى عنه أيضا جماعة كابن خزيمة وغيره، ما كان قد أظهر رفضه. ولهذا كان ابن خزيمة يقول: «حدثنا عباد بن يعقوب قبل أن يحدث ما أحدث». ثم غلا بعد ذلك في التشيع، حتى كان يأتي بالدواهي العظيمة. لهذا فقد يُعذر العلماء بأنهم لم يسمعوا منه. والقاعدة عند السلف: أنهم يأخذون من الساكت، ولو كان من أهل البدع، لكنهم إذا لم يسمعوا منه شيئا من الكلام في هذه البدعة، أو الدعوة إلى هذه البدعة، غالبا يأخذون منه الحديث. وأما إذا علموا أنه داعية، غالبا ما يأخذون عنه الحديث، إلا إذا اشتهر عنه الصدق. لهذا استنكر بعض العلماء: كيف يذكر البخاري حطان بن عمران، الذي قد شاع خروجه، وكذلك أظهر خروجه وكلامه في علي رضي الله عنه، وأثنى على عبد الرحمن بن ملجم الخبيث الذي قتل عليا رضي الله عنه؟ فهذا يدل على أنه داعية. لكن البخاري أخرج له حديثا صحيحا، وقد يكون هذا كما قلنا: أنه اشتهر عنه هذا الحديث، أو اشتهر عنه الصدق، ولم يشتهر غيره. وقد كان طالب علم قبل أن يحدث ما أحدث، بمعنى: كان يدرس ويطلب العلم، ويسأل ابن عمر، ويسأل ابن عباس، ويسأل عائشة، وغيرهم من الصحابة. لكن تزوج خارجية، فحولته إلى خارجي. تزوجها وهي امرأة من الخوارج، فأعدته بهذا الداء، داء الخروج، فصار من قادة هؤلاء الخوارج، وممن قال مثل هذا الكلام الخبيث الذي نشر عنه، وصح عنه. لكن يُقال: إنه رجع، لكن لم يشتهر ذلك الرجوع. والمهم: أن أهل التصنيف غالبا ما يتركون من غلا في البدعة، ودعا إلى البدعة، وإنما يروون عن من هو ساكت، وإن انتشرت عنه بعض الكلمات. فانتشار بعض الكلمات لا يدل على أنه داعية. الداعية: الذي يدعو الناس، ويدل على ما هو عليه. لهذا، حتى عبد الوارث بن سعيد التنوري، فكثير من أهل العلم يرون أنه ليس بداعية، ولم يتكلم في هذا الأمر، وإنما كان يجلس مع القدرية، ولم يأت عنه أنه ذكر شيئا من القدر. والمهم: أن عامة السلف، إذا رأوا الرجل داعية إلى البدعة، تركوا حديثه. وإذا رأوه ساكتا، ولا يدعو إلى هذه البدعة، فإنهم إذا رأوا الصدق منه، أخذوا حديثه. وأحيانا يختلفون، مثل ما اختلف الأئمة في هذا، في عبيد الله. فالإمام أحمد يرى أنه داعية، وابن معين يرى أنه ليس بداعية، وأن عبد الرزاق أكثر منه. فهذا الاختلاف عرض، ولا يدل على أن العلماء يسفه بعضهم بعضا، كما يحصل في بعض القضايا في هذا الزمان، أو بعض طلبة العلم، تجدهم يسفهون ذاك لأنه خالف ذاك. هذا جرح وتعديل، وهذا علم. فقد يحكم الإنسان على ما جاءه عن هذا الرجل، فيختلف العلماء في ذلك، لكن لا يؤدي ذلك إلى تباغضهم، أو كلام بعضهم في بعض. قال: حدثنا عبيد الله عن إسرائيل، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. وكان يعول على جده، ورجحه عبد الرحمن بن مهدي في جده، حتى على سفيان وشعبة. لكن أكثر العلماء على أن سفيان وشعبة أحفظ من إسرائيل ومن غيره في أبي إسحاق. حتى لما اجتمع جماعة ثلاثة: إسرائيل، وأيضا زهير، وغيرهم، اجتمعوا في حديث، خالفوا سفيان الثوري، فقال أبو حاتم رحمه الله: «سفيان أفضل من ألف من مثل هؤلاء». مع أن الرواية كانت عن أبي إسحاق السبيعي رحمه الله. لهذا فإسرائيل ثقة في جده، لكنه قد حصلت له أخطاء؛ لأنه روى عن جده بآخره، وأبو إسحاق حصل له شيء من الاختلاط في آخره. قال: عن منصور، منصور هو ابن المعتمر، أبو محمد الكوفي، كان زاهدا عابدا فقيها عالما. قال: عن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، إمام أهل الكوفة، الذي نشر علم ابن مسعود في الكوفة، وعلم السلف، وكان داعية إلى السنة، ولم يحدث الإرجاء إلا بعده. ومن نسب الإرجاء إلى إبراهيم، كما