الدرس في كتاب الصلاة 118، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف الفقهاء في وقت قيام الإمام للصلاة، فذهب الثلاثة إلى الاستحباب بعد الفراغ من الإقامة لقوله «قد قامت الصلاة»، بينما رأى أبو حنيفة أن يقوم عند «حي على الصلاة». الأحاديث الصحيحة تضبط الأمر بألا يقوم المصلون حتى يروا الإمام، وكان المؤذن غالباً يؤذن ثم ينتظر حضور الإمام ليقيم، فيجوز للإمام أن يأتي قبل الإقامة أو بعدها.
لا تثبت سنة صريحة في قيام النبي صلى الله عليه وسلم فور الإقامة، ويدل حديث عمر على تأخر النبي أحياناً عن الصلاة. المأمومون يتبعون الإمام: إن كان حاضراً صفوا عند الإقامة، وإلا انتظروه أو قدم المؤذن.
لا يقوم المأمومون للصفوف إلا عند حضور الإمام أو نائبه المعروف، مستدلين بحديث «لا تقوموا حتى تروني». اصطفافهم قبل مجيء الإمام خطأ مخالف للسنة، ويرجّح قول الشافعي وأحمد ومالك بأن القيام يكون بعد الإقامة عند حضور الإمام.
إذا تأخرت الإقامة فلا تُقام الصلاة حتى يحضر الإمام، فيصطف المصلون في الصفوف. هذا هو الحكم المختصر في مسألة تأخير الإقامة وانتظار الإمام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال الثلاثة: ينبغ للإمام أن يقوم بعد الإقامة. وقال أبو حنيفة: إذا قال المقيم: "حي على الصلاة"، قام الإمام وتبعه القوم. الآن هذه مسألة: متى يقوم الإمام للصلاة؟ متى يقوم الإمام للصلاة؟ الصحيح أنه لم يثبت شيء صريح في هذه المسألة، لكن كثير من أهل العلم يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام جعل في الإقامة "قد قامت الصلاة"، وهذا خطاب للمصلين حتى يقوموا؛ "قد قامت الصلاة" أي: لأجل أن يقوموا. فلذا استحب كثير من أهل العلم أن الإمام يقوم بعد الإقامة. لكن قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه تُقام الصلاة وهو في المسجد، وأحيانًا تُقام الصلاة ولا يكون في المسجد، يعني: يأتي من بيته. يعني: بلال كان يؤذنه بالصلاة ثم يخرج فيقيم الصلاة. فلذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين، حديث أنس: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني». فإذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني. فهذا الحديث جاء ضابطًا في إقامة الناس. وجاء في حديث أبي هريرة: «أن الصفوف تُقام ثم تُقام الصلاة». أي: إذا وجد النبي عليه الصلاة والسلام. فلذا فالإمام له أن يأتي قبل الإقامة، وله أن يأتي بعد الإقامة. وغالبًا أن الإمام إذا... كما جاء عن عمر وغيره عن الصحابة: أنه إذا رآهم المؤذن أقام الصلاة، أنه إذا رأى الإمام أقام الصلاة. ومن ثم إما أنه يدخل في الصلاة مباشرة، وإما أنه إن كان جالسًا يقوم عند إقامة الصلاة، كما يقوله كثير من أهل العلم. لكن كما قلنا: لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء من ذلك، بل كما جاء في حديث عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام أقام الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام في المسجد، فجاء أعرابي وشغل النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة، أنه يسأله، وحتى ذهب ثلث الليل، حتى نام الناس وغفوا. فقال عمر: يا رسول الله، قد نام النساء والصبيان، قد نام النساء والصبيان. فقام النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك، الصلاة في ثلث الليل، أو بعد أن ذهب ثلث الليل. وجاء في رواية: بعد أن ذهب نصفه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما إنكم إن هذا الوقت هو وقتها، لولا أن أشق على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى نصف الليل». فدلت هذه الأحاديث على أن النبي عليه الصلاة والسلامحيانًا يأتي قبل إقامة الصلاة، وكان بلال إذا رآه أقام الصلاة، أو يؤذنه بالصلاة. فإذا أذن استعد للصلاة، خرج النبي عليه الصلاة والسلام، فأقام بلال الصلاة. فلذا لم يثبت شيء صريح في هذه المسألة: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بعد الإقامة. لكن هذا يقتضي من قوله: "قد قامت الصلاة". ولكن المأمومون يتعلقون بالإمام: فإن كان الإمام في المسجد وقد أقيمت الصلاة، فلهم أن يصطفوا. وإن كان الإمام غير موجود، يعني: أقيمت الصلاة والإمام غير موجود، فهنا لا يقومون حتى يروا الإمام، أو يقدم المؤذن. يعني: إذا استأذن الإمام أنه سيذهب مكان كذا، يعرف أن الإمام ما سيأتي، يقدم غيره، أو يقدم من ينوبه. ومن ينوبه يعتبر مثله. من ينوب الإمام يعتبر مثله في أحكام الإمامة. فلذا إذا كان موجودًا الإمام أو نائبه الذي عرف الناس أنه ينوبه عند عدم وجوده، فيقومون للصلاة. وأما إذا كان الإمام غير موجود وقد أقيمت الصلاة، فلا ينبغي للمأمومين أن يقوموا ويصطفوا. هذا خطأ: أن بعض المساجد تجد الصفوف تصف والإمام غير موجود، والإمام غير موجود ما يدرون من الذي سيصلي بهم، والصفوف قد اصطفن. وهذا خطأ من ناحية مخالفة للحديث. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوموا حتى تروني»، يكون هذا فيه، وفيمن كان إمامًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة في هذه الأمور. فلذا قال العلماء أيضًا: لا تُقام الصلاة في الصفوف إلا إذا جاء الإمام. إذا جاء الإمام الراتب أو إمام المسجد، وأقيمت الصلاة، يقوم الناس ويصطفون. فإذا صفوا قبل الإقامة لا شيء في ذلك، إذا كان الإمام موجودًا. فخلاصة الأمر: أنه لا دليل صريح على القولين، لكن كما قلنا: أقرب الأقوال هو قول الشافعي وأحمد، وكذلك مالك، على أنه يقوم بعد الإقامة. مع أنه مذهب أحمد الذي صرح به أصحابه: أن الإمام يستحب له أن يقوم إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة"، يستحب له أن يقوم؛ لأن هذا مقتضى هذا الأمر. لكن كما قلنا: إذا تقدم الإمام، فإن المأمومين يتبعونه. إذا تأخر عن الإقامة، فإنه أيضًا لا يُقام حتى يأتي الإمام، فيصطف الناس ويأخذ الناس في الصفوف. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.