الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول الفصل الفروق بين رمي الشخص بالزنا أو الكفر أو الفسوق من حيث العقوبة، وكذلك الفروق بين الذبح والصيد وطرق حل الصيد. يُوضح أن رمي الشخص بالزنا يستوجب حد القذف بينما رميه بالكفر أو الفسوق يستوجب التعزير.
يتناول الفصل الفروق بين القاضي والمفتي، حيث يبين أن القاضي يلزم بقوله بينما المفتي يبين الحكم ولا يلزم به. كما يشرح أحكام الشهادة والقضاء مثل عدم قبول شهادة القريب لقريبه أو العدو على عدوه.
يتناول الفصل الفروق بين القضاء والإفتاء، حيث يبين أن حكم القاضي يرفع الخلاف بينما إفتاء المفتي لا يرفعه. كما يشرح فروق قسمة التراضي وقسمة الإجبار مبينا أحكام كل منهما.
يشرح الفصل أحكام قسمة التراضي وقسمة الإجبار، حيث يتم في قسمة التراضي الاتفاق بين الشركاء على تقسيم الممتلكات بشكل رضائي. ويبين أحكام كل من القسمتين وأوجه الاختلاف بينهما.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السعيد رحمه الله في كتابه «القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة» فيما يتعلق بالفروق: قالوا من الفروق الصحيحة التفريق بين القذف بالزنا، فيوجب ثمانين جلدة، وبين رميه بالكفر أو الفسوق، فيوجب التعزير؛ لأنه في الأخير يتمكن من تكذيب الرامي له دون الأول. يعني من رمى إنسانا بالزنا، فقال له: يا زاني، فهنا يجلد هذا القاذف ثمانين جلدة إن لم يأت بشهود على ما قال، لم يكن عنده أربعة شهود يشهدون على ما هو بالزنا. وإلا أقيم عليه حد القذف، يجلد ثمانين جلدة. لكن إذا رمى إنسانا بالكفر أو الفسوق، وقال: يا كافر أو يا فاسق، فهنا ما يجلد ثمانين جلدة، وإنما يعزر. والتعزير هي عقوبة تكون فيما ليس فيه حد شرعي، كل ذنب ليس فيه حد في الشرع وفيه التعزير. مع أن أيهما أعظم، هل رميه بالزنا أو رميه بالكفر والفسوق؟ لا شك أن اتهامه بالزنا أعظم، لكن لما كان رميه بالزنا هذا أمر غيبي وأمر مخفي، طلب بالشهود والبينة على ذلك. فإن لم يأت فالأصل هو براءته من هذه التهمة وسلامة عرضه، فلهذا يجلد تأديبا. وأما رميه بالكفر فهذا شيء ظاهر، لو كان عنده كفر أو فسق لا ظاهر ذلك. ولأن الناس يعني من يعرف من العدالة والشهود سيشهدون له بالبراءة من ذلك وكذب هذا الرمي له بهذه التهمة. نعم، فكان أمر الزنا أمرا غيبيا يرجع إلى البينة، وأقيم عليه الحد بخلاف هذا الأمر الثاني، رميه بالكفر أو الفسوق، فهذا شيء ظاهر، يكذبه الواقع ويكذبه يعني شهادة الناس له بالبراءة من ذلك. وهل يلحق من رمى غيره باللواط هل يلحق بالزنا أو يلحق من رمى غيره بالكفر والفسوق؟ فالجواب أنه يلحق بالزنا؛ لأن هذا أيضا أمر غيبي. قال: وكذلك التفريق بين قذفه لزوجته بالزنا إذا لم يقم أربعة من الشهود، أنه يدفع عنه الحد أو التعزير بلعانه؛ لحاجته إلى رمي زوجته لنفي الولد ولإفساد فراشه، وبين رميه لغيرها فلا ينفع فيه اللعان. يعني يفرق بين قذف الزوج لزوجته وبين قذفه لغيرها من النساء. فإذا قذف زوجته فإنه يطالب كذلك بالبينة، أربع شهود. فإن لم يكن عنده أربعة شهود يشهدون بما رماها به من الزنا، فهنا إذا أراد أن يحمي عرضه من الحد فإنه يلاعن، يلاعن زوجته. لكن لو رمى غيرها من النساء وليس عنده بينة، هنا ما يمكن أن يلاعن، بل سيقام