تنسبه الحنفية، فهو مخطئ. فإبراهيم بن يزيد كان إماما في السنة، وليس من المرجئة. وإنما حصل الإرجاء بعدما جلس في كرسيه حماد بن أبي سليمان، أو ابن أبي سليمان. قال: عن علقمة، وهو علقمة بن قيس النخعي. وهم من النخع، أصلهم من اليمن، من أبيا، من جيشان، وخرجوا في الفتوحات، وسكن هؤلاء الكوفة. وكان هذا البيت بيت علم: علقمة والأسود إخوة، وأيضا عبد الرحمن بن الأسود، وهو ابن أخيهم، وإبراهيم يعتبر هؤلاء أخواله. علقمة والأسود أخوال إبراهيم. وكان بيت علم. وعلقمة كان عبد الله بن مسعود يحبه كثيرا، كان فقيها. قال: عن علقمة، عن عبد الله رضي الله عنه. قال وكيع: «أيّ أسانيد أحسن؟ الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي عليه الصلاة والسلام، أم السفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؟» فقالوا له: «الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود». ومعنى رأوا أن هذا إسناد عال، إسناد عال إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فقال وكيع: «لا، هذا الإسناد، إسناد سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أفضل؛ لأن هذا الإسناد إسناد مسلسل بالفقهاء: فقيه عن فقيه عن فقيه. سفيان فقيه، عن منصور فقيه، كذلك إبراهيم وعلقمة، كلهم فقهاء. فحديث يتداوله الفقهاء، خير من حديث يتداوله المحدثون». وكما قال رحمه الله: قال عن عبد الله، وهو ابن مسعود رضي الله عنه: «أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزلت عليه المرسلات، وإنا لنتلقاها من فيه. فخرجت حية، فابتدرناها، فسبقتنا، فدخلت جحرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وقيت شركم كما وقيتم شرها، وقيت شركم كما وقيتم شرها"». فهذا الحديث يخبر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنهم كانوا بمنى. وهذا ليس في حجة الوداع، وإنما هذا كان بمكة، لما كانوا في مكة، كانوا حيارى يستخفون لأجل نزول القرآن، وحتى يعطيهم النبي عليه الصلاة والسلام القرآن. لهذا نزلت هذه السورة، والمرسلات، وهم في مكة، مختفون في ذلك الغار، فقرأها لهم النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على أن المرسلات مكية، على أن سورة المرسلات مكية، كما ذكرنا قبل، في الاختلاف عن العلماء. وهذا الحديث يدل على أنها مكية؛ لأنها نزلت وهم بمنى، قبل الهجرة. بل هذا الفعل كان في الدعوة السرية، أو أنه كان في وقت شدة الأذى، لما اشتدت قريش بأذاها، قبل أن يهاجر الناس إلى الحبشة، يهاجر الصحابة إلى الحبشة. فالمهم: أنه يدل على أن هذه السورة نزلت بمكة، وهذا هو الصحيح، كما قد ذكرنا. قال: «وإنا لنتلقاها من فيه». أي: يقرأها عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، والصحابة يحفظونها، وأيضا كذلك يعملون بها. قال: «فخرجت حية، فابتدرناها». أي: قاموا ليقتلوها، فهربت، فسبقت، فدخلت جحرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وقيت شركم كما وقيتم شرها». شركم: أي أن تقتلوها. ووقيت شرها: أي أن تلدغ أحدا منكم. وغالبا أن هذه الحيات معادية. وقد ذكر بعض العلماء الحكمة في معاداتها، فذكروا قصة: أنها أدخلت الشيطان الجنة. وهذا ليس بصحيح، ولم يأت فيه شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام. وإن كان قد ذكره بعض السلف في القصص الإسرائيلية، عند قول الله جل وعلا: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: 38]، قالوا: من جميعا؟ فقالوا: آدم وحواء، والحية التي أدخلت الشيطان في الجنة. لكن هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن قال النبي عليه الصلاة والسلام، مما يدل على شيء من هذا: خرج الحاكم وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قد عاديناها». وقال: «ما سالمناها منذ أن عاديناها». وهذا الحديث حديث حسن. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما سالمناها منذ أن عاديناها». فمتى عادينا هذه الحية؟ الله أعلم. قد يكون هذا في معنى صحيح: أنها كانت مع الشيطان، وقد تكون مع إبليس، وقد يكون شيء آخر. أقصد: من باب معادة الحية للإنسان. فالحية عدو للإنسان منذ أن عرف الإنسان الحية. فقد يكون هذا المعنى، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله وغيره. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما سالمناها منذ أن عاديناها، منذ أن عاديناها». فبين الإنسان وبين الحيات معادة. فهي إذا وجدت الفرصة لدغت، والإنسان كذلك إذا وجد فرصة فيها قتلها. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحيات، إلا العوامر، فإنه أمر بإنذارها. ولهذا جاء في الصحيحين: أن ابن عمر رأى حية، فكان يتابعها، فرآه لبابة بن المنذر، وقال له: «يا أبا عبد الرحمن، ما تفعل؟» قال: «هذه حية كنت أتابعها». قال: «ما سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: اقتلوا الحيات؟» أو قال: «لا تقتلوا العوامر، إلا ذا الطفيتين والأبتر». ذا الطفيتين: الأبيض الذي فيه خطوط سود، أو الأسود الذي فيه خطوط بيض. فهذا من أشرس الحيات، وشر الحيات، وهو يلدغ بسرعة. فهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله. وكذلك الأبتر: الأبتر الصغير، الذي مثل الشبر، الذي يكون بدون ذيل، تراه كأنه بدون ذيل. فهذا الأبتر أيضا حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه، وأمر بقتله، ولو كان في البيت. وأما العوامر التي تكون في البيت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئذانها، كما جاء ذلك في صحيح مسلم، في قصة الرجل، أو الشاب الفتى، الذي قتل حية، فمات قبل أن تموت. القصة التي حصلت في الأحزاب، أو أيام الأحزاب، في حديث أبي سعيد في مسلم. قال: «خرج فتى، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد عرس قريبا، كان عرسه قريبا، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له. فلما جاء إلى بيته، وجد امرأته خارج البيت، خرجت من البيت، وجلست عند الباب. فلما رآها، أخذ حربته، معنى غيرة، وأراد أن يوجهها إليها، معنى: لماذا تخرج خارج البيت، يراها الناس؟ فأخذ حربته. والظاهر كأنها كانت ليس عليها حجابها. فقالت: لا تمهل، وانظر ما في الغرفة، وكذا. فدخل هذا الشاب، فوجد حية ملوية على فراشه، فابتدرها بالرمح، فقتلها. قال أبو سعيد: فما دري، أو قال: فما درينا، الحية ماتت قبله، أو الشاب مات قبلها، أو كأنهما ماتا معا». لما بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، قال بعد ذلك: «إن هذه البيوت فيها عوامر، والعوامر هم الجن الذين أسلموا، يعمرون البيوت». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه البيوت فيها عوامر، فإذا رأى أحدكم حية، فليستعدنها ثلاثا، فإن ذهبت، وإلا فليقتلها». يستعدنها ثلاثا، وجاء: ثلاثة أيام. فاستعدنها ثلاثا. لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ معين في الاستئذان، لكن جاء أنه يقول، مثلا عن بعض السلف، أنه يقول: «اذكروا العهد الذي بيننا وبينكم». أو يقول: معنى كأنه يعاهد جن. أو معنى العهد: هو عهد الإسلام. لأن هذا العامر مسلم، الغلب أن العامر يكون مسلما. لهذا يذكر العهد الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين الجن، أي: كأنه بين أهل الإسلام من الجن. فالمهم: أنه يحذرها، لأنه لم يأت لفظ معين. يحذرها أن تخرج من بيته، ثم يفعل ذلك ثلاثا. فإن لم تفعل، ولم تخرج، ورآها بعد ذلك، فله أن يقتلها. سواء كان ثلاث مرات، أو ثلاثة أيام. المهم: أنه يحذرها. إن رآها حذرها أول مرة، وإن رآها مرة أخرى حذرها، وإن رآها ثالثة حذرها. لكن اختلف العلماء: إذا كان الرجل يصلي في بيته، ورأى الحية أمامه، هل يقتلها أم يحذرها وهو في الصلاة؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب». فهل يقتلها أو يتركها؟ فقال كثير من أهل العلم: إنه يقتلها، إذا كانت قد جاءت إلى مكانه، إلى مكان الصلاة، فهي تريد أن تلدغه. لكن إذا رآها في السقف، أو بعيدا عنه، فهذا يصلي. أو مثلا: إن كان خاف أنها تسقط عليه، وكذا، يبتعد من المكان الذي هي فوقه. فإن أتم صلاته، حذرها وأنذرها، فإن لم تذهب قتلها. فإن لم تذهب قتلها. فهذا شيء مما يذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الحيات. وهنا ذكرها النبي، فقال: «وقيت شركم كما وقيتم شرها». فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب». حدثنا محمود، وهو ابن غيلان، قال: حدثنا عبيد الله، وهو ابن موسى الأشجعي. وقد روى عنه البخاري مباشرة، ويروي عنه أيضا بواسطة. في عبيد الله بن موسى تشيع، وقد تكلم عليه الإمام أحمد بما أنه لا يؤخذ منه؛ لأنه كان داعية. لما قيل للإمام أحمد: «لما أخذت من عبد الرزاق وتركت عبيد الله؟» قال: «كان عبيد الله بن موسى داعية يدعو إلى التشيع، لهذا تركه الإمام أحمد». وكأن البخاري لم يرَ ذلك، وكذلك خالفه ابن معين. كان ابن معين يقول: «الذي سمعنا من عبد الرزاق أكثر مما سمعنا من عبيد الله». كأنه يرى أن عبيد الله ليس بداعية، أو أن الذي جاء عنه شيء يسير، من باب التفضيل فقط. لأن عامة هؤلاء أهل الحديث، عامة من رمي بالتشيع هو تشيع التفضيل، كما قلنا: إن الرافضة ثلاثة أصناف: الغلاة (المؤلهة)، والسابة، والمفضلة. فكان عامة أهل الحديث، أو الذين روى عنهم الحديث، عامة من المفضلة. وأما السابة، فقليل أن يوجدوا في كتب العلم، لكن وجد منهم، وأخذ عنهم العلماء، لعلهم كانوا قبل أن يظهروا. مثلًا: عباد بن يعقوب الرواجني. فعباد بن يعقوب شيعي جلد، لكن كان قبل ذلك، لما روى عنه البخاري، وروى عنه أيضا جماعة كابن خزيمة وغيره، ما كان قد أظهر رفضه. لهذا كان ابن خزيمة يقول: «حدثنا عباد بن يعقوب قبل أن يحدث ما أحدث». ثم غلا بعد ذلك في التشيع، حتى كان يأتي بالدواهي العظيمة. لهذا فقد يُعذر العلماء بأنهم لم يسمعوا منه. والقاعدة عند السلف: أنهم يأخذون من الساكت، ولو كان من أهل البدع، لكنهم إذا لم يسمعوا منه شيئا من الكلام في هذه البدعة، أو الدعوة إلى هذه البدعة، غالبا يأخذون منه الحديث. وأما إذا علموا أنه داعية، غالبا ما يأخذون عنه الحديث، إلا إذا اشتهر عنه الصدق. لهذا استنكر بعض العلماء: كيف يذكر البخاري حطان بن عمران، الذي قد شاع خروجه، وكذلك أظهر خروجه وكلامه في علي رضي الله عنه، وأثنى على عبد الرحمن بن ملجم الخبيث الذي قتل عليا رضي الله عنه؟ فهذا يدل على أنه داعية. لكن البخاري أخرج له حديثا صحيحا، وقد يكون هذا كما قلنا: أنه اشتهر عنه هذا الحديث، أو اشتهر عنه الصدق، ولم يشتهر غيره. وقد كان طالب علم قبل أن يحدث ما أحدث، بمعنى: كان يدرس ويطلب العلم، ويسأل ابن عمر، ويسأل ابن عباس، ويسأل عائشة، وغيرهم من الصحابة. لكن تزوج خارجية، فحولته إلى خارجي. تزوجها وهي امرأة من الخوارج، فأعدته بهذا الداء، داء الخروج، فصار من قادة هؤلاء الخوارج، وممن قال مثل هذا الكلام الخبيث الذي نشر عنه، وصح عنه. لكن يُقال: إنه رجع، لكن لم يشتهر ذلك الرجوع. والمهم: أن أهل التصنيف غالبا ما يتركون من غلا في البدعة، ودعا إلى البدعة، وإنما يروون عن من هو ساكت، وإن انتشرت عنه بعض الكلمات. فانتشار بعض الكلمات لا يدل على أنه داعية. الداعية: الذي يدعو الناس، ويدل على ما هو عليه. لهذا، حتى عبد الوارث بن سعيد التنوري، فكثير من أهل العلم يرون أنه ليس بداعية، ولم يتكلم في هذا الأمر، وإنما كان يجلس مع القدرية، ولم يأت عنه أنه ذكر شيئا من القدر. والمهم: أن عامة السلف، إذا رأوا الرجل داعية إلى البدعة، تركوا حديثه. وإذا رأوه ساكتا، ولا يدعو إلى هذه البدعة، فإنهم إذا رأوا الصدق منه، أخذوا حديثه. وأحيانا يختلفون، مثل ما اختلف الأئمة في هذا، في عبيد الله. فالإمام أحمد يرى أنه داعية، وابن معين يرى أنه ليس بداعية، وأن عبد الرزاق أكثر منه. فهذا الاختلاف عرض، ولا يدل على أن العلماء يسفه بعضهم بعضا، كما يحصل في بعض القضايا في هذا الزمان، أو بعض طلبة العلم، تجدهم يسفهون ذاك لأنه خالف ذاك. هذا جرح وتعديل، وهذا علم. فقد يحكم الإنسان على ما جاءه عن هذا الرجل، فيختلف العلماء في ذلك، لكن لا يؤدي ذلك إلى تباغضهم، أو كلام بعضهم في بعض. قال: حدثنا عبيد الله عن إسرائيل، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. وكان يعول على جده، ورجحه عبد الرحمن بن مهدي في جده، حتى على سفيان وشعبة. لكن أكثر العلماء على أن سفيان وشعبة أحفظ من إسرائيل ومن غيره في أبي إسحاق. حتى لما اجتمع جماعة ثلاثة: إسرائيل، وأيضا زهير، وغيرهم، اجتمعوا في حديث، خالفوا سفيان الثوري، فقال أبو حاتم رحمه الله: «سفيان أفضل من ألف من مثل هؤلاء». مع أن الرواية كانت عن أبي إسحاق السبيعي رحمه الله. لهذا فإسرائيل ثقة في جده، لكنه قد حصلت له أخطاء؛ لأنه روى عن جده بآخره، وأبو إسحاق حصل له شيء من الاختلاط في آخره. قال: عن منصور، منصور هو ابن المعتمر، أبو محمد الكوفي، كان زاهدا عابدا فقيها عالما. قال: عن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، إمام أهل الكوفة، الذي نشر علم ابن مسعود في الكوفة، وعلم السلف، وكان داعية إلى السنة، ولم يحدث الإرجاء إلا بعده. ومن نسب الإرجاء إلى إبراهيم، كما تنسبه الحنفية، فهو مخطئ. فإبراهيم بن يزيد كان إماما في السنة، وليس من المرجئة. وإنما حصل الإرجاء بعدما جلس في كرسيه حماد بن أبي سليمان، أو ابن أبي سليمان. قال: عن علقمة، وهو علقمة بن قيس النخعي. وهم من النخع، أصلهم من اليمن، من أبيا، من جيشان، وخرجوا في الفتوحات، وسكن هؤلاء الكوفة. وكان هذا البيت بيت علم: علقمة والأسود إخوة، وأيضا عبد الرحمن بن الأسود، وهو ابن أخيهم، وإبراهيم يعتبر هؤلاء أخواله. علقمة والأسود أخوال إبراهيم. وكان بيت علم. وعلقمة كان عبد الله بن مسعود يحبه كثيرا، كان فقيها. قال: عن علقمة، عن عبد الله رضي الله عنه. قال وكيع: «أيّ أسانيد أحسن؟ الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي عليه الصلاة والسلام، أم السفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؟» فقالوا له: «الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود». ومعنى رأوا أن هذا إسناد عال، إسناد عال إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فقال وكيع: «لا، هذا الإسناد، إسناد سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أفضل؛ لأن هذا الإسناد إسناد مسلسل بالفقهاء: فقيه عن فقيه عن فقيه. سفيان فقيه، عن منصور فقيه، كذلك إبراهيم وعلقمة، كلهم فقهاء. فحديث يتداوله الفقهاء، خير من حديث يتداوله المحدثون». وكما قال رحمه الله: قال عن عبد الله، وهو ابن مسعود رضي الله عنه: «أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزلت عليه المرسلات، وإنا لنتلقاها من فيه. فخرجت حية، فابتدرناها، فسبقتنا، فدخلت جحرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وقيت شركم كما وقيتم شرها، وقيت شركم كما وقيتم شرها"». فهذا الحديث يخبر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنهم كانوا بمنى. وهذا ليس في حجة الوداع، وإنما هذا كان بمكة، لما كانوا في مكة، كانوا حيارى يستخفون لأجل نزول القرآن، وحتى يعطيهم النبي عليه الصلاة والسلام القرآن. لهذا نزلت هذه السورة، والمرسلات، وهم في مكة، مختفون في ذلك الغار، فقرأها لهم النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على أن المرسلات مكية، على أن سورة المرسلات مكية، كما ذكرنا قبل، في الاختلاف عن العلماء. وهذا الحديث يدل على أنها مكية؛ لأنها نزلت وهم بمنى، قبل الهجرة. بل هذا الفعل كان في الدعوة السرية، أو أنه كان في وقت شدة الأذى، لما اشتدت قريش بأذاها، قبل أن يهاجر الناس إلى الحبشة، يهاجر الصحابة إلى الحبشة. فالمهم: أنه يدل على أن هذه السورة نزلت بمكة، وهذا هو الصحيح، كما قد ذكرنا. قال: «وإنا لنتلقاها من فيه». أي: يقرأها عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، والصحابة يحفظونها، وأيضا كذلك يعملون بها. قال: «فخرجت حية، فابتدرناها». أي: قاموا ليقتلوها، فهربت، فسبقت، فدخلت جحرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وقيت شركم كما وقيتم شرها». شركم: أي أن تقتلوها. ووقيت شرها: أي أن تلدغ أحدا منكم. وغالبا أن هذه الحيات معادية. وقد ذكر بعض العلماء الحكمة في معاداتها، فذكروا قصة: أنها أدخلت الشيطان الجنة. وهذا ليس بصحيح، ولم يأت فيه شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام. وإن كان قد ذكره بعض السلف في القصص الإسرائيلية، عند قول الله جل وعلا: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: 38]، قالوا: من جميعا؟ فقالوا: آدم وحواء، والحية التي أدخلت الشيطان في الجنة. لكن هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن قال النبي عليه الصلاة والسلام، مما يدل على شيء من هذا: خرج الحاكم وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قد عاديناها». وقال: «ما سالمناها منذ أن عاديناها». وهذا الحديث حديث حسن. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما سالمناها منذ أن عاديناها». فمتى عادينا هذه الحية؟ الله أعلم. قد يكون هذا في معنى صحيح: أنها كانت مع الشيطان، وقد تكون مع إبليس، وقد يكون شيء آخر. أقصد: من باب معادة الحية للإنسان. فالحية عدو للإنسان منذ أن عرف الإنسان الحية. فقد يكون هذا المعنى، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله وغيره. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما سالمناها منذ أن عاديناها، منذ أن عاديناها». فبين الإنسان وبين الحيات معادة. فهي إذا وجدت الفرصة لدغت، والإنسان كذلك إذا وجد فرصة فيها قتلها. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحيات، إلا العوامر، فإنه أمر بإنذارها. ولهذا جاء في الصحيحين: أن ابن عمر رأى حية، فكان يتابعها، فرآه لبابة بن المنذر، وقال له: «يا أبا عبد الرحمن، ما تفعل؟» قال: «هذه حية كنت أتابعها». قال: «ما سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: اقتلوا الحيات؟» أو قال: «لا تقتلوا العوامر، إلا ذا الطفيتين والأبتر». ذا الطفيتين: الأبيض الذي فيه خطوط سود، أو الأسود الذي فيه خطوط بيض. فهذا من أشرس الحيات، وشر الحيات، وهو يلدغ بسرعة. فهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله. وكذلك الأبتر: الأبتر الصغير، الذي مثل الشبر، الذي يكون بدون ذيل، تراه كأنه بدون ذيل. فهذا الأبتر أيضا حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه، وأمر بقتله، ولو كان في البيت. وأما العوامر التي تكون في البيت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئذانها، كما جاء ذلك في صحيح مسلم، في قصة الرجل، أو الشاب الفتى، الذي قتل حية، فمات قبل أن تموت. القصة التي حصلت في الأحزاب، أو أيام الأحزاب، في حديث أبي سعيد في مسلم. قال: «خرج فتى، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد عرس قريبا، كان عرسه قريبا، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له. فلما جاء إلى بيته، وجد امرأته خارج البيت، خرجت من البيت، وجلست عند الباب. فلما رآها، أخذ حربته، معنى غيرة، وأراد أن يوجهها إليها، معنى: لماذا تخرج خارج البيت، يراها الناس؟ فأخذ حربته. والظاهر كأنها كانت ليس عليها حجابها. فقالت: لا تمهل، وانظر ما في الغرفة، وكذا. فدخل هذا الشاب، فوجد حية ملوية على فراشه، فابتدرها بالرمح، فقتلها. قال أبو سعيد: فما دري، أو قال: فما درينا، الحية ماتت قبله، أو الشاب مات قبلها، أو كأنهما ماتا معا». لما بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، قال بعد ذلك: «إن هذه البيوت فيها عوامر، والعوامر هم الجن الذين أسلموا، يعمرون البيوت». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه البيوت فيها عوامر، فإذا رأى أحدكم حية، فليستعدنها ثلاثا، فإن ذهبت، وإلا فليقتلها». يستعدنها ثلاثا، وجاء: ثلاثة أيام. فاستعدنها ثلاثا. لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ معين في الاستئذان، لكن جاء أنه يقول، مثلا عن بعض السلف، أنه يقول: «اذكروا العهد الذي بيننا وبينكم». أو يقول: معنى كأنه يعاهد جن. أو معنى العهد: هو عهد الإسلام. لأن هذا العامر مسلم، الغلب أن العامر يكون مسلما. لهذا يذكر العهد الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين الجن، أي: كأنه بين أهل الإسلام من الجن. فالمهم: أنه يحذرها، لأنه لم يأت لفظ معين. يحذرها أن تخرج من بيته، ثم يفعل ذلك ثلاثا. فإن لم تفعل، ولم تخرج، ورآها بعد ذلك، فله أن يقتلها. سواء كان ثلاث مرات، أو ثلاثة أيام. المهم: أنه يحذرها. إن رآها حذرها أول مرة، وإن رآها مرة أخرى حذرها، وإن رآها ثالثة حذرها. لكن اختلف العلماء: إذا كان الرجل يصلي في بيته، ورأى الحية أمامه، هل يقتلها أم يحذرها وهو في الصلاة؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب». فهل يقتلها أو يتركها؟ فقال كثير من أهل العلم: إنه يقتلها، إذا كانت قد جاءت إلى مكانه، إلى مكان الصلاة، فهي تريد أن تلدغه. لكن إذا رآها في السقف، أو بعيدا عنه، فهذا يصلي. أو مثلا: إن كان خاف أنها تسقط عليه، وكذا، يبتعد من المكان الذي هي فوقه. فإن أتم صلاته، حذرها وأنذرها، فإن لم تذهب قتلها. فإن لم تذهب قتلها. فهذا شيء مما يذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الحيات. وهنا ذكرها النبي، فقال: «وقيت شركم كما وقيتم شرها». فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.