الدرس في كتاب الصلاة 116، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استهل الدرس ببيان مسألة جواز صلاة المأموم قائماً خلف إمام يصلي جالساً، مستعرضاً حديث «إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً أجمعين» وقصة صلاة أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم جالساً. وذهب الجمهور (الشافعي، مالك، أبو حنيفة) إلى جواز قيام المأموم ناسخين بالحديث الأول، بينما ذهب الإمام أحمد وبعض الحنابلة والحنفية إلى وجوب متابعة الإمام في الجلوس.
بيّن المحاضر أن اختصار المؤلف أوهم الإطلاق في مذهب أحمد، والصحيح أن أحمد قال: إذا افتتح الإمام الصلاة جالساً صلى المأمومون خلفه جلوساً. واختلف الحنابلة في وجوب هذا الجلوس أو استحبابه، والراجح عند المحققين وجوبه جمعاً بين الأدلة، وقد مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
إذا ابتدأ الإمام الصلاة قائماً ثم جلس لعذر كمرض أو تعب، يجب على المأمومين الاستمرار قياماً ولا يجلسون، وهذا قول الإمام أحمد ودليله فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته حيث جلس ولم يأمر الناس بالجلوس. وقد رجح هذا القول ابن المنذر وأكثر العلماء المعاصرين كابن باز والعثيمين والألباني.
رّجح المتحدث قول الإمام أحمد في المسألتين المطروحتين باعتباره الأوجه والأصح جمعاً بين الأدلة، ثم أعلن ختام المقطع أو الدرس الحالي مكتفياً بما تم بيانه من تفصيل المذاهب والأدلة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وتصح صلاة القائم خلف القاعد عند الثلاثة، وقال أحمد: يصلون خلفه قعودًا». هذه المسألة -مسألة صلاة القائم خلف الجالس في الاعتمام- جاء فيها حديث في هذا الباب، جاء عن جماعة من الصحابة، عن عائشة وأنس وغيرهم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين». فهذا الحديث فيه النص في هذه المسألة على أن المأموم يتبع الإمام حتى في جلوسه. وجاء حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث جابر في الصحيحين: أن أبا بكر رضي الله عنه لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فصلَّى أبو بكر بالناس. فوجد النبي عليه الصلاة والسلام خفة، فخرج حتى جاء وجلس عند أبي بكر، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي بالناس، وأبو بكر يبلغهم التكبير. فأصل أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الإمام، وأبو بكر مبلغ عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو قائم -أي أبو بكر- والناس أيضًا قيام، والنبي عليه الصلاة والسلام جالس. فقالوا: هنا هذا الأمر حصل في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو نسخ ينسخ الأحاديث التي تقدمت: «إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين». فقالوا: إنه نسخ. لهذا قال الأئمة الثلاثة -الشافعي ومالك وأبو حنيفة-: إنه لا يصلى خلف الإمام جالسًا، وإنما يصلى قيامًا، ولو جلس الإمام. ولو ابتدأ الصلاة وهو جالس، فإنه يصلى خلفه جلوسًا أو قيامًا. وذهب أحمد إلى قول، وبعض الحنفية أيضًا، وقال بعض الحنابلة: إنه يصلي جالسًا في كل حال، إذا جلس الإمام صلى خلفه جلوسًا. وقالوا: إن الحديث ليس فيه نسخ، وقالوا: إن أبا بكر هو الذي كان يصلي بالناس، فأصل أن الإمام هو أبو بكر. لكن هذا ليس صحيحًا. وهناك قول لأحمد رحمه الله، وهنا أجمله المؤلف - والمؤلف رحمه الله صاحب هذا الكتاب وهو المحلى - أراد أن يذكر كلام أهل العلم في المسائل وباختصار، وهو مشكور على هذا، لكن أحيانًا الاختصار يخل بالمسألة أو يخل بالقول. فالآن الذي سيفهم من كلامه أن أحمد يقول بالإطلاق أنهم يصلون خلفه قعودًا، وليس هذا مذهب أحمد، وليس هذا مذهب أحمد عند التحقيق، بل المذهب المشهور عنه -والذي يذكره أصحابه في المذهب- أنه قال: إن صلى الإمام جالسًا من بداية الصلاة، من بداية الصلاة، يصلي المأمومون خلفه جلوسًا. واختلفوا في هذا الجلوس: هل هو جلوس واجب، أم أنه جلوس مستحب؟ أي: هل يجب على المأمومين أن يجلسوا، أم أنه مستحب لهم؟ فالمشهور في المذهب أنه مستحب، وقال جماعة من الحنابلة: إنه واجب، فيجب أن يجلسوا. متى هذا؟ إذا ابتدأ الإمام الصلاة جالسًا. وإنما قال أحمد هذا توفيقًا بين الأدلة. والذين قالوا بالوجوب استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد كنتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون لملوكهم وهم جلوس». وهذا نهي من النبي عليه الصلاة والسلام أن يفعل كفعل فارس والروم. وهذا يؤيد أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم ينسخه، وإنما أقل شيء أن يدل على الجواز. أما أنه نسخ، فهذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن مشابهة أهل الكتاب. والمتتبع لأمر النبي عليه الصلاة والسلام يجد أن في آخر أمره كان يخالف أهل الكتاب في كل شيء، في الأمور التي تميزوا بها، فكيف سيوافقهم في الصلاة؟ ليس في الصلاة معنى، المراد أنه يكون الإمام جالسًا وهم قيامًا. فالمهم أن هذا الحديث ممكن أن يدل على الجواز، لكن أقرب ما يكون أنه لا بد عليه من يجلس، كما ذهب إليه جماعة من الحنابلة، وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وأما إذا كان جلس في أثناء الصلاة، مثلاً: إمام يصلي بالناس، صلى قائمًا في بداية الصلاة، ثم حس بالتعب، أو حس بدوخة، أو حس بمرض، فلم يستطع القيام، أو مثلاً: المهم أن له عذرًا فجلس. فهنا: هل يجلس معه المأمومون، أم يستمرون في صلاتهم قيامًا؟ قال: يستمرون في صلاتهم قيامًا، هذا وجوبًا، لا يجلسون. لماذا؟ لأن الإمام ابتدأ الصلاة وهو قائم، وجلس أثناء الصلاة. ومن فقه الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا وراءه جلوسًا». لكن هنا لم يصلِّ ابتداءً جالسًا، وإنما حصل له عذر فجلس. فاستدل الإمام أحمد بما فعله النبي عليه الصلاة والسلام في آخر حياته، لما جاء وجلس عند أبي بكر، فلم يأمر الناس بالجلوس. فلم يأمر الناس بالجلوس. مع أنه في حديث عائشة رضي الله عنها: لما جحش -سقط من الخيل- فجحشت رجله، فلم يستطع القيام، فرآه الناس يصلي جالسًا، فجاءوا خلفه وصلوا قيامًا، فأشار إليهم أن يجلسوا. لكن هنا لم يشر إليهم، بل تركهم قيامًا. فقال الإمام أحمد: إذا صلى -ابتدأ الإمام صلاته وهو جالس- وهنا يصلي خلفه جلوسًا. لكن كما قلنا: الخلاف هل وجوبًا أو استحبابًا؟ وإذا انتصف الصلاة مثلاً، أو في أثناء الصلاة جلس الإمام، فإنه لا يجلس خلفه، لا يجلس من خلفه، يصلون قيامًا. وهذا القول انتصر، أو قال به أيضًا الإمام ابن المنذر في كتابه «الأوسط»، أيد قول الإمام أحمد؛ لأن الأدلة تسعفه. فلهذا فالقول الصحيح في هذه المسألة هو قول الإمام أحمد رحمه الله، وقد رجحه أكثر المعاصرين، كالشيخ العثيمين، وكذلك الشيخ الألباني، وأيضًا شيخنا ابن باز، وغيرهم من علماء السلف. فهو الصحيح في هذا، قول به أو يلزم للعمل بالأدلة جميعًا. أما القول بالنسخ ففيه نظر؛ لأن تلك أحاديث كثيرة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجلوس خلف الإمام، فلا ينسخ حديث فعلي. فلهذا ما قاله الإمام أحمد هو أوجه في هذه المسألة. طيب، إن شاء الله وتعالى نكتفي بهذا.