عليه الحد ويجلد ثمانين جلدة. قالوا من الفروق الصحيحة التفريق بين الذبح والصيد بتوسيع طرق حل الصيد؛ لعدم القدرة عليه، فيحل الصيد بإصابته في أي موضع من بدنه، ويصيدها بالجوارح من الكلاب والطيور المعلمة بشروطها. واعتبر هذا المعنى في الحيوانات الأهلية إذا نفرت وكانت كالوحشية، فيصير حكمها حكم الوحشية. وعكسها الوحشية إذا كانت مقدورا عليها فلا تحل إلا بالذبح. كل هذا رعاية للقدرة أو عدمها، والله أعلم. قال: التفريق بين الذبح والصيد بتوسيع طرق حل الصيد، يعني أن الصيد حل الذبح به أوسع من طرق الذبح. لماذا؟ لأن الصيد في الغالب لا يقدر عليه، لا يقدر على تذكيته، فتوسع في طرق تذكيته. منها أنه يحل بإصابته في أي موضع إذا رماه بالسهم أو بالرمح أو بالآلات الحديثة، البندقية والرصاص، فأصابه في أي موضع من بدنه وخزق، مع ذكر اسم الله حل هذا الصيد وجاز أكله. قال: بخلاف الذبح، لا بد أن يكون الذبح في الحلق مع قطع الأوداج وكذلك المريء أو الحلقوم. ويصيدها بالجوارح من الكلاب وطيور المعلمة بشروطها أيضا، هذا من التوسعة. أنه يحل الصيد بإرسال الحيوان المعلم، الكلب أو الطير. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فيحل الصيد إذا صاده الجارح المعلم. أرسل كلبه المعلم فقال: بسم الله، وأطلقه فجرى خلف الصيد حتى أمسكه، وهو معلم. لا بد أن يكون معلما، أما إن كان جاهلا فلا يحل صيده. والمعلم كما قال أهل العلم: الذي إذا استرسل أرسل، وإذا أوقف وقف، وإذا أمسك الصيد لم يأكل منه. هذه ثلاثة أشياء إذا كانت في هذا الحيوان فهو معلم يحل صيده. قال: واعتبر هذا المعنى في الحيوانات الأهلية يعني التوسعة في تذكيتها إذا نفرت وكانت كالوحشية، فيصير حكمها حكم الوحشية. يعني إذا توحش الحيوان الأهلي وما أمكن أن يذكى، فإنه يعتبر كالصيد، يرمى في أي موضع من بدنه ويحل. مثلا بعير أرادوا أن ينحروه فتوحش وما استطاعوا أن يمسكوه، فيأخذ بندقية ويقول: باسم الله، ويرميه ويحل. ويدل على هذا ما جاء في الصحيحين حين ندى بعير، فما استطاعوا يعني أن يمسكوه، فرماه رجل من الصحابة بسهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لهذه الحيوانات أوابد كأوابد الوحش، فما ندى منها فاصنعوا به هكذا». يعني ما توحش منها وما أمكن تذكيته، فإنه يعامل معاملة الصيد، يرمى بالسهم أو نحوه من آلات الرماية ويحل بذلك. قال: وعكسها الوحشية إذا كانت مقدورا عليها فلا تحل إلا بالذبح. الحيوان الوحشي إذا قدر عليه وأمسك، صيدنا مثلا وعلا، تعرف الوعل حيوان البر، غزال البر مثل غزال له قرون كبيرة يعيش في الجبال، له اسم آخر عندكم، نحن نسميه وعلا ذو قرون كبيرة أو غزالا. نعم، في بعض البوادي أو غزالة مثلا، طيب أو ضبع أو نحوه من الحيوانات الوحشية إذا أمسكها طيب وصار قادرا على ذبحها، فلابد من تذكيتها. قال: فلا تحل إلا بالذبح؛ لأنه أصبح مقدورا عليه. قال: كل هذا رعاية للقدرة أو عدمها. قال: ومن الفروق بين القاضي والمفتي أن القاضي يبين الأحكام الشرعية ويلزم بها، والمفتي يبين ولا يلزم. القاضي يبين الحكم الشرعي لكن يلزم بقوله، لابد أن يؤخذ بقوله. أما المفتي فيبين ولا يلزم أحدا يأخذ بقوله، ربما يذكر في المسألة الواحدة عدة أقوال، يقول: هذه المسألة فيها مثلا خمسة أقوال، منها