الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول الفصل الفروق بين البيع والإجارة في الفقه الإسلامي، حيث يوضح أن البيع يقع على الأعيان بمنافعها بينما الإجارة على المنافع فقط. كما يشير إلى بعض الأشياء التي لا يجوز بيعها ولكن يجوز تأجيرها.
يناقش الفصل فروق فقهية متعددة عند الحنابلة مثل التفريق بين إيقاع الطلاق والتأويلات في الأيمان والفروق بين الأحكام التكليفية والوضعية في العبادات المالية. يوضح الفروق الدقيقة في هذه الأحكام وتطبيقاتها.
يتناول الفصل الأحكام الوضعية مثل الزكاة والنفقة وضمان المتلفات، ويوضح أنها تجب على غير المكلف إذا كان لديهم مال. يفصل في الفروق بين الأحكام الوضعية والتكليفية وتأثير القدرة على التكسب.
يشرح الفصل أحكام الجمع بين أكثر من سبب للاستحقاق في الزكاة أو الوقف أو الوصايا، ويبين أن الجمع بين أكثر من سبب يجيز الاستفادة من أكثر من مصدر. يضرب أمثلة على ذلك في الوقف والوصايا.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتابه "القواعد والرسول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة": قال رحمه الله في كتاب الفروق، فصل: ومن الفروق الصحيحة بين البيع والإجارة أن البيع واقع على الأعيان بمنافعها، والإجارة على المنافع، وأنه لا يجوز بيع الحر، ولا الوقف، ولا أم الولد، ويجوز إجارتهن. والبيع يدخله الربى، ربى الفضل وربى النسئة، والإجارة لا يدخلها، بدليل جواز إجارة حلي الذهب والفضة بذهب أو فضة مقبوضا أو غير مقبوض. هذه من الفروق بين البيع والإجارة. وإن كان الإجارة تدخل في ضمن كتاب البيوع، وتعتبر نوعا من أنواع البيوع، لكن هناك فروقا بين الإجارة وبين البيع. منها أن البيع واقع على الأعيان بمنافعها، البيع يقع على العين نفسها، مثلا باع إنسان بيتا، فالمشتري يشتري البيت ومنافعه. باع إنسان سيارة، وقع البيع على عين السيارة ومنافعها. وقس على هذا. وأما الإجارة فهي على المنافع، وأما العين فهي ملك للمؤجر. أجر إنسان بيتا، البيت ما زال ملكا لصاحبه، وإنما المستأجر ينتفع بسكن البيت. ينتفع بسكن البيت، أو أجر إنسان سيارة، فهو ينتفع بركوبها، وإلا فهي في الأصل عين السيارة ما زالت ملكا لصاحبها. هذا فرق، البيع يقع على الأعيان والمنافع، والإجارة تكون في المنافع فقط دون الأعيان. قالوا: إنه لا يجوز بيع الحر، يعني هناك أشياء لا يجوز بيعها ويجوز إجارتها. فالحر لا يجوز أن يباع، لكن يجوز تأجيره، يؤجر فيعمل مثلا في بناء، أو يعمل في رعي مواشي أو غنم، أو يعمل في زراعة أرض ونحو ذلك من أنواع الأعمال والمنافع. قال كذلك: ولا الوقف، الوقف لا يجوز بيعه، لكن يجوز تأجيره. عندنا مدرسة وقف لطلبة العلم، يجوز أن نؤجر هذه المدرسة، هذا المبنى، وننتفع بهذا الإيجار، وينفق على طلبة العلم. قال: ولا أم الولد كذلك، أم الولد هي الأمة التي ولدت سيدها، لا يجوز بيعها، لأنها تعتق بعد موت سيدها، تصير حرة، لكن يجوز تأجيرها بشيء لا يخالف الشرع من عمل من العمال. قال: ويجوز إجارتهم، يعني الحر والوقف وأم الولد، هنا فرق، البيع لا يجوز، والتأجير يجوز. والبيع يدخله الربى، ربى الفضل وربى النسئة. ربى الفضل يعني الزيادة في الجنسين الذين يجب فيهما التماثل، وربى النسئة وهو تأخير ما يجب قبضه، هذا في البيع. وأما الإجارة لا تدخلها. قال: بدليل جواز إجارة حلي الذهب والفضة بذهب، تأجير حلي الذهب والفضة بذهب. نعم، يقول: أنا أريد أن أجر منك طقم من الذهب، طيب يقول: لا بأس، ما هي الأجرة؟ الأجرة ذهب، هذا جائز؛ لأن هذا إيجار، ليس بيعا. مثل أيضا تأجيره بالمال، أو كذلك أيضا فضة، أو الفضة بذهب أو فضة مقبوضا، يقول: أعطني، أنا سأجر منك ذهبا أو فضة، ويعطيه فضة أو ذهبا أجره، هذا جائز. قال: أو غير مقبوض، يعني إذا كان مؤجلا. هذا من الفروق بين البيع والإجارة. قال: أو من الفروق بين إيقاع طلقتين فأكثر في بعض النسخ عند الأصحاب. بين إيقاع طلقتين فأكثر بين المدخول بها وغير المدخول بها، أن العدد إذا وقع دفعة واحدة، أو دفعات مرتبط بعضها ببعض، أنه يقع العدد المذكور عليها. وإذا كان بدفعات غير مرتبط بعضها ببعض، وقع بالمدخول بها العدد المذكور، وبانت غير المدخول بها بالطلقة الأولى، وصادفتها الطلقات الأخرى، وقد بانت منه، فلم يقع عليها شيء. وهي ألفاظ كثيرة ذكرها الفقهاء، كلها تدخل تحت هذا الضابط. يقول: من الفروق عند الأصحاب، وكأنه ذكر هذا يعني غير مقر له، وإنما يعني على حسب ما ذكره الحنابلة في كتبهم؛ لأن المؤلف رحمه الله أشار في بعض كتبه الأخرى أنه يذهب إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام، من أن إيقاع الطلقات الثلاث في مجلس واحد، أو في طهر واحد، تعتبر طلقة واحدة، لحديث ابن عباس: "كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، الثلاث واحدة". هذا الذي اختاره في شرح لزاد المستقنع، وأيضا في الاختيارات الجلية له رحمه الله. فكأنه ذكر هذا إما أنه كان يرى هذا قبل أن يختار القول الراجح، أو ذكره على سبيل ما ذكره الحنابلة في كتبهم. على كل، هنا يقول: من الفروق عند الأصحاب -يعني الحنابلة- بين إيقاع طلقتين فأكثر بين المدخول بها وغير المدخول بها، أن العدد إذا وقع دفعة واحدة، يعني قال: "أنت طالق بالثلاث"، أو دفعات مرتبطة بعضها ببعض، مثل: "أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق". قال: يقع العدد المذكور، يعني تطلق ثلاثا. وإذا كان بدفعات غير مرتبطة بعضها ببعض، يعني اليوم قال: "أنت طالق"، اليوم الثاني قال: "أنت طالق"، اليوم الثالث قال: "أنت طالق". قال: وقع بالمدخول بها العدد المذكور، إذا كان قد دخل بها، وبانت غير المدخول بها بالطلقة الأولى، إذا كان غير مدخول بها، فأول طلقة طلقها بها بانت منه؛ لأن غير المدخول بها ليس عليها عدة، بمجرد أن يقع الطلاق، انفصلت منه. قال: وصادفت الطلقات الأخرى، يعني في غير مدخول بها، وصادفتها الطلقات الأخرى، وقد بانت منه، فلم يقع عليها شيء. وهي ألفاظ كثيرة، قال: ذكرها الفقهاء، كلها تدخل تحت هذا الضابط. نعم، والصحيح كما ذكرنا، أنه لا فرق، أن إيقاع الطلاق الثلاث في طهر واحد، تعتبر طلقة واحدة، إلا إذا راجع، طلق، ثم راجع، ثم طلق، ثم راجع، فنعم، لو قال: "أنت طالق"، ثم قال: "راجعتك"، ثم قال: "أنت طالق"، ثم قال: "راجعتك"، ثم قال: "أنت طالق"، هنا وقعت الطلاق الثلاث، وتحرم عليه. ممكن إذا راجع، ممكن إذا راجع؛ لأنه حينئذ فرق بين كل طلقة وأخرى برجعة. قال: من الفروق الصحيحة أن التأويلات في الأيمان قد تنفع وقد لا تنفع، فاتفقوا على نفعها إذا كان المتأول مظلوما، وعلى عدم نفعها للظالم، واختلفوا في نفعها لغير الظالم الذي لم يحتج إليها. فالمشهور من المذهب نفعها، وعند شيخ الإسلام لا تنفعه؛ لأنها تشبه التدليس، وتوهم الكذب، وتسيء به الظنون. يقول: من الفروق الصحيحة أن التأويلات في الأيمان قد تنفع وقد لا تنفع، يعني أن يحلف على شيء خلاف الظاهر، ويكون مراده خلاف الظاهر، متأولا. قال: فاتفقوا على نفعه