الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 288، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع تفسير سورة الأعلى مبيناً أنها مكية، ويشرح معنى "سبح" كتنزيه الله عن النقص، ويرجح أن التسبيح أفضل من الحمد لاشتماله عليه. كما يفسر قوله تعالى "قدر فهدى" بتقدير الله للأقدار وهداية الخلائق لفطرها ومصالحها.
يشرح المقطع مفهوم التوكل الحقيقي على الله مستشهداً بحديث الطير التي تغدو جائعة وتروح شبعانة، ثم يسرد رواية البراء بن عازب عن وصول مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وغيرهما من الصحابة إلى المدينة قبل النبي صلى الله عليه وسلم لتعليم القرآن، ويستدل بتعلم البراء سورة "سبح اسم ربك الأعلى" قبل قدوم النبي على كونها مكية النزول.
يبين المقطع أن قصة خروج نساء المدينة وصبيانها يستقبلون النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة «طلع البدر علينا» وضرب الدفوف لا تصح سنداً، إذ هي مرسلة عن موسى بن أبي عائشة وزاد فيها الغزالي ما ليس في أصلها، كما أنكرها ابن القيم لخطأ جغرافي في ذكر ثنيات الوداع. والصحيح الثابت أن الناس خرجوا ينظرون إليه فقط، وروي عن عبد الله بن سلام ويهودي أعلن قدومه.
الرواية التي تذكر خروجهم يغنون غير ثابتة، والصحيح أن الناس قالوا: «هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء»، كما ورد في الحديث، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: قال البخاري رحمه الله تعالى: «سورة سبح اسم ربك الأعلى»، أي ما جاء في تفسير هذه السورة. وهذه السورة أكثر أهل العلم على أنها مكية، وجاء عن ابن عباس أن بعضها مدنية، وهي قوله جل وعلا: ﴿ فذكر اسم ربه فصلى ﴾، قالوا: هذه مدنية، وبعضهم يقول أنها كلها مدنية، لكن الصحيح أنها مكية كما سيأتي في حديث البراء، فيدل على أنها مكية نزلت بمكة. وتسمى «سبح اسم ربك الأعلى» كما ذكر هنا، وتسمى في المصاحف «سورة الأعلى»، «سورة الأعلى». وجاء في حديث عائشة عند الترمذي وأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر في الركعة الأولى بـ «سبح»، سماها سبح. وقال مجاهد: «قدر فهدى». وقول هنا: «سبح»، هذه الكلمة من الكلمات التي لا تطلق إلا على رب العزة سبحانه وتعالى، فـ «سبحان الله». فقول: «سبح»، أي: نزه الله عز وجل عن كل نقص وعيب، ووصفه بالكمال جل وعلا، فلذلك هذه الكلمة غالباً ما تطلق إلا على الله، سبحان الله، ولهذا فهي من الكلمات العظيمة التي هي أفضل الكلام كما جاء في الحديث. واختلف العلماء: هل التسبيح أفضل أم الحمد؟ وأكثر العلماء على أن التسبيح أفضل من الحمد، لكثرة التسبيح في القرآن وكذلك في السنة، ففي الأدعية تجد التسبيح أكثر من الحمد، ولأن التسبيح أيضاً يشتمل على الحمد، فالحمد هو الثناء على الله عز وجل بما يليق بجلاله وعظمته، والثناء على العظيم سبحانه وتعالى، والتسبيح تنزيه عن النقص والعيب فهو أيضاً داخل في الثناء والحمد، فلذلك فـ «الحمد لله» يدخل معناها في التسبيح، في «سبحان الله»، فلذلك فهي أعظم من الحمد. قال: وكان معظم السلف إذا قرأ «سبح اسم ربك الأعلى» يقول: «سبحان الله»، وأخرجه الترمذي أيضاً والنسائي مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، حديث ابن عباس وغيره، لكنه لا يصح، لكن صح عن جماعة من الصحابة، وهو داخل في تسبيح النبي عليه الصلاة والسلام العام في الصلوات إذا مر بآية تسبيح سبح، كما جاء في حديث: «وإذا مر بآية سؤال سأل»، فقال: ﴿ فسبح اسم ربك الأعلى ﴾، أي: الأمر بالتسبيح. قال: وقال مجاهد: «قدر فهدى»، قدر للإنسان الشقاء والسعادة، قال: «وهدى الأنعام لمراتعها». وهذه من باب التفسير بجزء من المعنى، وهو كثيراً ما يأتي عن السلف، أو كثيراً ما يأتي عن السلف أنهم يفسرون الآية بجزء من المعنى، وإلا فقوله جل وعلا: ﴿ قدر ﴾، فهذا ليس المراد فقط الإنسان، بل كل شيء قدره الله عز وجل في هذا الكون، فقدر، وأعظم التقدير