من قال كذا، ومنها من قال كذا، ومنها من قال كذا. وقد يرجح وقد لا يرجح، ربما يسكت ولا يرجح، وقد يرجح لكن قوله لا يلزم الأخذ به، بخلاف القاضي، فقوله ملزم. هذا من الفروق بين القاضي والمفتي. قال: والمفتي يفتي في المسائل المتنازع فيها وفي غيرها، يعني التي فيها خلاف والتي ليس فيها خلاف. قال: ويفتي لنفسه ولغيره. المفتي يفتي لنفسه، أراد أن يفعل شيئا فنظر في أقوال أهل العلم، فينظر الذي هو أقرب إلى الصواب فيفعله ويفتي نفسه به، ويفتي غيره كذلك. لكن القاضي قال: والقاضي لا يقضي إلا لفصل النزاع، يعني بين المتخاصمين، ولا يقضي لنفسه. القاضي ما يقضي لنفسه، إذا كان هنا قضية تتعلق به مع غيره، ما يقضي لنفسه وإنما يقضي للناس فقط. وأما إذا كان شيء يتعلق به فيقضي غيره. قال: ولا لمن لا تقبل شهادته له، ولا على عدوه، ولا لمن لا تقبل شهادته له كأقاربه. لا تقبل شهادة القريب لقريبه، ولا كذلك شهادة العدو على عدوه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل شهادة الخائن، ولا ذي الغمر على أخيه». ذي الغمر يعني صاحب تهمة أو صاحب عداوة. والحديث في «الصحيح» عن جدة، وهذا جاء في بعض الروايات: «ولا شهادة القانع لأهل البيت»، يعني الخادم لأنه مظنة التهمة، مظنة التهمة. فلا تقبل شهادة القريب لقريبه، ولا شهادة العدو على عدوه، لكن تقبل شهادة العدو لعدوه، شهادة العدو لعدوه إذا شهد له تقبل، أما عليه ما تقبل لأجل التهمة. قال: وهكذا أذن شهادة القريب على قريبه، لكن لا. قال: والقاضي لا يقضي بعلمه إلا فيما أقر به في مجلس حكمه. إذا كان يعلم عنده الآن المتخاصمان مدعي ومدعى عليه، وهو يعلم أن المدعى عليه بريء من هذه التهمة، يعلم هذا لكن ما عنده بينة، وهذا المدعي أتى ببينة فيما يدعي، فهو يقضي بما ظهر له ولو كان خلاف ما يعلم، فلا يقضي بعلمه. لا يقول: أنا أعلم أنك أنت كاذب أيها المدعي، وأن المدعى عليه بريء، لا، ما دام أن المدعي جاء ببينة، فيقضي بما يظهر له. ولا يقضي بعلمه إلا إذا وافق علمه ما حصل في المجلس، فلا بأس. قال: وفي عدالة الشهود وفسقهم. والمفتي بخلاف ذلك. لا يقضي بعلمه إلا فيما أقر به في مجلس حكمه، وفي عدالة الشهود وفسقهم، يعني له الحكم بالظاهر، له الحكم بالظاهر. لو كان يعلم أن هذا الشاهد فاسق، هو يعلم لكن في الظاهر ما عنده بينة على هذا، وهو في الظاهر أنه عدل، فيقبل شهادته. قال: والمفتي بخلاف ذلك، يعني المفتي يفتي بمعلوم، نعم، وقد يفتي للقريب على قريبه، وللعدو على عدوه؛ لأنه ليس بقاضي، بخلاف القضاء. قال: وحكم القاضي يرفع الخلاف، وإفتاء المفتي لا يرفعه. القاضي إذا قضى ارتفع الخلاف؛ لأن قوله ملزم. وأما المفتي ما يرفع الخلاف، لو جاء اثنان متنازعان عند مفت وسألاه وأفتاهما، قد لا يزول النزاع، ما زال النزاع. أما حكم القاضي إذا قضى، خلاص ارتفع الخلاف وانتهى. هذا من الفروق بين المفتي والقاضي، أيضا يزاحم من الفروق أن المفتي قد يفتي مع وجود أحد الخصمين دون الآخر، بخلاف القاضي، فلا يقضي إلا مع وجود الخصمين، المدعي والمدعى عليه. ويدل على هذا حديث هند امرأة أبي سفيان لما جاءت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفينا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». يعني أفتاه النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الخصم الثاني غير موجود؛ لأن هذه فتوى، ليس بقضاء وحكم. بخلاف لو كان المسألة مسألة قضاء وحكم، فلا يقضي القاضي حتى يأتي الخصم الآخر. قالوا: من فروق الصحيحة بين قسمة التراضي وقسمة الإجبار، بأن ما لا ضرر فيه ولا رد عوض يجبر الشريك فيه على القسمة إذا امتنع. وأما ما فيه ضرر أو رد عوض فلا يجبر الممتنع على القسمة، ولكن الضرر يزال بالبيع أو التأجير أو المهايئة. يقول: هنا فروق صحيحة بين قسمة التراضي وقسمة الإجبار، أن ما لا ضرر فيه ولا رد عوض يجبر الشريك فيه على القسمة. اثنان مشتركان في أرض، طيب أرادوا قسمة هذه الأرض، قال الشريك الآخر: لا، أنا ما أرضى. طيب هل هناك ضرر عليك في هذه القسمة؟ الجواب لا. هل هناك رد عوض؟ الجواب لا. إذن يجبر على هذه القسمة، على قسمة الأرض يجبر على قسمتها؛ لأنه ليس هناك ضرر في قسمتها. أما إذا كان هناك ضرر فلا يجبر، أن يقول: لا ضرر ولا ضرار. أرادوا أن يقسموا غرفة أو مطبخ مثلا، حصلت قسمة إرث وصار نصيب الشريكين في غرفة أو في مطبخ، مثل هذا ما يمكن أن يقسم؛ لأنه فيه ضرر. ما يجبر على قسمته. لا قسمة شيء يسه فيه ضرر، كأرض أو عقار أو نحو ذلك، فهنا يجبر الشريك على القسمة؛ لأنه لا ضرر في ذلك. لو قال: أنا ما سأرضى إلا بعوض، إلا أن تعوضني. ما يجوز له ذلك. لماذا؟ لأنه حينئذ سيصير بيعا. أنا اشترى منه، مع أنهما شريكان في هذه الأرض، فلا يحل له ذلك. أن يقول: ما أرضى إلا بعوض. قال: إذا امتنع يجبر الشريك فيه على القسمة إذا امتنع. أما ما فيه ضرر أو رد عوض فلا يجبر الممتنع على القسمة. إذا كان ما يمكن أن يقسم إلا بضرر، وهنا لا يجبر. كما قلنا بيت، غرفة صغيرة، مطبخ، يعني بيت ما يمكن أن يقسم، لا قسمة شيء يسه فيه ضرر. كأرض أو عقار أو نحو ذلك، فهنا يجبر الشريك على القسمة؛ لأنه لا ضرر في ذلك. لو قال: أنا ما سأرضى إلا بعوض. يقال: ليس لك هذا، ولا يحل لك ذلك؛ لأنه حينئذ سيصير بيعا. أنا اشترى منه، مع أنهما شريكان في هذه الأرض، فلا يحل له ذلك. أن يقول: ما أرضى إلا بعوض. قال: إذا كان ما يمكن أن يقسم إلا بضرر، وهنا لا يجبر. كما قلنا بيت، غرفة صغيرة، مطبخ، يعني بيت ما يمكن أن يقسم، فهنا كيف يفعل؟ يزال هذا الضرر إما بالبيع، يباع هذا البيت ويقسم المال على الورثة، على المشتركين، على الشركاء. أو التأجير، يؤجر. يقول: هذا البيت ما يمكن أن نقسمه وننتفع به، نؤجره والأجر نقسمه. أو كذلك أيضا ممكن أن يقال: نجعل سكن هذا البيت لكل واحد مدة، ستة أشهر أو سنة. أنت تسكن سنة وأنا أسكن سنة، أنا أسكن سنة مثلا، لا بأس. طيب أو المهايئة، يعني يعطى لأحدهم مثلا. أو كذلك بالقرعة لو اتفقوا على أن يقرعوا. يقولون: نقرع، ومن وقعت له القرعة أخذ هذا الغرفة أو هذا الموضع أو نحو ذلك، إذا اتفقوا على ذلك فلا بأس. المهم أن يزال الضرر بأحد أنواع هذه الأمور، إما بالبيع أو التأجير، طيب أو كذلك بالمهايئة، أو بالتنازل. يتنازل. يقول مثلا: أعطوني نصيبي. كم تثمن هذه الغرفة أو هذا البيت؟ يثمن بكذا وكذا. يقول: أسأعطوني هذا المبلغ. إذا كان مثلا اثنان، يقول للشريك: أسأعطني هذا المبلغ، أخذ هذا البيت، لا بأس. أخذ هذه الأرض، هذا جائز أيضا. هذا ما يتعلق بقسمة التراضي وقسمة الإجبار.