التعليقات على كتاب الأدب المفرد 226

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 226، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعاء النبي وأهمية تعليمه لأصحابه

كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه دعاءً معينًا يتضمن الاستعاذة من عدة فتن وعذاب، ويبين المقطع أهمية هذا الدعاء وعظيم حرص النبي على تعليم أصحابه وتعليم أمته. هذا الدعاء يشمل الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المسيح الدجال وغيرها.

كيفية صلاة النبي في الليل وبيان أحكامها

يروي عبد الله بن عباس كيف بات عند خالته ميمونة زوج النبي عليه الصلاة والسلام، ويصف كيفية صلاة النبي في الليل وعدد ركعاتها، ويبين بعض أحكام الصلاة وآدابها. كان النبي يصلي إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة في الليل.

دعاء النبي بالنور في صلاته الليلية

دعا النبي صلى الله عليه وسلم الله أن يجعل له نورا في قلبه وسمعه وأعضاءه المختلفة، وهذا النور يشمل النور المعنوي في الدنيا والنور الحسي يوم القيامة. كان النبي ينام بعد ركعتين خفيفتين ثم يصلي الفجر بدون وضوء جديد.

تتمة الدعاء بنور الإيمان في جميع الجوانب

المقطع يتضمن دعاءً إلى الله تعالى بأن يمنح الداعي نورًا شاملاً في جميع جوانب حياته، وأن يعظم له هذا النور. الداعي يسأل الله أن يجعل له نورًا في قلبه وسمعه وبصره وفي جميع الاتجاهات المحيطة به.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا إبراهيم المنذر قال حدثنا بكر بن سليم الصواف قال حدثني حميد بن زياد الخراط عن كريب بن مولى ابن عباس قال حدثنا ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا هذا الدعاء كما يعلمنا السورة من القرآن: «أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة القبر». الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وفي هذا الحديث يخبر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، وهذا فيه بيان عظم هذا الدعاء، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه لأصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن. وفيه كذلك عظيم حرص النبي عليه الصلاة والسلام على تعليم أصحابه وتعليم أمته وهدايتهم، فلهذا كان يعلمهم عليه الصلاة والسلام القرآن، وهكذا كذلك كان يعلمهم الدعاء كما يعلمهم القرآن. هذا الدعاء فيه الاستعاذة من هذه الأمور المذكورة في الحديث، والاستعاذة طلب العوذ، وهو طلب دفع الشر. فكان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة القبر. وفي هذا الحديث إثبات عذاب النار خلافا لمن أنكرهم من أهل البدع، وقد دلت عليه أدلة الكتاب والسنة وإجماع العلماء. وهكذا كذلك عذاب القبر، وهكذا فتنة المسيح الدجال، وفتنة المحيا والممات، وفتنة القبر. قال رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله وهو من المديني، قال حدثنا محمد وهو عبد الرحمن إمام من أئمة الجرح والتعديل، عن سفيان بن عيينة، عن سلمة بن كهيل، عن كريب، عن ابن عباس قال: بيت عند ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأتى حاجته. قوله: بيت عند ميمونة، ميمونة بنت الحارث زوج النبي عليه الصلاة والسلام، وحدى أمهات المؤمنين. قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأتى حاجته، فغسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام فأتى القربة فأطلق شناقها، ثم توضأ وضوءا بين وضوءين لم يكثر وقد أبلغ، فصلى. فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أتبعه، وتوضأت. فقام يصلي، فقمت عند يساره، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه. فتمت صلاته ثلاث عشرة ركعة. ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ. فآذنه بلال بالصلاة، فصلى ولم يتوضأ. وكان في دعائه: «اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، وأعظم لي نورا». قال كريب: وسبعا في التابوت -يعني في الصندوق- فلقيت رجلا من ولد العباس فحدثني بهن، فذكر عصبي ولحمي ودمي وشعري وبشري، وذكر خصلة أخرى. والحديث كذلك صحيح، وهو في الصحيحين. وفي هذا الحديث كذلك يخبر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه بات عند خالته ميمونة زوج النبي عليه الصلاة والسلام، وكان هذا في ليلتها التي كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه جواز أن يبيت الغلام الصغير عند محارمه، ولو مع وجود زوجها إذا كان في ذلك مصلحة. فعبد الله بن عباس كان من الحريصين على العلم. قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأتى حاجته، فغسل وجهه ويديه، ثم نام. وبهذا كذلك التأدب في الكلام، وأنه ينبغي للمسلم إذا تكلم أن يكون في كلامه الأدب إذا ذكر شيئا مما يستقبح فإنه يكني بعبارة تدل على المقصود. وهذا من الأدب، فعبد الله بن عباس كنى عن قضاء النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته. قال: ثم قام فأتى القربة فأطلق شناقها -يعني رباطها- ثم توضأ وضوءا خفيفا لم يكثر من استعمال الماء وقد أبلغ في إسباغ الوضوء. قال: فصلى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم كل ليلة، يقوم كل ليلة، طوعا لله عز وجل، وأمره بذلك بقوله: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل كل ليلة حتى كان ذلك من خصائصه عليه الصلاة والسلام وجوب قيام الليل عليه. قال عبد الله بن عباس: فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أتبعه، وتوضأت. فقام يصلي، فقمت عند يساره، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه. وفي هذا بيان أن مقام المأموم عند الإمام إذا كان منفردا أن يقف عن يمينه. وكذلك أيضا فيه أنه لو وقف عن يساره فإن صلاته لا تبطل، وهذا قول جمهور أهل العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن عباس باستئناف الصلاة، وإنما أداره وأوقفه عن يمينه. قال: فتمت صلاته ثلاث عشرة ركعة. وكان هذا هو عادة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل، أنه يصلي ثلاث عشرة ركعة أو أحد عشرة ركعة كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على أحد عشرة ركعة». وقول ابن عباس هنا: ثلاث عشرة ركعة، أي مع ركعتين افتتاح الصلاة؛ فإن من السنة في صلاة الليل أن تستفتح الصلاة بركعتين خفيفتين. قال: ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ. فآذنه بلال بالصلاة، فصلى ولم يتوضأ. وهذا يدل على أن نومه ذلك كان بعد ركعتين الفجر. وقوله: فآذنه بلال بالصلاة، يعني أعلمه بوقت الصلاة. فصلى ولم يتوضأ، أي صلى النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه قد نام، والنبي صلى الله عليه وسلم كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه. وكان في دعائه: «اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، وأعظم لي نورا». فدعا النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء أن الله جل وعلا يجعل في قلبه نورا، وفي سمعه، وعن يمينه، وعن يساره، ومن فوقه، ومن تحته، ومن أمامه، ومن خلفه، وأن يعظم له نورا. وهذا النور وما يكون في قلب المؤمن من الإيمان والهداية والاستقامة، وكذلك انشراح القلب والصدر للهدى الذي جاء به عليه الصلاة والسلام. وهذا النور المعنوي، وكذلك النور الحسي الذي يكون للمسلم يوم القيامة؛ فإن المؤمن يجعل الله سبحانه وتعالى له نورا يستضيء به. فالنور المعنوي كما قال الله جل وعلا: ﴿أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾. فهذا نور الإيمان والعلم والهدى والتقوى الذي يجعله الله سبحانه وتعالى للعبد في الدنيا. فإذا جعل الله عز وجل له هذا النور سددا في أفعاله وفي أقواله وفي سائر أعماله؛ لأنه يسير على نور من الله سبحانه وتعالى. وهكذا النور الحسي الذي يكون له يوم القيامة كما قال الله جل وعلا: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم﴾. هذا النور نورا حسيا يجعله الله سبحانه وتعالى للمؤمن يوم القيامة يستضيء به. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لنا نورا في قلوبنا وأسماعنا وأبصارنا، وعن أيماننا وشمائلنا، ومن فوقنا وتحتنا، وعن يميننا وخلفنا، وأن يعظم لنا نورا، إنه على ذلك والقادر عليه.