شرح اصول السنة للحميدي 8

الدرس في شرح اصول السنة للحميدي 8، ألقاها

عقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب الكبائر وموقفهم من الفرق الأخرى

يشرح المقطع عقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب الكبائر، ويوضح موقفهم من الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون المسلمين بارتكاب الذنوب والمعاصي. أهل السنة لا يكفرون أصحاب الكبائر بل يرونهم مؤمنين ناقصي الإيمان إذا لم يستحلوا الكبائر.

أدلة أهل السنة والجماعة على عدم تكفير أصحاب الكبائر

استدل أهل السنة والجماعة بأدلة الوعد والوعيد في القرآن والسنة، وبأحاديث الشفاعة التي تثبت أن أصحاب الكبائر يخرجون من النار بعد تعذيبهم، على أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر إذا لم يستحلها.

حكم مانع الزكاة وتفاصيل حول أصحاب الكبائر

مانع الزكاة ليس كافرا بل تحت مشيئة الله، وقد وردت أحاديث نبوية حول عقوبة مانع الزكاة. أهل السنة والجماعة يقولون بأن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله، إما يعذب وإما يغفر له.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر الحميدي رحمه الله في رسالته «أصول السنة»: «أن لا نقول كما قالت الخوارج: من أصاب كبيرة فقد كفر، ولا تكفير بشيء من الذنوب». ما عندهم لا نكفر، ها عندك ولا تكفير. ولا تكفير بشيء من الذنوب، وإنما الكفر في ترك الخمس التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». أراد بهذا الموضع أن يبين عقيدة أهل السنة والجماعة في صاحب الكبيرة، وأن أهل السنة والجماعة لا يكفرون أصحاب الكبائر كما يفعل الخوارج. والخوارج فرقة من الفرق الضالة المنحرفة التي تكفر المسلمين بارتكاب الذنوب والمعاصي. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بظهورهم، كما ثبت بالصحيح في قصة ذي الخويصرة، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ويحك، فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟» فقال أحد الصحابة: «دعني أضرب عنقه يا رسول الله». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعوه، فإنه يخرج من ضئضئ هذا أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». وقال عليه الصلاة والسلام فيهم: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم». وأخبر عليه الصلاة والسلام بقتلهم للمسلمين: «يقتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان». وقال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». وكذلك أخبر عليه الصلاة والسلام بأنهم شر قتلى تحت أديم السماء، بل وسماهم عليه الصلاة والسلام «كلاب أهل النار». فهذه الفرقة المارقة الضالة تكفر المسلم بارتكاب الكبيرة، بارتكاب شيء من الكبائر والذنوب، وربما أيضا كفرت بارتكاب شيء من الصغائر. ومثلهم المعتزلة، فالمعتزلة والخوارج كلاهما يتفقان على أن صاحب الكبيرة مخلد في نار جهنم، أي في الحكم عليه في الآخرة. فقد اتفقتا على أنه يخلد في النار. وأما في الدنيا فاختلف، فالخوارج قالت بأنه كافر، والمعتزلة قالت: هو في منزلة بين المنزلتين، أي لا مؤمن ولا كافر. وعلى هذا اختلفوا في حكم دمه وماله، فالخوارج استحلوا دمه وماله، والمعتزلة توقفوا. فالخوارج ومن نحى نحوه من المعتزلة وقعوا في هذه البدعة الضالة المنحرفة بسبب أنهم نظروا إلى أدلة الوعيد التي فيها ذكر العقوبة بدخول النار، وكذلك أيضا تخليد صاحب الذنب. وغلوا في إثبات هذه الأدلة دون النظر إلى آيات الوعد التي فيها المغفرة والرحمة، وكذلك أيضا العفو عفو الله عز وجل عن العباد. فغلبوا جانب أدلة الوعيد على أدلة الوعد، فوقعوا في هذه البدعة. مثل قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾، وقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وهكذا أيضا في ذكر عقوبة صاحب الربا وآكل الربا، وغير ذلك من آيات الوعيد. فحكموا على صاحب الكبيرة بأنه كافر. وأهل السنة والجماعة طبعا في مقابل الخوارج قوم أرادوا الرد عليهم، فوقعوا في بدعة أخرى وهي بدعة الإرجاء. وهؤلاء غلبوا أدلة الوعد التي فيها المغفرة والرحمة، غلبوها على أدلة الوعيد، فوقعوا في الإرجاء. وقالوا بأن المؤمن إذا آمن فمهما عمل من الذنوب والمعاصي فلا يؤثر ذلك في إيمانه، حتى قالوا بأن إيمان الفاجر الفاسق كإيمان أبي بكر وعمر. وهؤلاء أيضا لا شك أنهم ضلال. وأهل السنة والجماعة نظروا في أدلة الوعيد، أو في أدلة الوعد، وجمعوا بينها. فكان لهم القول الصواب والقول السديد الذي تجتمع به الأدلة. أن مرتكب الكبيرة ومرتكب الذنب إذا فعل هذا الذنب