الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 347، ألقاها
يتناول شرح حديث أبي هريرة حول ضرورة البدء بالسلام قبل الاستئذان، ويبين أن الاستئذان غير السلام. كما يشير إلى أحاديث أخرى حول جواز فَقْء عين من ينظر بدون إذن.
يشرح حديث النبي حول جواز فقع عين من ينظر إلى داخل البيت بدون إذن، واستدلال العلماء بذلك على عدم مسؤولية من فقعت عينه عن الدية أو القصاص.
يروي قصة استئذان النبي على سعد بن عبادة ثلاث مرات ولم يؤذن له، ويبين سعد أنه سمع سلام النبي ورد عليه بصوت منخفض، مما يدل على أهمية الالتزام بآداب الاستئذان.
يشرح كيفية التعامل عند السلام والاستئذان ثلاث مرات دون إجابة، حيث يُسمح بالانصراف بعد المحاولة الثالثة دون لوم على صاحب البيت، ويُظهر أهمية الالتزام بهذه الآداب.
أحسن الله إليك وبارك فيك. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله: باب الاستئذان غير السلام. قال حدثنا بيان، قال حدثنا يزيد، قال حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم، قال: لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام. والأثر صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال: وحدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم، قال: سمعت عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا دخل ولم يقل السلام عليكم، فقل له: لا، حتى يأتي بالمفتاح السلام. وهذا أيضا صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهما متقاربان في المعنى. فهذا الأثر عن أبي هريرة رضي الله عنه فيمن يستأذن قبل أن يسلم، يعني يقول: أدخل، يستأذن بالدخول قبل أن يقول: السلام عليكم. قال أبو هريرة رضي الله عنه: لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام، يعني أولا يسلم ثم يستأذن، يقول: السلام عليكم، أدخل. فإن أذن له دخل، وإن لم يؤذن له لم يدخل، لكن يبدأ بالسلام قبل الاستئذان. وهكذا في قوله: لا حتى يأتي بالمفتاح، يعني لا يؤذن له حتى يأتي بمفتاح الدخول، وهو السلام. فأولا يسلم ثم يستأذن. وقد ثبت ذلك مرفوعا للنبي عليه الصلاة والسلام، وسيأتي ذكر ذلك في الأحاديث التي ستأتي. ووجه الشاهد من هذا الأثر واضح، أن الاستئذان غير السلام، فأولا يسلم ثم يستأذن. قال: باب إذا نظر بغير إذن تُفقأ عينه، يعني إذا نظر إنسان من غير أن يستأذن، فيجوز أن تُفقأ عينه؛ لأنه يكون بذلك متعديا. قال حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة «لو اطلع رجل في بيتك فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ جُنَاح». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. قالوا: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله، عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي، فاطلع رجل في بيته، فأخذ سهما من كنانته، فسدد نحو عينيه. والحديث صحيح، وهو أيضا في الصحيحين. هذان الحديثان ذكرهما الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب، وتبوب عليه بقوله: باب إذا نظر بغير إذن تُفقأ عينه، يعني يجوز لصاحب البيت أن يفقأ عين هذا الناظر الذي لم يؤذن له. وهذا كما قلنا؛ لأنه يعتبر متعديا، فيتكشف من النساء، وكذلك أيضا من فيها من الذرية. فأجاز الشرع أن تُفقأ عينه عقوبة له. وفي حديث أبي هريرة: «لو اطلع رجل في بيتك فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح»، أي ما كان عليك إثم. والمعنى أن إصابته بذلك وذهاب عينه هدر، ليس فيها شيء. وفي حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قائما يصلي، فاطلع رجل في بيته، أي في بيت النبي عليه الصلاة والسلام، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته، فسدد نحو عينيه؛ لأجل أن يعاقبه بتعديه ونظره في البيت. وبهذا القول قال الشافعي رحمه الله: إنه لا دية ولا قصاص إذا فقعت عين الناظر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أذن بذلك. وذهب بعض أهل العلم، كالمالكية، إلى أنه ليس فيه شيء، وأنه لا يؤاخذ بذلك، وأن هذا من باب الزجر، من باب الزجر والمبالغة بذلك. لكن الصحيح على ظاهر الحديث: أنه يجوز أن يعاقبه بذلك، فإن فعل ذلك فلا شيء عليه، وعين هذا الناظر هدر، ليس فيها شيء، لا دية ولا قصاص. وهل ينذره قبل أن يرميه بالحصى مثلا أو بما في يده من حديدة؟ فيه وجهان للشافعية. والصحيح أنه له أن يرميه مباشرة من غير إنذار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين لم ينذر هذا الناظر، بل أذن عليه الصلاة والسلام بفقع عينه مباشرة. فدل على ذلك. وبهذا قال الإمام النووي رحمه الله أيضا: إنه إذا فقعت عينه فلا ضمان. قال: باب الاستئذان من أجل النظر. قال حدثنا عبد الله بن صالح، وكاتب الليث، قال: حدثنا الليث وابن سعد، قال: حدثني ابن شهاب - واسمه محمد بن مسلم، ويقال له الزهري - أن سهلا بن سعد أخبره: أن رجلا اطلع من جحر في باب النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر». والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وهذا فيه أيضا ما مر ذكره من جواز فقع عين الناظر الذي لم يؤذن له في الدخول. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو أعلم أنك تنتظرني لطعنت به في عينك». ثم قال صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر»، يعني من أجل عدم النظر إلى من في البيت. قال: وحدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا الفزاري، عن حميد الطويل، عن أنس، قال: اطلع رجل من خلل في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فسدد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص - وهو نصل عريض السهم - فأخرج الرجل رأسه. والحديث صحيح. هذا الرجل اطلع من خلل، يعني فتحة أو فجوة في حجرة النبي عليه الصلاة والسلام. والبيوت القديمة أو بعض البيوت في القرى يتعمدون جعل الفتحات لأجل دخول الهواء؛ لأنه ربما ليس عندهم كهرباء ولا مراوح حتى يدخل الهواء. فما يأتي الإنسان وينظر إلى من داخل هذه الحجرة. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما رأى هذا الرجل اطلع من خلل في حجرة النبي عليه الصلاة والسلام، سدد إليه بهذا المشقص، فأخرج الرجل رأسه، يعني رجع. وهذا فيه ما مر من الأحاديث السابقة في بيان حرمة هذا الفعل، وأنه لا يجوز أن يطلع الرجل على من في البيوت من النوافذ أو الأبواب أو غيرها من الفجوات والفتحات التي تكون في البيت. وأن من فعل ذلك فهو مرتكب لمحرم، ويجوز لصاحب البيت أن يفقأ عينه ولا شيء عليه. قال: باب إذا سلم الرجل على الرجل في بيته. قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، أن عبيد بن عمير أخبره، عن أبي موسى، قال: استأذنت على عمر فلم يؤذن لي، فأدبرت، فأرسل إلي، فقال: يا عبد الله، اشتد عليك أن تحتبس على بابي؟ قال: عبد الله، عبد الله، عبد الله. قال: فخرجت حتى أتيت نفرا من الأنصار جلوسا في المسجد، فسألتهم، فقالوا: أو يشك في هذا أحد؟ يعني فيما قال أبو موسى. فأخبرتهم ما قال عمر، فقالوا: لا يقوم معك إلا أصغرنا. فقام معي أبو سعيد الخدري، قال: فقالا: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد سعد بن عبادة، حتى أتاه، فسلم، فلم يؤذن له. يعني أتى سعد بن عبادة فاستأذن النبي عليه الصلاة والسلام، فسلم، فلم يؤذن له. ثم سلم الثانية، ثم الثالثة، فلم يؤذن له. سلم ثلاث مرات عليه الصلاة والسلام، فلم يؤذن له. قال: فقضينا ما علينا. أي النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قضينا ما علينا، يعني استأذن ثلاثا فلم يؤذن لنا، نذهب. قال: ثم رجع، فأدركه سعد، أي سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما سلمت من مرة إلا وأنا أسمع وأرد عليك، لكن بصوت منخفض ما يسمعه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ولكن أحببت أن تكثر من السلام علي وعلى أهل بيتي، يعني أراد أن يتبرك بسلام النبي صلى الله عليه وسلم، وينال دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم. فقال أبو موسى: والله إن كنت لأمينا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني يقول لعمر: ما كنت لأكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أمين على حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: أجل، أحببت أن أستثبت، يعني أتأكد وتثبت. وإلا فهو لا يكذبه، ولكن أراد رضي الله تعالى عنه زيادة الاطمئنان. وهذا الحديث مر معنا في الأبواب السابقة في قصة استئذان أبي موسى على عمر رضي الله تعالى عنه، وذكر شيء من فوائدها. وهنا فيه زيادة ما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام في استئذانه من سعد بن عبادة ثلاثا، فلم يأذن له رضي الله تعالى عنه؛ لأجل ماذا؟ أن تناله بركة سلام النبي عليه الصلاة والسلام عليه وعلى أهل بيته. وإلا كان يسمع السلام ويرد بصوت منخفض. وعلم من هذا الحديث: أن الرجل إذا سلم ثلاثا أو استأذن ثلاثا فلم يؤذن له، طبعا يسلم ويستأذن، لم يؤذن له، رجع بعد الثالثة، يذهب، يذهب. وليس عليه شيء، ولا يكون في نفسه شيء على صاحب البيت. صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.