الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 28، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش حكم غسل داخل العينين في الوضوء والجنابة، ويخلص إلى عدم وجوب غسل داخل العينين لعدم ورود أمر أو فعل بهذا الشأن عن النبي. يُستند في ذلك إلى أقوال الفقهاء وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
يتناول آراء الفقهاء حول استحباب إطالة الغرة وتحجيل الوضوء، ويشدد على أهمية الوسطية في الدين، محذرًا من الإفراط والتفريط. يُظهر أدلة الطرفين حول إطالة الغرة ويُناقش أهمية التوسط في الدين.
يناقش أهمية الوسطية في الدين ويحذر من الإفراط والتفريط، مستشهدًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يشدد على أن خير الأمور أوساطها وأن الله جعل الأمة الإسلامية وسطا.
يتمنى المؤلف أن ينفع الله بكتابه قارئه وسامعه، ويُنهي كتابه بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُعتبر هذا ختامًا للكتاب الماتع النافع.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه "مكائد الشيطان": فصل، وأما ما ذكرتموه عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما، فشيء تفرد به دون الصحابة، ولم يوافق ابن عمر على ذلك أحد منهم، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إن بي وسواسا، فلا تقتدوا بي، ويريد بذلك غسل داخل عينيه، رضي الله تعالى عنه. فهذا مما تفرد به ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وظاهر مذهب الشافعي وأحمد أن غسل داخل العينين في الوضوء لا يستحب، وإن أمن الضرر -يعني وإن أمن الضرر من غسلهما- فإنه لا يستحب أن يغسل داخل عينيه؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله قط، ولا أمر به -أي ولا أمر بذلك-. وأما حديث "إذا توضأتم فأشربوا أعينكم الماء"، فهو حديث موضوع، ذكروا من أبي حاتم في "العلل"، وفيه البختري، قال فيه من عدي في "الكامل": روى عن أبي هريرة قدر عشرين حديثا، عامتها مناكير، منها "أشربوا أعينكم الماء". قال الذهب: هذا أنكرها. قال: وقد نقل وضوءه جماعة كعثمان وعلي وعبد الله من زين، وهؤلاء ثلاثة، الأحاديث بصفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. قال: والربيع بنت معوذ وغيرهم، فلم يقل أحد منهم إنه غسل داخل عينيه. فنقل وضوء النبي عليه الصلاة والسلام نقلا دقيقا، ومع ذلك لم يذكروا أنه غسل داخل عينيه عليه الصلاة والسلام. وفي وجوبه في الجنابة روايتان عن أحمد، أصحهما أنه لا يجب، وهو قول الجمهور، وهو الصحيح. وعلى هذا فلا يجب غسلهما من النجاسة، وأولى؛ لأن المضار -المضرة به- أغلب لزيادة التكرار والمعالجة. وقالت الشافعية والحنفية: يجب؛ لأن إصابة النجاسة لهما تندر، فلا يشق غسلهما منها -يعني قالوا في حالة إصابة النجاسة يجب غسلهما؛ لأن هذا الشيء نادر- فعلى ذلك فيجب أن يغسل ما أصابهما من نجاسة. وهذا أيضا خلاف الصواب. قال: وغلا بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، فأوجب غسلهما في الوضوء، وهو قول لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه. والصحيح أنه لا يجب غسلهما في وضوء، ولا جنابة، ولا من نجاسة؛ لعدم أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، وعدم فعله عليه الصلاة والسلام. قال: وأما فعل أبي هريرة رضي الله عنه، فهو شيء تأوله، وخالفه فيه غيره، وكانوا ينكرونه عليه. وهذه المسألة تلقب بمسألة "إطالة الغرة"، وإن كانت الغرة في الوجه خاصة -يعني يريد ما كان من أبي هريرة رضي الله عنه من المبالغة في إطالة الغرة في الوضوء حتى يصل غسله ليديه إلى المنكبين، وغسله لوجه إلى شعر الرأس- فيقول: هذا مما تأوله أو غرر رضي الله عنه وتفرد به. والغرة: البياض يكون في ناصية الفرس، بياض يكون في ناصية الفرس، ويريد بذلك الحديث، وسيذكره رحمه الله. قال: وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وفيها روايتان عن الإمام أحمد. إحداهما: يستحب إطالتها، وبها قال أبو حنيفة والشافعي، واختارها أبو البركات ابن تيمية وغيره -أي شيخ، جد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، صاحب "المنطقة"- فأولئك استحبوا إطالة الغرة. قال: والثاني: لا يستحب، وهي مذهب مالك، وهي اختيار شيخنا أبي العباس -أي ابن تيمية رحمه الله- قال: فالمستحبون يحتجون بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم فليطيل غرته وتحجيله"، متفق عليه. ولأن الحلية تبلغ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء -أي كما جاء في الحديث: تبلغ الحلية من المؤمن -أي الحلية ما يلبسه ويتزين به في الجنة من ذهب وفضة- حيث يبلغ الوضوء. قال: قال النافون للاستحباب: هذا احتجاج من ذهب إلى استحباب إطالة الغرة "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من أثر الوضوء" -يعني أنكم تأتون يوم القيامة عليكم آثار الوضوء في وجوهكم، وفي أيديكم، وفي أرجلكم- ثم قال: "فمن استطاع منكم فليطيل غرته وتحجيله". وهذه الزيادة مدرجة من قول أبي