وهو غير مستحل له، فهو مؤمن ناقص الإيمان. فلا يسلب عنه اسم الإيمان، أي مطلق الإيمان، لكن يسلب عنه الإيمان المطلق، أي الإيمان الكامل. فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته. فأثبت له أصل الإيمان لأنه لم يكفر بارتكابه لهذا الذنب، مع كون إيمانه ناقص بسبب فعله لهذه الكبيرة. ومن ذلك مما يدل على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، من الأدلة على أن العبد لا يقع في الكفر إذا وقع في شيء من الكبائر، أحاديث الشفاعة. أحاديث الشفاعة التي ثبتت في السنة في شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وشفاعة الأنبياء، وشفاعة الصالحين، بل وشفاعة أرحم الراحمين جل وعلا، في إخراج أقوام استحقوا دخول النار، فيعذبون فيها ما شاء الله، ثم يخرجون منها. كما في حديث جابر: «يخرجون كأنهم السماسم»، يعني قد احترقوا من شدة عذاب النار، ثم يلقون في نهر يقال له نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. وأكد في الحديث الآخر الذي يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بشفاعة الأنبياء، ثم الصالحين، حتى يبقى أرحم الراحمين، فيقبض قبضة، فيخرج أقواما من النار لم يعملوا خيرا قط. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». والحديث في بعض السنن من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. فحديث الشفاعة يدل على أن صاحب الكبيرة ليس بكافر، إذ لو كان كافرا لما خرج من النار، لأن الكافر يخلد في نار جهنم. فلما خرج منها بالشفاعة، علم ذلك بأنه ليس بكافر، إذ أن الشفاعة للكافر لا تنفع، الشفاعة للكفار غير نافعة كما أخبر الله عز وجل: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. وهكذا أيضا حديث أبي هريرة في الصحيحين في ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بعقوبة مانع الزكاة، قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهروا، في يوم كان مقدار خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». ثم ذكر مانع زكاة الإبل، ثم مانع زكاة البقر، ثم مانع زكاة الغنم، وقال فيها كلها: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». ولو كان كافرا لما قال: «ثم يرى سبيله»، لو كان كافر لكان سبيله إلى النار. لكن لما قال: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار»، دل على أنه تحت مشيئة الله، تحت مشيئة الله، إن شاء الله عز وجل عذبه، وإن شاء غفر له. وكذلك أيضا قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، ما دون ذلك أي ما دون الشرك، وما هو ما دون الشرك كبائر الذنوب. إذا كان صاحب الكبيرة تحت المشيئة، دل هذا بأنه ليس بكافر، دل على أنه ليس بكافر، بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. وإن كان ولا بد أن يعذب أناس من أهل الكبائر في النار كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بدخول أناس من أهل الكبائر النار، لكن لا نجزم بأن صاحب الكبيرة ماذا يدخل النار، لكن نقول عمله هذا يوصله إلى النار، وهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. ولا نقول كما يقول الخوارج بأنه كافر وخارج عن دين الإسلام، بل هو مسلم بإسلامه، ومؤمن بإيمانه، وفاسق بمعصيته. وإن استدلوا بحديث أبي هريرة بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن». فالجواب أن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «وهو مؤمن»، يعني لا يفعل هذه الكبيرة حين يفعلها وهو كامل الإيمان. ولو كان كذلك لما تجرأ على فعل هذه الكبيرة، لكن ما فعلها إلا وهو ناقص الإيمان، إلا وهو ناقص الإيمان. أو يسلب عنه اسم الإيمان، ويراد بذلك إثبات الإسلام، فلا يلزم من نفي الإيمان نفي الإسلام. فلا دليل في هذا الحديث على أن صاحب الكبيرة كافر إذا فعل أو ارتكب الكبيرة. وقوله: «ولا تكفير بشيء من الذنوب»، يريد بهذا: لا نكفر بكل ذنب كما يفعل الخوارج. وإن كانت عبارته فيها شيء من العموم والإطلاق، لأن قد تحمل على أن المراد: لا تكفير بشيء من الذنوب مما لا يستوجب الكفر، مما لا يستوجب الكفر، بخلاف إذا وقع في شيء من الذنوب التي توجب الكفر، فهنا له حكم آخر. لكن لا نكفر بكل ذنب كما يفعل الخوارج، أو بكل كبيرة فيكفرون، مثلا شارب الخمر، أو آكل الربا، أو مرتكب الزنا، أو قاتل النفس، أو غير ذلك من كبائر الذنوب. بل عقيدة أهل السنة والجماعة كما سمعنا: أن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. ومسألة كفر من ترك أركان الإسلام سيأتي الكلام عليها إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على