إذا كان المتأول مظلوما، إذا كان هذا المتأول مظلوما، ويخاف أن يظلم، فتنفعه هذه اليمين. تنفعه هذه اليمين، مثلا إذا قيل له: "أنت عندك المال الفلاني؟" قيل له: "احلف أنه ما عندك"، وهو إذا حلف أنه عنده سيأخذ منه ظلما، فحلف متأولا. قال: والله، مثلا: "والله أن هذا المال الذي تطلبونه مثلا أأوني"، "والله إني لا أملك هذا المال الذي تطلبونه مني"، أو مثلا قال: "والله إن هذا المال ما أملكه"، "والله إن هذا المال ما أملكه"، وأراد بما هنا اسم موصول، بمعنى الذي، "والله إن هذا المال الذي أملكه"، لكن في الظاهر أنه ينفي أن يكون هذا المال يملكه. طيب هذا الآن تأويل، هذا تأويل في اليمين، هو الآن مظلوم، يخاف أن يظلم، ويأخذ ماله ظلما، فهذه اليمين تنفعه، هذا التأويل ينفعه. لكن إذا كان ظالما، هذا لا ينفعه، إذا كان ظالما، كإنسان اعتدى على أناس، وأخذ أموالهم، ثم طولب بها، ونفى أن تكون عنده، وحلف يمينا متأولا، هذا لا ينفعه؛ لأنه ظالم معتدي. نعم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اليمين على نية المستحلف". اليمين على نية المستحلف، يعني يحلف على نية من استحلفه. فإذا كان مظلوما، فنفعته هذه اليمين، وإن خالف نية من استحلفه. وأما إن كان ظالما، فإنه لا ينفعه. قال: واختلفوا في نفعها لغير الظالم الذي لم يحتج إليها، يعني إلى التأويل. فالمشهور من المذهب نفعها، أنها تنفعه. وعند شيخ الإسلام لا تنفعه؛ لأنها تشبه التدليس، وتوهم الكذب، وتسيء به الظنون. وهو الصحيح أنها ما تنفعه، يعني أن يتأول في اليمين؛ لأن هذا خلاف الظاهر، وخلاف الحقيقة، فهو شبيه بالتدليس والكذب، وإساءة بالظنون به. قالوا: من الفروق الصحيحات التفريق بين وجوب الزكاة والنفقات والعبادات المالية على غير المكلف، وبين عدم وجوب الصلاة والصوم والحج عليه لعدم تكليفه. التفريق بين وجوب الزكاة والنفقات والعبادات المالية على غير المكلف، وبين عدم وجوب الصلاة والصوم والحج عليه لعدم تكليفه، يعني التفريق بين ما يتعلق بالأحكام التكليفية، أو الأحكام الشرعية التي تجب على المكلف، أي البالغ العاقل، وبين الأحكام الوضعية التي لا يشترط فيها التكليف. فما يشترط فيه التكليف، أي البلوغ والعاقل، لا يتكلف به الإنسان، كالصبي والمجنون، لا يتكلف بالصلاة ولا بالصيام؛ لأنه ليس من أهل التكليف. لكن ما يتعلق بالأحكام الوضعية، كالزكاة والنفقة، هذا يجب على غير المكلف، كالصبي والمجنون، إذا كان لهما مال، وهذا المال تجب فيه الزكاة، فيجب عليهما أن يزكيا هذا المال؛ لأن الزكاة متعلقة بالمال، وهذا من الأحكام الوضعية التي لا يشترط فيها التكليف. كذلك وجوب النفقات، لو أن هذا المجنون عنده أسرة، وعنده أولاد، وعنده أموال، يجب أن ينفق عليهم، ينفق الولي والقائم عليه على من تحت يده من زوجة وأولاد ونحو ذلك؛ لأن هذا من الأحكام الوضعية. قالوا: يشبه هذا إجابة ضمان المتلفات على المكلف وغيره، لربط الحكم بسببه الموجب للضمان. نعم، هذا كذلك أيضا، إجابة ضمان المتلفات، ضمان المتلفات تجب على المكلف وعلى غيره، أي غير المكلف، كالمجنون والصبي. فإذا أتلفا شيئا، وجب عليهما الضمان من مالهما، أو يضمن وليهما؛ لأن هذا من خطاب الوضع. قالوا: من الفروق الصحيحة أن القدرة على التكسب غنى يمنع صاحبه أخذ الزكاة لحاجته، ويوجب عليه قضاء الدين والنفقات الواجبة؛ لأن الواجب قد تقرر عليه، ولا سبيل إلى أدائه إلا بالكسب الذي يقدر عليه، فوجب عليه. وليس ذلك بغنى يوجب الحج؛ لأنه مما لا