الدرس في شرح اصول السنة للحميدي 6، ألقاها
أهل السنة والجماعة يؤمنون برؤية الله يوم القيامة استناداً إلى أدلة من الكتاب والسنة والإجماع، وتعد هذه الرؤية زيادة على نعيم الجنة للمؤمنين. رؤية الله يوم القيامة ثابتة بالإجماع وأدلة قاطعة.
أهل السنة مجمعون على إثبات رؤية المؤمنين لله يوم القيامة ونفي رؤيته في الدنيا، مع اختلاف في رؤية النبي لربه ليلة الإسراء والمعراج. الجهمية والمعتزلة أنكروا رؤية الله يوم القيامة.
اختلف الصحابة في رؤية النبي لربه ليلة الإسراء والمعراج، ويمكن التوفيق بين الأقوال بأن المقصود هو نفي الرؤية بالعين. استدل العلماء بآيات وأحاديث على ذلك.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر الحميدي رحمه الله في رسالته «أصول السنة»: قال «والإقرار بالرؤية بعد الموت» أي من أصول السنة التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة والإجماع، وعليه عقيدة أهل السنة والجماعة الإقرار بالرؤية بعد الموت، أي رؤية الله جل وعلا يوم القيامة. فإن الأدلة من الكتاب والسنة قد دلت على إثبات رؤية الله جل وعلا يوم القيامة، وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة. ومن هذه الأدلة قول الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وجوه يومئذ ناظرة يعني فيها نظرة النعيم والبهجة والسرور والفرح بما أنعم الله جل وعلا عليهم من نعيم الجنة، تعرف في وجوههم نظرة النعيم، إلى ربها ناظرة يعني تنظر إلى ربها جل وعلا، ماذا بأعينهم ينظرون إلى ربهم جل وعلا بأعينهم، إلى ربها ناظرة. أو النظر إذا عدي بإلى في لغة العرب فهو يراد به نظر العين. وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، الحسنى الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله، كما جاء ذلك في حديث صهيب عند الإمام مسلم. وكذلك أيضا ثبت عن جمع من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله، كأبي بكر الصديق وابن عباس وحذيفة وأبي موسى، نعم، نقل ذكر ذلك ابن جرير رحمه الله وغيره. وهكذا أيضا في قوله جل وعلا: ﴿وَلَدِينَا مَزِيدٌ﴾، أيضا فسرت الزيادة في هذه الآية كذلك بالنظر إلى وجه الله. وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، وهذا في حق الكفار، أخبر الله عز وجل أن الكفار يحجبون من رؤية الله، فسدل بها الإمام الشافعي رحمه الله على إثبات الرؤية يوم القيامة، قال: إذا حجب الكفار عن رؤية الله جل وعلا بسبب سخطه عليهم، دل ذلك على أن المؤمنين يرون الله لرضا الله سبحانه وتعالى عنهم. وهكذا أيضا وردت الأحاديث الكثيرة بإثبات رؤية الله جل وعلا يوم القيامة، ومنها حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته»، إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته. والحديث في الصحيحين. وقوله عليه الصلاة والسلام: «كما ترون هذا القمر»، المراد بذلك تشبيه الرؤية بالرؤية، يعني كما ترون القمر بأعينكم، لا يحصل لكم زحام في رؤيته، كذلك ترون الله عز وجل يوم القيامة بأعينكم، لا يحصل لكم زحام في رؤيته. وفي بعض الألفاظ في هذا الحديث: «سترون ربكم عيانا»، سترون ربكم عيانا، يعني بأعينكم. فالتشبيه هنا تشبيه للرؤية بالرؤية، تشبيه رؤية القمر برؤية الله عز وجل يوم القيامة، وليس التشبيه للمرئي بالمرئي، فليس التشبيه هنا بتشبيه الله عز وجل بالقمر، فإن الله جل وعلا لا يشابهه شيء ولا يماثله شيء، جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهكذا أيضا حديث أبي هريرة هو بنحو حديث جرير، هو في الصحيح، وجاء أيضا بنحوه من حديث أبي سعيد. وهكذا أيضا في حديث أبي هريرة وأبي سعيد في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام برؤية المؤمنين لله جل وعلا في عرصات يوم القيامة. وهكذا أيضا حديث صهيب في مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يقول الله عز وجل لأهل الجنة: يا أهل الجنة، أتريدون شيئا؟ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله عز وجل: أتريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجه ربهم» أو «إلى ربهم». وهذا الحديث حديث صهيب، انتقده بعض الحفاظ، لكنه صحيح من حيث المعنى لدلالة أدلة الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة على ذلك. أيضا حديث أبي هريرة في الصحيحين في قوله عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه»، الحديث، وهو يدل أيضا كذلك على ملاقاة العبد لربه جل وعلا ورؤيته له. وكما سمعنا، أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا يوم القيامة، وخالف في ذلك بعض أهل الأهواء كالجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية، فأنكروا رؤية الله عز وجل يوم القيامة، وقولهم مردود، وهم محجوجون بأدلة الكتاب والسنة وإجماع السلف الأمة على إثبات الرؤية. هذا بالنسبة ليوم القيامة، فالله عز وجل يرى يوم القيامة، يراه المؤمنون في عرصات يوم القيامة، ويرونه بعد دخول الجنة، يرونه في عرصات يوم القيامة ويرونه بعد دخول الجنة. واختلف أهل العلم هل يراه غير المؤمنين في عرصات يوم القيامة؟ على ثلاثة أقوال، منهم من قال: لا يراه في عرصات يوم القيامة إلا المؤمنون فقط، ومنهم من قال: يراه المؤمنون والمنافقون، ومنهم من قال: يراه جميع الخلق، المؤمنون والمنافقون والكفار، ثم يحتجب الله عز وجل عن الكفار. والأدلة التي وردت في رؤية الناس لله جل وعلا يوم القيامة تدل على أن الذي يراه أهم المؤمنون والمنافقون، نعم. وأما الكفار فإنه يحتجب عنهم كما أخبر الله عز وجل أنهم محجوبون عن رؤيته: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. وهنا مسألة أخرى، وهو هل يرى الله عز وجل في الدنيا؟ هل يرى الله عز وجل في الدنيا؟ والجواب أن أهل السنة والجماعة مجمعون أن الله عز وجل لا يرى في الدنيا، لا يرى بالعين والبصر في الدنيا، ومن زعم ذلك فهو كاذب، من زعم أنه رأى الله عز وجل بعينه في الدنيا فهو كذاب. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا. واختلف أهل العلم في رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه حين عرج به إلى السماء، هل رآه أو لم يره؟ فمنهم من قال رآه كابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومنهم من قال إنه لم يره كعائشة وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم وغيرهم من الصحابة، بل جمهور الصحابة على ذلك، على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ير ربه حين عرج به إلى السماء. وعائشة رضي الله عنها كانت تقول: من حدثكم أن محمدا رأى ربه فقد كذب. وثبت نحو ذلك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وقال بعض أهل العلم أن من أثبت الرؤية كابن عباس لم يرد بذلك رؤية العين، فلم يصح عن ابن عباس أنه قال: رأى ربه بعينه، وإنما ثبت عنه أنه قال: «رأى ربه بفؤاده»، يعني بقلبه. والمعنى أنه رآه رؤية قلبية لا رؤية بصرية. ومن نفى كعائشة وابن مسعود وغيرهم أرادوا نفي رؤية الله عز وجل بالعين، أرادوا نفي رؤية الله بالعين. وحينئذ لا يكون بين الصحابة خلاف في عدم رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه بعينه يوم المعراج، فمن أثبت الرؤية أراد رؤية القلب، يعني رؤية قلبية منامية، ومن نفى الرؤية أراد نفي رؤية البصر. وحينئذ تتفق أقوالهم على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ير ربه بعينه. وأبو ذر سأل النبي عليه الصلاة والسلام: هل رأيت ربك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «نور أنى أراه»، نور أنى أراه. وفي رواية قال: «رأيت نورا». والمعنى أنه لم ير الله، إنما رأى الحجاب. وفي الحديث: «حجابه النور، لو كشفه لأحرق سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره من خلقه». ومما يدل على أن الله عز وجل لا يرى في الدنيا قول الله عز وجل عن موسى حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني في الدنيا، ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا، فلما أفاق قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين. فموسى طلب من الله عز وجل أن يراه، طلب من الله عز وجل أن يعني يظهر له أن يراه، فقال الله عز وجل له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني لن تتحمل رؤيتي ولن تستطيع رؤيتي في الدنيا، ثم علق الله عز وجل الرؤية بشيء ممكن وهو ثبوت الجبل واستقراره، ثبوت الجبل واستقراره، فلما تجلى الله عز وجل للجبل ماذا؟ جعله دكا، إن دكا الجبل، فلم يتحمل رؤية الله، فإذا كان هذا الجبل الصلب القوي لم يتحمل رؤية الله، فكيف بالإنسان المخلوق الضعيف يتحمل رؤية الله جل وعلا؟ وهذه الآية استدل بها الجهمية ومن صار على نهجهم في نفي الرؤية لقوله جل وعلا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، لكن ليس فيها دليل لما ذهبوا إليه من نفي الرؤية، لأن «لن» أولا لا تفيد التأبيد، «لن» لا تفيد التأبيد كما قال أهل اللغة، وبذلك يقول ابن مالك: «ومن رأى النفي من المؤبدا فقوله اردد وسواه فعضدا». ثم إن الله عز وجل علق الرؤية بشيء ممكن وهو ثبوت الجبل واستقراره، فدل ذلك على أن رؤية الله ممكنة، لكن في الدنيا ما يمكن ولا يتحمل الإنسان أن يرى الله جل وعلا، لكن في الآخرة يجعل الله عز وجل للعبد وللمؤمن قوة في بصره يتحمل رؤية الله جل وعلا. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا من رؤية وجه الكريم، فإن ذلك من أعظم نعيم أهل الجنة، جعلنا الله عز وجل وإياكم من أهلها. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.