التعليقات على كتاب الأدب المفرد 176

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 176، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

استعاذة النبي من الصفات الذميمة

ذكر الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من الكسل والجبن والهرم والبخل، ومعنى الاستعاذة هو اللجوء والاعتصام إلى الله من شر هذه الأشياء. كان يستعيذ بالله منها ليحظى بالنشاط والشجاعة والصحة.

أهمية الاستعاذة من الكسل وسوء الكبر

كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ من الكسل وسوء الكبر والبخل لما في هذه الصفات من أخلاق ذميمة وتأثيرات سلبية على العبادات والطاعات. استعاذته من هذه الأمور تدل على كمال خلقه وحرصه على الطاعات واجتناب الرذائل.

التحلي بالأخلاق الحسنة

يجب على المسلم أن يستعيذ بالله من الصفات الذميمة ليتحلى بالأخلاق الحسنة، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام أكمل الناس خلقا. ينبغي للمسلم أن يتخلص من الصفات السيئة ليتصف بأحسن الصفات وأكملها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا أبو معمر، وهو القطيع إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الوارث وابن عيينة، وابن سعيد، ابن ذكوان العنبري، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ، يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من البخل». هذا الحديث صحيح، وقد صححه شيخ الألباني رحمه الله، وأصله في الصحيحين. وفي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من هذه الأشياء الأربعة. ومعنى الاستعاذة هي طلب العوذ، ومعنى العوذ هو اللجوء والاعتصام إلى الله سبحانه وتعالى من شر كل ذي شر. فقول قولك «أعوذ بالله» أي ألتجئ وأعتصم بالله سبحانه وتعالى أن يدفع عني شر هذه الأشياء. والكسل هو ترك الشيء مع القدرة عليه، ترك الشيء مع القدرة على عمله. والفرق بين الكسل والعجز أن العجز عن الشيء عدم القدرة على فعله، وأما الكسل فهو قادر على فعله لكنه يترك فعله تكاسلا. والكسل من الأخلاق الذميمة التي ينبغي أن يستعيذ منها المسلم، أن يستعيذ بالله سبحانه وتعالى منها؛ لأن الكسل سبب لوقوع النفس في ترك الخير، وعدم الرغبة في فعل الخيرات مع قدرته عليها بسبب كسله. فهو قادر مثلا على أن يصل لله سبحانه وتعالى ما شاء وأحب من النوافل، لكنه يتركها كسلا. وهكذا قل في سائر أبواب الخير من ذكر الله سبحانه وتعالى، وقراءة القرآن، وهكذا الجد والاجتهاد في طلب العلم؛ فإنه لو اتصف بصفة الكسل لفاته خير عظيم، وذهب من وقته الكثير بغير فائدة بسبب كسله وتخاذله في فعل الخير. فلذا يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من الكسل حتى يرزقه الله سبحانه وتعالى النشاط والهمة، وكذلك الجد والاجتهاد في فعل الخير. وهكذا أيضا كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ من الجبن، والجبن ضد الشجاعة، وهو حصول الضعف والخور في القلب، وعدم الإقدام في فعل ما ينبغي أن يفعله. وهو كذلك من الصفات الذميمة التي ينبغي أن يستعيذ منها المسلم، وأن يكون متصفا بصفة الشجاعة والإقدام؛ وذلك أنه إن كان متصفا بصفة الجبن فربما كان ذلك سببا في تقصيره في فعل ما يجب أن يفعله، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن هذا يحتاج إلى شجاعة حتى يقدم على إنكار المنكر وعلى الأمر بالمعروف. وهكذا الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى؛ فإنه كذلك يحتاج إلى شجاعة وإقدام. وهكذا أيضا نصر المظلوم عن ظلمه أو ممن ظلمه، وأخذ الحق له. وهكذا أيضا نصر المظلوم، وذلك بمنعه من الظلم، وغير ذلك؛ كل ذلك يحتاج إلى شجاعة. وهكذا أيضا كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من الهرم، والهرم هو أن يبلغ الإنسان مبلغا من العمر تضعف فيه حواسه. وهو معنى استعاذة النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث الأخرى من أن يرد إلى أرذل العمر. كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله سبحانه وتعالى أن يرد إلى أرذل العمر، كما جاء في الصحيح من حديث عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنه. وكذا أيضا ما جاء في الصحيح في أذكار الصباح والمساء أنه كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر». وسبب ذلك أن الإنسان إذا كبر في السن وصار هرما فإنه يصيبه الخرف، ويخف عقله، فربما يحصل منه ابتداء الجنون من ذهاب العقل واختلاله. وهكذا أيضا ضعف الحواس: السمع والبصر، وهكذا المشي. وهكذا أيضا ربما لا يضبط نفسه، فتصدر منه أفعال ربما تصدر من صغار السن بسبب كبر السن. وهكذا قلة الفهم، وهكذا أيضا العجز عن فعل كثير من الطاعات بسبب كبر السن، كما ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله. فكل ذلك وغيره مما قد يحصل بسبب الهرم؛ فلذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من الهرم. وهكذا أيضا في هذا الحديث كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من البخل، والبخل ضد الكرم، وهو الإمساك عما ينبغي أن ينفق فيه. فالبخل من صفات كذلك الذميمة؛ لأنه سببا لتقصيره فيما يجب عليه من حقوق من إنفاق المال مما أوجبه الله سبحانه وتعالى، سواء كان من زكاة المال أو من الإنفاق ممن يجب عليه الإنفاق عليه كالأولاد والزوجة والأهل والأقارب، وهكذا ممن تجب نفقته عليه. وهكذا كذلك أيضا يجعله متصفا بهذا الوصف الذميم، فلا يكون متخلقا بخلق الكرم الذي هو من الأخلاق الحميدة؛ فلذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من خلق البخل. وهذه الأمور التي استعاذ منها النبي عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لكمال خلقه عليه الصلاة والسلام؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام من أنشط الناس في العبادات والطاعات، فهو الذي كان يقوم الليل عليه الصلاة والسلام حتى تتفطر قدماه. وهو عليه الصلاة والسلام كذلك كان من أجود الناس، وكان من أكرم الناس. وكان عليه الصلاة والسلام كذلك من أكمل الناس خلقا وصفات عليه الصلاة والسلام. وكذا ينبغي أن يكون المسلم؛ أنه يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من مثل هذه الصفات الذميمة، وغيرها مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام الاستعاذة منها؛ حتى تكمل أخلاقه وتكمل كذلك صفاته، ويتصف بأحسن الصفات وأكمل الصفات التي ينبغي أن يكون عليها المسلم. والله تعالى أعلم.