يتم الوجوب إلا به، والأول مما لا يتم الواجب إلا به. يقول: من الفروق الصحيحة أن القدرة على التكسب غنى يمنع صاحبه أخذ الزكاة، إذا كان الإنسان قادرا على العمل والتكسب، فيعتبر بهذا غنيا، يمنع صاحبه أخذ الزكاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذين سألاه الزكاة: "إنها لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب". هذا إذا كان عنده عمل يتكسب به. أما إذا كان هو يقدر عنده قدرة على التكسب، لكن ما عنده عمل، أو ما وجد عملا ليتكسب به، فهذا يجوز أن يأخذ من الزكاة. لكن إذا عنده قدرة على التكسب، وعنده عمل، يعني يتكسب به، وأسد به حاجته، فنعم يكون غنيا، يمتنع هنا أخذ الزكاة، ويوجب عليه أي هذا التكسب قضاء الدين إذا كان عليه ديون. وهكذا أيضا النفقات الواجبة، الواجبة كالنفقة على الزوجة والأولاد لآخرة؛ لأن الواجبة قد تقرر عليه، ولا سبيل إلى أدائه إلا بالكسب الذي يقدر عليه، فوجب عليه. طيب، لكن إذا كان هذا التكسب هو يعمل ويتكسب، لكن ما يكفي لسد هذه الواجبات التي عليه، وفي مثل هذه الحال لا بد أن يعطى من الزكاة؛ لأنه ما زال يعتبر مسكينا. قال: وليس ذلك بغنى يوجب الحج، يعني إذا كان يستطيع أن يتكسب، هل بهذا يجب عليه الحج؟ يقول: لا، هذا ليس بغنى يوجب عليه الحج. قال: لأنه مما لا يتم الوجوب إلا به، وهذا ليس بواجب، ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب. فالحج لا يجب إلا على المستطيع، ولا يجب على الإنسان أن يتكسب لأجل أن يوجد الاستطاعة للحج، ما يجب عليه هذا. بخلاف ما لا يتم الواجب إلا به، وهو النفقة على نفسه وعلى أولاده وعلى زوجته، فهذا مما يجب عليه. فهذا الأول من باب ما لا يتم الواجب إلا به، ووجوب الحج هو مما لا يتم الوجوب إلا به، فليس بواجب. ففرق بين الأمرين. قالوا: من الفروق الصحيحة أن العبد المملوك إذا كان للتجارة، وجبت فيه زكاة الفطر وزكاة المال، لوجود السببين: الملك والتجارة. والذي لغير التجارة تجب فيه زكاة الفطر فقط؛ لانفراد سبب الملك وحده. وهكذا كل حكم له سببان فأكثر مستقلان، إذا وجد ترتب عليهما مقتضاهما. وإذا انفرد أحدهما ترتب عليه حكمه. مثل من وجد فيه سببان فأكثر من الأسباب التي يستحق بها الأخذ من الزكاة، أو الوقوف، أو الوصاية، أو يجب عليه في كل منهما واجب. يقول: أن العبد المملوك إذا كان للتجارة، وجبت فيه زكاة الفطر وزكاة المال. العبد المملوك تجب زكاة الفطر على سيده. طيب إذا كان العبد في نفس الحال هو أيضا للتجارة، فاجتمع فيه سببان للزكاة، وهو زكاة الفطر لكونه عبدا مملوكا، والسبب الثاني كونه للتجارة، فتجب فيه زكاة التجارة. وأما إذا كان العبد مملوكا فقط، وليس للتجارة، وجب فيه نوع واحد من أنواع الزكاة، وهو زكاة الفطر. يقول: وهكذا كل حكم له سببان فأكثر، إن وجد ترتب عليهما مقتضاهما. مثل من وجد فيه أكثر من سبب يستحق به الزكاة، كإنسان مسكين، وهو طالب علم، طلب العلم جهاد، هو سبب من أسباب أخذ الزكاة، وكونه مسكينا السبب كذلك من أسباب الزكاة، فاجتمع سببان. أو يكون مسكينا ويكون غارما، صاحب دين، فاجتمع فيه سببان، فيأخذ لكونه مسكينا، ويأخذ الزكاة لكونه غارما. وهكذا. قال: أو الوقوف كذلك، لو أن عمارة أوقفت للمساكين، له أن يسكن فيها. وعمارة أخرى أوقفت لطلاب العلم، وهو طالب علم، له أن يسكن فيها، فاجتمع سببان. كذلك الوصايا، وهكذا. نقف هنا إن شاء الله. صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد، وعليه وسلم أجمعين.