هريرة رضي الله عنه، ليست من قول النبي صلى الله عليه وسلم. قال النافون للاستحباب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حد حدودا فلا تعتدوها"، كما في حديث بثعلبة الخشن رضي الله عنه عند الإمام أحمد. قال: والله سبحانه وتعالى قد حد المرفقين والكعبين، فلا ينبغي تعديهما -يعني في الوضوء- قال الله عز وجل: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾. قال: ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينقل -لم ينقل من نقل عنه وضوءه- أنه تعداهما. ولأن ذلك أصل الوسواس ومادته -يعني الزيادة فيما شرع الله- وكذلك تعدي حدود الله. قال: والعبادات مبناها على الاتباع. ولأن ذلك ذريعة إلى الغسل إلى الفخذ؛ لأن الإطالة ما حدها، فإذا قلت: أطل غرتك أو تحجيلك، فستطيل إلى الفخد، ستطيل إلى الفخذ، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وإلى الكتف -يعني في غسل اليدين- وهذا مما يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوه، ولا مرة واحدة. ولأن هذا من الغلو، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو في الدين"، الحديث رواه أحمد والنسائي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال: ولأنه تعمق، وهو منهي عنه. وفي حديث ابن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون". قال: ولأنه عضو من أعضاء الطهارة، فكره مجاوزته كالوجه. وأما الحديث فراويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عيم المجمر، وقد قال: لا أدري قوله "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة -يعني شك في رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم- روى ذلك عنه الإمام أحمد في "المسند". وأما حديث الحلية، فالحلية المزينة ما كان في محله، فإذا جاوز محله لم يكن زينة -يعني أن لبس الحلية يكون في محله الذي يتزين به، فإذا زاد عن محله لم يكن زينة- يعني مثلا لو لبست المرأة الذهب في غير المحل الذي يزين به، لو علقته في كتفها أو في عرضها، لم يكن هذا من الزينة؛ لأنه في غير محله. وهكذا قوله في الحديث: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" المراد به في المحل الذي يحصل به التزين. فصل، وأما قولكم: إن الوسواس خير مما عليه أهل التفريق والاسترسال وتمشية الأمر كيف اتفق إلى آخره -يعني قول الموسوسين أن فعل الموسوس خير مما عليه أهل التفريق ممن حصل منه التفريق والتضيع، وكونه يفعل هذا الأمر على جهة الوسوسة فهو أفضل، أو كذلك أيضا أفضل مما يفعله أهل الإفراط والغلو-. قال: فلعمر الله إنه ما لطرف إفراط وتفريط، وغلو وتقصير، وزيادة ونقصان، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن الأمرين في غير موضع، كقوله: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ -يعني في النفقة- لا تجعل يدك مغلولة -يعني توصف بالشح والبخل وعدم الإنفاق- أو تبسطها وتصرف في البذل والإنفاق، والمطلوب هو الوسط، المطلوب هو الوسط لا إفراط ولا تفريط، كما قال الله عز وجل: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾. قال: وقوله: ﴿آت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا﴾ -يعني بالعدل وعدم الإفراط والتفريط إيتاء أهل الحق حقوقهم- وكذلك مع عدم الإسراف والتبذير. وقوله: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾. وقوله: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾. فدين الله بين الغالي فيه والجاف عنه، وخير الناس النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، فهم وسط بين إفراط المفرط أو تفريط المفرط، وبين إفراط المفرط الغالي. قال: وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا، وهي الخيار العدل؛ لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف، والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها. فهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، أنه وسط في سائر أموره بين تفريط المفرطين وتضيعهم، وبين إفراط كذلك المفرطين. قال: فهذه فصول مختصرة في كيد الشيطان وتلاعبه بهذه الأمة، يعرف بها المسلم الحنيف قدر نعمة الله تعالى عز وجل عليه، وما من به عليه من نعمة العلم والإيمان، ويهتدي بها من أراد الله تعالى هدايته من طالب الحق من هذه الأمة. ومن الله التوفيق والإرشاد إلى سواء الطريق. وليكن هذا آخر الكتاب. فما كان منها صوابا فمن الله وحده، هو المان به، وما كان منها من خطأ فمن مؤلفه ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله. والله سبحانه المسؤول والمرغوب إليه المأمول أن يجعله خالصا لوجهه، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، إنه قريب مجيب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا. هذا آخر هذا الكتاب الماتع النافع "مكائد شيطان" الإمام للقيم رحمه الله. نسأل الله جل وعلا أن يغفر له وأن يرحمه وأن ينفع قارئه وسامعه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.