الدرس في القواعد والأصول الجامعة 66، ألقاها
يتم ترجيح قول المتعاملين في حالة الاختلاف بالرجوع إلى الأصول والقواعد الشرعية والدليل الأقوى. يتم ذلك بالاستناد إلى القرائن المرجحة مثل الأصل في الأشياء الإباحة أو براءة الذمم.
يقدم قول البائع عند الاختلاف في الشرط أو الأجل أو الصفة الزائدة إذا لم يكن هناك بينة، لأن الأصل هو عدم الشرط أو الأجل أو الصفة الزائدة. يؤكد ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
إذا اختلف المتعاملان ولم يكن بينهما بينة، فإن القول قول من ينفي الشرط أو العيب. يمكن حل الخلاف بالتراضي بالصلح أو رد السلعة واستعادة الثمن إذا تساوت الترجيحات.
يُنهي الحديث حول قاعدة معينة بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيراً إلى انتهاء الكلام حول هذا الموضوع.
الحمد لله رب العالمين. المتعاملان في شيء من متعلقات المعاملة يرجح أقواهما دليلا. هذه القاعدة فيما يتعلق باختلاف المتعاملين في شيء من المعاملات، إذا اختلفا مثلا في ذكر شرط من شروط المعاملة، أو في ذكر أجل، أو في صفة من صفات هذا المبيع مثلا أو نحو ذلك، فيرجح أقواهما دليلا، الذي معه الدليل قوي، فقوله هو المقدم. قال: والترجيحات كثيرة، الرجوع إلى الأصول، فمن معه أصل قدم على الآخر. يعني يرجع بالترجيح إلى معرفة الأصول، فمن كان معه أصل قدم على غيره. فمر معنا مثلا أن الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل مثلا في العبادات الحظر، والأصل مثلا براءة الذمم من الحقوق والتكاليف، ونحو ذلك من مثل هذه الأصول. قال: فمن معه أصل قدم على الآخر. فمثلا إذا تخاصم إثنان في عين، وليس لواحد منهما بينة، لكن هذه العين كانت في يد أحدهما، فنقول: إذن هي لمن في يده، لأن الأصل ما دامت أنها في يده أنها ملكه، يتصرف فيها تصرف مالك، كما هو معروف في العرف. مثلا اختصم في دابة، وهذه الدابة في يد أحدهما، وليس لأحدهما بينة، لكن كون هذه الدابة في يد أحدهما هذا يرجح أنها له، وأنها ملكه. فإذا كان كذلك، فنقول: هي ملك لمن هي في يده، إلا إذا أتى الآخر ببينة تدل على أنها له، هي أقوى من كونها في يده، حينئذ تقدم. لكن إذا لم يعارضها شيء أقوى منها، فنقول: الأصل ما دامت أنها في يده فهي ملكه. قال: وكثرة القرائن المرجحة. يعني كذلك إذا وجدت قرائن ترجح أن هذا الحق لأحدهما دون الآخر، عمل بهذه القرائن. مثلا اختصم اثنان في آلة، آلة نجارة مثلا، كل واحد منهما أمسك بطرف منها، كل يقول: هذه لي، ويدعي أنها له. نظرنا، فإذا أحدهما نجارا والآخر ليس بنجار، وهذه الآلة المتنازع فيها آلة نجارة، نقول: إذن هذه قرينة تدل على أن هذه الآلة لهذا النجار، فهو أحق بها. أو اختلفا في آلة حدادة، وأحدهما حداد والآخر ليس بحداد، فهذه قرينة ترجح أن هذه الآلة للحداد، وهكذا. قال: ولذلك قال العلماء: إذا اختلف المتعاملان في شرط أو أجل أو صفة زائدة، فالقول قول من ينفي ذلك، لأن الأصل عدمه. يقول: إذا اختلف المتعاملان في شرط، اشترى المشتري بضاعة من البائع، ثم ادعى المشتري أنه اشترط في هذه البضاعة شرطا، ونفى البائع أن يكون هناك شرط، فالبائع ينفي والمشتري يثبت، فأيهما نقدم؟ نقول: نقدم قول البائع، لماذا؟ لأن الأصل عدم الشرط، إلا إذا أتى المشتري ببينة، إذا أتى بورقة مثلا وفيها هذا الشرط، نقول: نعم، إذن قولك هو المؤيد الصحيح. لكن ما معه بينة، فالأصل هو عدم الشرط، فيقدم قول البائع. وكذلك أيضا مثلا في النكاح، إذا ادعى أحد الزوجين شرطا ونفى الآخر، وليس هناك بينة، فالأصل عدم الشرط. مثلا ادعت الزوجة أنها اشترطت على زوجها ألا يخرجها من بلدها، فنفى الزوج هذا الشرط، فمن نقدم؟ نقدم قول النافي، لماذا؟ لأن الأصل هو عدم الشرط، إلا إذا أتت الزوجة ببينة، فحينئذ يقدم قولها. قال: أو أجل، إذا حصل الاختلاف في الأجل. قال البائع: أنا لم أجعل لك أجلا في دفع الثمن. وقال المشتري: بل جعلت لي أجلا لمدة مثلا أسبوع. فالمشتري يثبت الأجل والبائع ينفي، فأيهما نقدم؟ نقدم قول البائع، لأن الأصل هو عدم الأجل، الأصل أن الإنشاء إذا اشترى بضاعة يدفع الثمن ويأخذ السلعة، فإذا ادعى المشتري أن هناك أجل يحتاج ماذا إلى بينة تثبت ذلك، لأن الأصل عدمه. ومن كان معه الأصل فإن جانبه هو الأقوى. أو اختلف في مدة الأجل، إذا قال البائع: نعم هناك أجل، لكن ليس هذا الأجل الذي ادعيته. المشتري يقول: الأجل سنة، والبائع يقول: لا بل الأجل خمسة أشهر، فهنا نقدم قول البائع، لأن الأصل أولا عدم الأجل، فلما أثبت البائع الأجل، فإننا نأخذ بالمدة التي ادعاها البائع. قال: أو صفة زائدة، إذا اختلف في صفة زائدة في المبيع. مثلا يقول المشتري: أنا اشترطت في هذه الشاة أن تكون حلوبا. وقال البائع: لم تشترط. الآن اختلف في صفة زائدة. قال: بل اشترط أن تكون سمينة، وهذه سمينة. فالمشتري يثبت ويدعي أنه اشترط صفة زائدة على السمن، وهي كونها حلوبا، والبائع ينفي ذلك، فنقدم قول البائع، لأنه الأصل عدم هذه الصفة أو اشتراط هذه الصفة الزائدة، إلا إذا جاء ببينة. قال: فالقول قول من ينفي ذلك، لأن الأصل عدمه. يعني الأصل عدم الشروط، وعدم الأجل، وعدم الصفات الزائدة في المبيعات وفي المعاملات، إلا إذا جاء من يدعي ذلك ببينة، فإنه حينئذ يقدم قوله. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر». قال: وإذا اختلف هل العيب حادث بعد الشراء، فالقول قول البائع. إذا اختلف هل العيب حادث بعد الشراء، اشترى المشتري سلعة من البائع، مثلا مسجلة، ثم جاء وقال: هذه المسجلة معيبة. البائع يقول: لا، هي ليست معيبة. نقدم قول من؟ قول البائع، لماذا؟ لأن الأصل عدم العيب، أنت اشتريتها ورأيتها، وربما جربها عنده، فإذا هذا العيب حادث بعد البيع، ربما عابها هو المشتري في سوء تصرف أو سوء حفظ، فحصل لهذا العيب، ثم جاء يدعي أن العيب من البائع، فنقول: القول هنا قول البائع، أن الأصل هو عدم العيب. قال: وإذا اختلف الزوجان في الشروط التي يدعي أحدهما أنه شرطها وينفيها الآخر، فالقول قول نافي، لأن الأصل ماذا؟ عدم الشروط، فلهذا من نفى الشرط فقوله مقدم. كما ذكرنا: ادعت الزوجة أنها اشترطت أن لا يخرجها من بلدها، قال الزوج: لا، لم تشترط. فالقول قول الزوج، ولو اشترط الزوج مثلا قال: أنا اشترط يعني أن تكون كذا وكذا من الأوصاف، فقال الولي مثلا: أنه لم يشتر ذلك، فالقول قوله، فالذي ينفي القول قوله، لأن الأصل هو عدم الشرط. قال: فإن تساوى المتعاملان في الترجيح أو عدمه، تراد المعاملة، إلا أن يرضى أحدهما بقول الآخر. يعني إذا لم يكن عندنا ما يرجح قول أحدهما على الآخر، أقوالهما متقاربة والمرجحات متساوية، يحتمل أن يكون هذا صادق أو هذا صادق فيما يدعي كل منهما، فهنا عندنا أمرين: إما أن يتصالحا، والصلح خير. مثلا اختلفا في ثمن السلعة، المشتري يقول: السلعة بمئة، والبائع يقول: بمئة، والمشتري يقول: بثمانين، فنقول: نصلح بينكما، نجعلها تسعين من باب الصلح. هذا إذا اصطلحا على ذلك ورضيا بذلك، فالحمد لله. إن لم يمكن ذلك، فهنا يتراد المشتري يرد السلعة والبائع يرد له ثمن السلعة. اختلفا في ثمن السلعة، المشتري يقول: هذه السلعة بعشرة آلاف، والبائع يقول: بعشرة آلاف، والمشتري يقول: بل هي مثلا بستة آلاف، فحصل بينهما الخلاف. ما أمكننا أن نصلح بينهما، نقول: إذن رد المشتري السلعة للبائع، والبائع يرد الثمن الذي دفعه المشتري له، وحينئذ ينتهي هذا الخلاف. ودليل المرادة إذا لم يمكن الصلح، ما جاء عند الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أنه اختلف مع الأشعث بن قيس في سلعة، في ثمن سلعة، فقال الأشعث: هي بعشرة، وقال ابن مسعود: بل هي بعشرين. فلما حصل بينهما هذا الخلاف، قال ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة والمبيع قائم بعينه، فالقول قول البائع، ثم يترادان». ثم رد له سلعة وثمن السلعة. إذن هذا هو الحكم فيما إذا حصل الخلاف وتساوت الترجيحات، فحينئذ يتراد المبيع، يرد المشتري السلعة، ويرد البائع الثمن للمشتري، وحينئذ ينتهي الخلاف. هذا ما يتعلق بهذه القاعدة إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.