التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 8

الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعظيم شعائر الله والحج

يشرح تعظيم الكعبة المشرفة في قلوب المؤمنين وكساها جلالا وعظمة وجمالا. كما يشير إلى توجه الحجاج إلى عرفة رجاء رحمة الله ومغفرته.

أهمية الوقوف بعرفة

الوقوف بعرفة هو أعظم أركان الحج، ومن فاته هذا الوقوف فاته الحج. الحجاج يرجون رحمة ومغفرة من الله عز وجل في هذا اليوم العظيم.

مشهد الحج وتذكير بيوم القيامة

يصف مشهد الحج كتذكير بيوم القيامة، حيث يجتمع الناس من مختلف الأصول والهيئات. هذا المشهد يثير العبرة والبكاء عند التفكر في يوم القيامة.

التوجه إلى الله والصلاة على النبي

يبدأ بالتوجه إلى الله سبحانه وتعالى ثم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر تعبيرًا عن الإيمان والتقوى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علامة أهل القيم رحمه الله في قصيدته الميمية: «كساه من الإجلال أعظم حلة، عليها طراز بالملاحة معلم». وطراز معنى الهيئة، يعني أن البيت الحرام والكعبة عليها من الهيئة والحسن والجمال ما زادها تعظيما في قلوب أهل الإيمان. قال: «فمن أجل ذا كل القلوب تحبه، وتخضع إجلالا له وتعظمه». قال علامة أهل القيم رحمه الله -يعني رحمه الله- أن الله تعالى كسى هذا البيت جلالا وعظمة وخفة في النفوس، فيجد فيه الإنسان من الجمال والجلال والملاحة التي تكسب الجمال رونقا ما يزداد به شوقه إليه. وقوله «بالملاحة» إنما أتى بهذا اللفظ لأنه ليس كل جميل يكون مليحا، فإن الجمال إذا فقدت منه الملاحة لم يكن هو الشيء المطلوب، والملاحة إذا كانت مع شيء فيه نقص في الجمال زادته بهاء، فهذا البيت يجمع بين الجمال والملاحة، فأعطي بذلك المعنى من الحسن أكمله، فهو جميل، وهذا الجمال كذلك مقرون بالملاحة، فالزاد بذلك جمالا وحسنا. قال: «وراحوا إلى التعريف يرجون رحمة ومغفرة ممن يجود ويكرم». قال رحمه الله: قوله «وراحوا إلى التعريف» طوى المؤلف رحمه الله هنا ذكر المبيت بمزدلفة، لأن أول أعمال الحاج أنه يبيت بمزدلفة في اليوم الثامن من ذي الحجة، الذي هو يوم التروية، فلم يذكر ذلك وانتقل إلى الوقوف بعرفة. قال: «فوراحوا إلى التعريف»، وذلك لأن الأصل والمقصود هو الوقوف بعرفة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة». والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، من حديث عبد الرحمن بن يعمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج عرفة»، يعني أعظم أركان الحج الوقوف بعرفة، فيكاد أن ينص على أن ينحصر الحج بعرفة، فالوقوف بعرفة أعظم أركان الحج، لهذا من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج، من فاته الوقوف بعرفة ولم يقف في نهار اليوم التاسع من ذي الحجة أو في ليله حتى طلع الفجر يوم النحر، فقد فاته الحج، فدل هذا على عظم هذا الركن. قال: وقوله «يرجون رحمة ومغفرة ممن يجود ويكرم» أي يرجون رحمة ومغفرة من الله عز وجل الذي يجود بالخير ويكرم أولياءه، والله عز وجل من الأكرمين سبحانه وتعالى، فمن ذهب إلى الحج وأدى مناسكه فهو يريد بذلك مغفرة الله جل وعلا ورحمته. قال رحمه الله: «فلله ذاك الموقف الأعظم الذي كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم». قوله «كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم» أي أن موقف يوم العرض أعظم بلا شك، لأنه يجمع الأولين والآخرين والمؤمنين والكافرين والآدميين وغير الآدميين، وأما موقف الحج فهو لا يجمع إلا من حج فقط، وهم طائفة قليلة بالنسبة لموقف العرض، فلذلك كان موقف العرض أعظم وأشد وأكبر وأهيب. ومع ذلك فموقف الناس في الحج يذكر العبد بذلك الموقف العظيم الذي يجمع الله عز وجل فيه الأولين والآخرين، حين يرى الناس في ذلك الموقف العظيم قد اجتمعوا من كل بقاع الأرض، يلبسون لباسا واحدا، ويلبون تلبية واحدة، ويؤدون المناسك، ويعني يدخلون ويخرجون، فيذكره ذلك بذلك الموقف العظيم. قال: «ولكنه في الحقيقة مشهد مصغر لمشهد يوم العرض»، فتجد فيه الناس أنواعا شتى، مختلفين في هيئاتهم وأجسامهم وألوانهم وأحوالهم وألسنتهم وأعمالهم وقلوبهم، فهذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أحمر، وهذا طويل، وهذا قصير، وهذا يتكلم بلهجة، وهذاك يتكلم بلهجة أخرى، وهكذا الناس على أنواع. قالوا: هذا يذهب، وهذا يجيء، وهذا ساكن، وهذا متحرك، فكأنك وأنت تشاهد هذا تذكر يوم القيامة، ولا سيما عند الانصراف، فإنك تشهد هؤلاء الناس كأنهم جراد منتشر، وكالفراش المبثوث، كما قال الله عز وجل: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾، أي الجراد الذي، الفراش الذي قد بث وترك لينتشر ويذهب ويتفرق، وهكذا حال الناس يوم القيامة، فسبحان الله العظيم. فأنت عندما تشاهد هذا تخنقك العبرة، ولا تستطيع أن تملك نفسك حتى تبكي، وتقول: فكيف بالموقف العظيم والذي مقداره خمسون ألف سنة، والذي قال الله فيه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾، وقال أيضا: ﴿وَصِلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾، أي قبيلته التي كان يؤوي إليها في الدنيا، فهو يفر منها يوم القيامة، فيكون في ذلك الموقف في الحج تذكيرا للعبد بذلك الموقف العظيم يوم العرض على الله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.