كتاب النكاح من صحيح البخاري 128

كتاب النكاح من صحيح البخاري 128

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 128، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم الطواف على الزوجات في ليلة واحدة وآدابه

يوضح المقطع حديث سليمان عليه السلام الذي نوى الطواف على مئة امرأة ونسي الاستثناء، فيبين النبي صلى الله عليه وسلم أن قول «إن شاء الله» كان يمنع الحنث. ويستخلص جواز إتيان الرجل زوجاته في ليلة واحدة مع مراعاة العدل والابتداء بمن حقها الليلة واستئذان غيرها.

قوة النبي ﷺ ودور أزواجه في نشر العلم

أعطي النبي صلى الله عليه وسلم قوة مئة رجل لحكمة تبليغ الدعوة بين النساء عبر أزواجه، اللواتي أصبحن مرجعاً للرجال والنساء في الأحكام الشرعية. وأجمع العلماء على تحريم الزواج بأكثر من أربع زوجات لهذه الأمة بخلاف الأنبياء الذين أُبيح لهم الزيادة.

حكم الاستثناء بـ «إن شاء الله» في الأيمان

يروي المقطع قصة سليمان الذي حلف ليطوف على مئة امرأة دون استثناء فحنث، ويبين النبي صلى الله عليه وسلم أن لو قال «إن شاء الله» لم يحنث. ويستعرض أقوال العلماء بأن الاستثناء بـ «إن شاء الله» يسقط الكفارة مستدلين بالآية والآثار.