أن قدر ما يكون للإنسان من كتب رزقه وأجله وعمله، شقي أو سعيد، كما جاء في الصحيحين، فأيضاً كذلك قدر كل أفعال الخلائق التي تحصل في الكون، فهو من تقدير الله جل وعلا. قال: ﴿ قدر فهدى ﴾، أي: فهدى الإنسان إلى طبعه، وإلى عادته، وإلى أيضاً كذلك ما يكون فيه صلاحه، فهدى الطفل الصغير الذي لا يعرف شيئاً هداه إلى أن يرضع من أمه، وكذلك أيضاً هدى الحيوانات إلى مراتعها وأماكنها، وأيضاً هدى الأم سواء كان من الإنس أو من الحيوانات إلى رحمتها بولدها، كما في حديث الرحمة، حتى أنك تجد الدابة لترفع حافرها خشية أن تدوس ولدها، فكل ذلك من هدي الله عز وجل، ومن هدى الرب سبحانه وتعالى لهذه الخلائق، هداها لطبيعتها، وكذلك لما فيه مصلحتها، فتجد أن كل إنسان أو حيوان خلقه الله عز وجل في هذا الكون يعرف كيف يعيش، كيف يأكل، وكيف أيضاً يتسبب لرزقه، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً». هذه الطير بأنواعها وأشكالها إذا جاء الصباح غدت إلى طعامها وإلى شرابها، تغدو خماصاً جائعة، وتروح بطاناً قد ملأت بطونها من الطعام والشراب، وهذا كله من هدي الله عز وجل لهذه المخلوقات، فلذلك فقوله جل وعلا: ﴿ قدر فهدى ﴾، أي: قدر ما يكون في هذا الكون، وهدى كل أحد وكل حيوان إلى ما يكون فيه صلاح أو ما يكون فيه عيش. رحمه الله، حدثنا عبدان، وهو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، قال: أخبرني أبي عثمان بن جبلة، قال: حدثنا شعبة، وابن الحجاج، عن أبي إسحاق، وهو عمر بن عبد الله السبيعي الهمداني، قال: عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، والبراء يعتبر من صغار الصحابة الذين أسلموا صغاراً، وأسلم أبوه كذلك. قال: عن البراء رضي الله عنه قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، أولهم مصعب، ثم ابن أم مكتوم. أولا: النبي صلى الله عليه وسلم أرسل مع الأنصار مصعباً يعلمهم ويقرئهم القرآن، ثم أرسل معه بعد ذلك على إثره ابن أم مكتوم، وكان أيضاً من حفاظ القرآن. قال: فجعل يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، وسعد بن أبي وقاص. قال: ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، أي في عشرين رجلاً، جاءوا وجلسوا في قباء، وصلوا، وكان إمامهم سالم مولى أبي حذيفة، كما في البخاري في رواية أخرى: لما جاءوا إلى قباء صلى بهم سالم مولى أبي حذيفة. لكن حصل خطأ في الحديث، فقال: «وكان في القوم أبو بكر وعمر»، فأبو بكر لم يأت في ذلك الوقت، وإنما جاء مع النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كان عمر رضي الله عنه في أولئك العشرين. وهل خرجوا معاً في مكة؟ الظاهر أنهم لم يخرجوا معاً، لكن التقوا في الطريق، أو تواعد بعضهم، فذكر عمر رضي الله عنه أنه تواعد هو وهشام بن العاص، وكذلك معهم عيّاش، فأما هشام ففتن وتأخر، لكنه بعد ذلك رجع أو هاجر بعد ذلك وجاء إلى المدينة. قال: وهشام أسلم قبل أخيه عمر، هشام أخو عمرو بن العاص. قال: ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، أي بالنبي عليه الصلاة والسلام، قال: حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: «هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء». فما جاء حتى قرأت «سبح اسم ربك الأعلى» في سور مثلها. وبعض من قال أن هذا في المدينة استدل بقوله: «هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، قالوا: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لم تشرع إلا في المدينة، لكن هذا خطأ، لأن هذه الصلاة قد يكون ليست من البراء، ليس البراء الذي قال: «هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وإنما قد يكون من أحد الرواة، أو من البخاري رحمة الله عليه. فهذا الحديث يدل على أن «سبح» نزلت في مكة، لأن البراء تعلمها من مصعب بن عمير، تعلمها من مصعب بن عمير، ولما جاء مصعب لم تكن هناك سور نزلت بعد، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأت في ذلك الوقت، وإنما جاء بعده، فهنا البراء يقول: «فما جاء»، أي: النبي عليه الصلاة والسلام، حتى قرأت «سبح اسم ربك الأعلى» في سور مثلها، على أن قد تعلمها قبل أن يأتي النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على أن هذه السورة نزلت في مكة، وهذا إسناد صحيح، بهذا أن إسناد صحيح، أو استدلال صحيح على أن سورة «سبح اسم ربك الأعلى» مكية. وقول هنا رضي الله عنه: «حتى رأيت الولائد والصبيان»، الولائد هي الجوار، البنات الصغار، وكذلك قد يكون البنات الشابات. قال: «حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء». وهذا يدل على أنه لم يثبت أنهم خرجوا يطبلون، أو كذا، مثل ما ذكرها الغزالي، وأنهم خرجوا يقولون: «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع»، وغيرها، هذه القصيدة المشهورة، فهذه لم يأت لها إسناد صحيح إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما ذكرها موسى بن أبي عائشة، وهو من أتباع التابعين، من أتباع التابعين، فهي مرسلة أو معضلة. قال: هو الذي قال أن الولائد وغيرهم نزل، وذكر القصة الغزالي، وزاد فيها أنهم ضربوا بالدفوف. وفي كلام موسى بن أبي عائشة ليس فيه الضرب بالدفوف، لكن ذكرها الغزالي في الإحياء، ولا يدرى من أين جاء بذلك، واشتهرت على هذا، وذكروها في فيلم الرسالة الذي بثوه في مصر، وهو فيلم ليست في حقائق صحيحة، والظاهر أنهم أخذوا من بعض الكتب التي هي غير معتمدة، وبعض كتب الشيعة كذلك. المهم أن هذه القصة لم تثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنهم نزلوا يقولون هذا. ومن ذلك أيضاً أن الإمام ابن القيم رحمه الله أنكرها أيضاً من ناحية المعنى، فهم يقولون: «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع»، وثنيات الوداع إنما هي من طريق الشام، أن الذي جاء من طريق الشام يمر على ثنيات الوداع، وأما من يأتي من مكة فلا يمر عليها لأنها خلف، كيف سيمر عليها؟ حتى لو أن النبي صلى الله عليه وسلم مر طريقاً آخر، وقد مر طريق الساحل عليه الصلاة والسلام، أن طريق جدة ورابغ وغيرها، أن طريق الساحل، لكن أيضاً طريق الساحل ما تمر إلى ثنيات الوداع، فلذلك قال الإمام ابن القيم: وهذا خطأ أيضاً. قد يكون هذا معنى على صحة هذه الرواية، أنهم استقبلوه وقالوا هذا عندما جاء من تبوك، عندما جاء من تبوك، وهذه آخر غزوة غزاها النبي عليه الصلاة والسلام، هذا إذا صح على كلام القيم، وإلا كما قلنا لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام لا في الهجرة ولا أيضاً في مجيئه من تبوك. لكن الإمام ابن قيم ذكره تضعيفاً لما جاء في الهجرة، أن ثنيات الوداع إنما هي من طريق الذي يأتي من طريق الشام، فهم قالوا معنا على الرواية: «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع»، فقد يكون هذا موجوداً، أو كان هذا الشعر موجوداً، لكن خروج الناس والتطبيل ليس كذلك. صحيح أنهم خرجوا ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما جاء ذلك في صحيح مسلم أنهم خرجوا ينظرون النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في السيرة بإسناد صحيحة، وهو أيضاً في سنن أبي داود أن عبد الله بن سلام قال: رأيت الناس ينظرون لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفت أنه ليس وجه كذب. وأيضاً في السيرة أنه لما اجتمع الناس ينتظرون النبي عليه الصلاة والسلام صعد رجل يهودي إلى نخلة طويلة، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبه، فقال: «يا بني قيلة»، بن قيلة الأنصار، قال: «يا بني قيلة»، وهي جدته، فقال: «قد جاء صاحبكم». ثم ظهر النبي عليه الصلاة والسلام ومعه الصديق ومالك بن فهيرة، وجلس بعد ذلك في قباء، ثم تحول إلى المدينة. فرواية أنهم خرجوا يغنون لم تثبت، لكن هنا قال: «يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء»، فهذا ما يذكر في هذا الحديث، الله تعالى أعلم.