دليل «إن شاء الله» على خلق الله لأفعال العباد

يستدل الحديث بقوله «إن شاء الله» على مذهب أهل السنة في أن أفعال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله تعالى. كما يشير المقطع إلى تفصيل سابق في مسألة جواز قول الرجل لا أطوف الليلة على نسائي أو أطوف عليهن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال المصنف رحمه الله تعالى: الإمام البخاري، باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائه. وجاء في بعض النسخ: على نسائه. قال: حدثني محمود، وهو ابن غيلان المروزي، إمام وحافظ من حفاظ أهل الحديث. قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني أبو بكر. قال: أخبرنا معمر، وهو ابن راشد أبو عروة، نزيل اليمن. قال: عن ابن قاوس، وهو عبد الله بن قاوس اليماني. قال: عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذا حديث إسناده يمني إلا محمود ابن غيلان، وهذا من أسانيد أهل اليمن الصحيحة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال سليمان ابن داود عليهما السلام: «لأطوفن الليلة بمئة امرأة، تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله». فقال له الملك: «قل: إن شاء الله». فلم يقل، ونسي، فأطاف بهن، فلم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان أرجى لحاجته». فهذا الحديث في قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائه، أي: هل يجوز هذا أن الرجل يطوف على نسائه؟ فالذي عليه العلم أنه لا يجوز أن يجمع الرجل جماعة زوجاته في غسل واحد، فإذا أراد أن يطوف عليهن، ومعه مثلا ثلاث زوجات، فكل واحدة يأتيها ثم يغتسل ويأتي الأخرى. وهذا الحديث فيه جواز الطواف، أو الإتيان بأكثر من امرأة في ليلة واحدة، وقد جاء ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه فعل ذلك. وهنا: إذا كان أدناها له من كانت عندها الليلة، إذا أدنت له، فيبتدئ القسم من عندها، ثم بعد ذلك يذهب إلى زوجاته الأخرى ويأتيهن. وأما ما فعله نبي الله سليمان، فهذا قد يكون في شريعته، وأما في هذه الشريعة فلابد من أن يقسم بين النساء ويعدل بينهم، ويعدل بينهم. فإذا كان عند امرأة أو ليلتها، لابد أن يستأذنها، يستأذنها أنه سيأتي بعض أزواجه. وهذا إذا بدأ بها، أو إذا كان مثلا قدم من سفر ولا يدري من يقسم، فلا بأس أن يقسم على نسائه كلهن، والمهم أنه يعدل بين النساء. وفي هذا الحديث: ما كان عليه نبي الله سليمان مما أعطاه الله عز وجل قدرة عظيمة في الجماع. وقد ثبت أيضا في السنن وغيرها أن النبي عليه الصلاة والسلام أيضا قد أعطي قوة مئة رجل، أعطاهم الله، أعطاهم الله عز وجل، أعطى أنبياءه قوة في ذلك. وهذا حكمة من الله جل وعلا؛ لأن الأنبياء يحتاجون إلى نشر الدعوة بين النساء، ولا يكون هذا إلا بالنساء، فلذلك انتشرت الدعوة في المدينة وفي غيرها بسبب أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. وغالبا تأتي المرأة تريد أن تسأل، تذهب إلى عائشة أو أم سلمة. بل ليس النساء فقط، بل حتى الرجال كانوا يسألون عن بعض أشياء عن النبي عليه الصلاة والسلام، خاصة الأشياء التي يفعلها في بيته، وكنا أزواجه هن أعلم الناس بذلك. ولهذا عمر رضي الله عنه، مع علمه ومع مخالطته للنبي عليه الصلاة والسلام، إلا أنه في المسائل التي لا تعرفها إلا النساء يرجع إليهن. وقد جاء في صحيح مسلم أن الصحابة اختلفوا في مجلس عمر في مسألة: الرجل يأتي زوجته ويجامعها ثم يكسل، أن يكسل أي لا ينزل، فهل يقتسل أو لا يقتسل؟ فقال بعضهم: إنه يقتسل، وبعضهم قال: لا، لا يقتسل. فأرسل عمر رضي الله عنه أبا موسى الأشعري إلى عائشة رضي الله تعالى عنها يسألها عن ذلك. وجاء في رواية أنه سأل عائشة وأم سلمة، فقالت له: «سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل». فرجع أبو موسى فأخبر عمر ومن معه، فقال عمر رضي الله عنه: «القول هذا القول، من قال خلافه جعلته نكالة». معنى يقول: معنى اعتمد كلام عائشة رضي الله عنها، وعلى أن هذا القول هو الصحيح، ومن قال غير ذلك فهو مخطئ، وعلى أنه سيعاقبه لو أن إنسانا قال مثل هذا. فلذلك انتشرت الدعوة في النساء وغير ذلك، فلعل من هذا السبيل أو حكم أخرى لا يعلمها إلا الله، فأعطى الله عز وجل هذه القوة لأنبيائه، وأجاز لهم أن يتزوجوا أكثر من أربع. وأما في هذه الأمة فلا يجوز للرجل أن يتزوج أكثر من أربع. إن الله عز وجل أجاز إلى الأربع: مثنى وثلاث ورباع. وقد اتفق العلماء على أن هذا الأسلوب هو أسلوب حصر، أن إذا أردتم أن تتزوجوا، فتنكحوا مثنى وثلاث ورباع، ولا تتزوجوا فوق ذلك. ولهذا ذكر كثير من العلماء إجماع العلماء على أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج فوق الأربع. وقد جاء أن غيلان رجلا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج، أسلم وهو عنده عشر نسوة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار أربعا. أيضا في هذا الحديث: قوله: «لا أطوفن»، «لا أطوفن على مئة امرأة». وجاء في رواية: سبعين، لكن رواية الصحيح: مئة. وفي رواية أنه ألف، لكنه لا يصح، فالصحيح أنه مئة امرأة. والمعنى بالطواف هو الإتيان إليها، الإتيان إليها. وقول هنا: «قل: إن شاء الله». قال له الملك: «قل: إن شاء الله». وقد يكون نبي الله كما قال هنا، فلم يقل، ونسي، نسي أن يقول: إن شاء الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو قال: إن شاء الله، لم يحنث». أي: لم يخلف قوله، لأن الحنث هو خلف القول، يحلف على شيء على شيء سيفعله ثم لا يفعله، هذا حنث. وهو حلف على شيء أنه لا يفعله وفعله، فقال: لم يحنث، أي لم يخالف قوله الذي قال. وقد استدل بهذا الحديث جمهور أهل العلم على أن من حلف يمينا ثم استثنى في اليمين، فإنها لا كفارة فيها. وذكر حديثا أيضا عن ابن عمر في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف يمينا فقال في حلفه: إن شاء الله، لم يحنث». لكن الصحيح أن هذا اللفظ ليس صحيحا، وهو شاذ، وإنما أصل الحديث هذا حديث سليمان بن داود، وليس أنه قال: من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث، إنما أخذ من هذا الحديث. وبهذا استدل جمهور أهل العلم، كالشافعي وأحمد ومالك وأبي حنيفة، على أن من حلف على يمين ثم قال: إن شاء الله، حتى لو كان بعد سكوت خفيف، فقال: إن شاء الله، لم يحنث، أي لم تكن عليه كفارة، ولو خالف. وخالف في هذا مالك. وأيضا هذا الاستثناء هو من الواجبات التي ينبغي للمسلم إذا أراد أن يعمل عملا في المستقبل أن يقدم هذه الكلمة، يقول: إن شاء الله، أو بإذن الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾. هذا أدب من أدب الله عز وجل به عباده، ليرد الأمر إليه، ويبرأ من الحول والقوة إلا به. وأيضا في هذا الحديث في قوله: إن شاء الله، فيه دليل على مذهب أهل السنة في قولهم: أن أفعال العباد من الخير والشر هي من خلق الله تعالى، هي من خلق الله تعالى. فخلاصة المسألة هنا: هل يجوز لرجل أن يقول: لا أطوف الليلة على نسائه، أو يطوف على نسائه؟ فذكرنا التفصيل في هذه المسألة، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر