شرح اصول السنة للحميدي 10

الدرس في شرح اصول السنة للحميدي 10، ألقاها

عقوبة مانع الزكاة وأحكامها

مانع الزكاة مع إقراره بوجوبها يرتكب كبيرة من كبائر الذنوب ويستحق العقاب، وتؤخذ منه الزكاة قهرا في الدنيا. هناك أدلة من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية على ذلك.

أحكام الحج وتأخير أدائه

هناك خلاف بين أهل العلم حول وجوب الحج على الفور أو التراخي، واستدل كل فريق بأدلة من القرآن والسنة. بعض العلماء يرون الفور لعموم الأدلة التي تدعو إلى المبادرة بالخيرات.

وجوب الحج على المستطيع والحج عن الغير

يجب على المسلم الحج إذا استطاع إليه سبيلا، وتركه مع الاستطاعة يعد إثما كبيرا. هناك خلاف حول جواز الحج عن الميت الذي لم يحج في حياته مع استطاعته.

قضاء الواجبات بعد وفاة الشخص

يرى جمهور أهل العلم جواز الحج أو الصيام عن الميت إذا لم يؤديه في حياته، ويكون ذلك مستحبًا وليس واجبًا على أوليائه، مستندين إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله -كما ذكره الإمام بكر الحميدي- في رسالته "وصول السنة": فأما الزكاة، فمتى ما أداها أجزأت عنه، وكان آثما في الحبس، يعني في تأخيرها. فالزكاة متى ما أداها أجزأت عنه، وكان آثما في الحبس، يعني يريد أنه إذا أخر الزكاة لا يكون بذلك كافرا مع إقراره بالوجوب. وهذا القول هو القول الصحيح في أن من منع الزكاة بخلا مع إقراره بالوجوب، فإنه لا يكفر، وإن كان واقعا في كبيرة من كبائر الذنوب. والدليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لعقوبة مانع الزكاة، قال عليه الصلاة والسلام: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها زكاتها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". ثم ذكر مانع زكاة الإبل: "وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها، إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، فتعضه بأفواهها، وتطأه بأخفافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". ثم ذكر نحو ذلك في مانع زكاة البقر، ثم في مانع زكاة الغنم. وفي كلها يقول: "ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". وهذا دليل صريح على أن مانع الزكاة ليس بكافر، إذ لو كان كافرا لقال: "ثم يكون سبيله إلى النار". لكن قوله: "ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار"، معنى أنه تحت المشيئة، ولا يكون تحت المشيئة إلا المسلم صاحب الذنب الكبير، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. فدل هذا الحديث على أنه يكون تحت مشيئة الله، مع كونه -كما قلنا- واقعا في كبيرة من كبائر الذنوب، وموعود بهذا الوعيد الشديد الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. وكذا أخبر الله عز وجل به: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أتاه الله مالا فلم يؤدي زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، قال: ثم يأخذ بلهمزتيه -يعني بشدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك». ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فهذا أيضا من عقوبة مانع الزكاة، أن يمثل له شجاع أقرع -يعني حية- يسمى بالشجاع، قيل: وهي الحية التي تجلس على ذنبها، وربما تقف حتى تصل إلى رأس الفرس. وأقرع يعني: لا شعر له من شدة السم، فيعذب به بسبب منعه للزكاة، فيقول: "أنا كنزك، أنا مالك". والكنز: المال الذي يقتنى ولا تخرج زكاته، ما لم يخرج زكاته فهو كنز، وما أدي زكاته فليس بكنز. فهذه الأدلة تدل على أنه يعذب ويعاقب، وأنه معرض لهذا العذاب، لكن بالنسبة للتكفير، فهو إن أقر بالوجوب وبخل بإخراجه، فهو تحت مشيئة الله. وأما في الدنيا، فإن منع أداء الزكاة أخذت منه قهرا، بإجماع أهل العلم. وإن قاتل على منعها، قوتل. كما قاتل أبو بكر رضي الله عنه مانع الزكاة. ومانع الزكاة في عهد أبي بكر، بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا على أصناف ثلاثة، كما ذكر أهل العلم: فمنهم من ارتد عن الإسلام، ورجع إلى ما كان عليه من الكفر. ومنهم من منع الزكاة بخلا مع إقراره بوجوبها. ومنهم كذلك من آمن بمسيلمة الكذاب، والذين كفروا وجحدوا وجوب الزكاة، ومن منع الزكاة جحدا. قاتل أبو بكر رضي الله عنه الجميع، واستدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله». قالوا: إن الزكاة حق المال، وهو من حق الإسلام. وقالوا: والله لو منعوني عناقا -وفي لفظ: عقالا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله، لقاتلتهم على منعه. ووافقه جميع الصحابة رضوان الله عليهم، بعد خلاف عمر له في أول الأمر. فلما تبين له صواب ما قاله أبو بكر، اتفقت كلمة الصحابة وأجمعوا على قتال من منع الزكاة. لكن إذا أداها -يعني أخر إخراجها بعد سنة أو سنتين- قبلت منه، وهو آثم على التأخير. قالوا: أما الحج، فمن وجب عليه ووجد السبيل إليه، وجب عليه، ولا يجب عليه في عامه ذلك، حتى لا يكون له منه بد. متى أداه كان مؤديا، ولم يكن آثما في تأخيره، إذا أداه كما كان آثما في الزكاة. لأن الزكاة حق للمسلمين المساكين، حبسه عليهم، فكان آثما حتى وصل إليهم. بخلاف الحج، فإنه حق لله عز وجل خالص، ليس فيه حق لأحد من الخلق، فإذا أخره ثم أداه بعد ذلك، لم يكن آثما على التأخير. وهذا يأتي إلى مسألة اختلافية بين أهل العلم، وهو: هل الحج على الفور أم على التراخي؟ قولان لأهل العلم. والمؤلف رحمه الله يجنح إلى أنه على التراخي، ولهذا قال: لو أخره ولم يكن آثما. فالإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضا الإمام أبو حنيفة، يذهبان إلى أن أداء الحج على الفور. وذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى أنه على التراخي. والإمام مالك له روايتان في هذه المسألة: رواية أنه على الفور، ورواية أنه على التراخي. والمسألة خلافية بين أهل العلم. والأظهر -والله أعلم- أنه على الفور، لعموم قول الله جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. هذه الآيات فيها الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى فعل الخير. ومن فعل الخير المبادرة بفعل الواجب. وكذلك أيضا أن المبادرة بأداء فريضة الحج فيها براءة الذمة، تبرأ الذمة من هذا الواجب، ويسقط الطلب قبل أن يعرض للإنسان العوارض والموانع التي ربما تمنعه من أداء الحج. وهكذا أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من استطاع الحج فليعجل، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له». فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له، أي من العوارض التي ربما تمنعه وتحجزه من أداء هذا الواجب. وأما استدلال من استدل من أهل العلم على أن الحج على التراخي، بأن الحج فرض في السنة السادسة، وما حج النبي عليه الصلاة والسلام إلا في السنة التاسعة أو في السنة العاشرة، واستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وأن هذه الآية نزلت في السنة السادسة. فالجواب: أن فرض الحج على الصحيح كان في السنة التاسعة. وأما قول الله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، هذا فيه وجوب الإتمام، وفيه وجوب الإتمام، ولم يتعرض الآية إلى وجوب الحج. وإنما كان وجوبها بقول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وهذه الآية كان نزولها في السنة التاسعة. ولم يحج النبي عليه الصلاة والسلام في تلك السنة؛ لأن المشركين كانوا يحجون البيت ويطوفون عراة حول البيت، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أولا أن يأتي المنع من طواف المشركين حول البيت، حتى نزلت آيات براءة، فبعث بها النبي عليه الصلاة والسلام مع علي رضي الله عنه، وتبع بها أبا بكر حين حج بالناس في السنة التاسعة. وأعلنت هذه الآيات بالبراءة من المشركين ومنعهم من الطواف حول البيت عراة. فلما تهيأت الأمور، مع انشغال النبي عليه الصلاة والسلام في السنة التاسعة بالوفود الذين وفدوا عليه من أهل الإسلام من سائر الأقطار، حج النبي عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة: حجة الوداع. قال رحمه الله: وإن هو مات وهو واجد مستطيع ولم يحج، سأل الرجعة إلى الدنيا أن يحج. ويجب لأهله أن يحج عنه. ونرجو أن يكون ذلك مؤديا عنه، كما لو كان عليه دين فقضي عنه بعد موته. يعني أن الحج عبادة متعلقة بالعبد بينه وبين ربه، ليس لها تعلق بأحد من الخلق، بخلاف الزكاة؛ لأن الزكاة إخراج المال لمن يستحق من الفقراء والمساكين وغيرهم من الأصناف الثمانية، ففيها تعلق بحق الآخرين. لكن الحج عبادة خالصة لله، عبادة خالصة لله بين العبد وبين ربه. قال: إذا أداه فقد أداه، يعني إذا حج أداه، أداه هذا الواجب الذي عليه. وإن هو مات وهو واجد مستطيع ولم يحج، كان بهذا آثما، ولا يكون كافرا إذا كان مقر بوجوب الحج ولم يحج مع استطاعته، فهو آثم ومرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب. وقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "من استطاع الحج فلم يحج، فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا"، كما عند البيهقي رحمه الله. وورد مرفوعا عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن فيه ضعف. وإنما صح موقوفا من قول عمر. وهذا حمله أهل العلم على أن من استطاع الحج فلم يحج، وأنكر وجوب الحج أو استحل تركه، فهذا يكون كافرا. أما إن تركه تكاسلا مع اعتقاده بوجوب الحج، فهو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، وموعود بوعيد شديد. وهذا القول هو من باب الزجر والتهديد والتشديد في أمر ترك الحج مع الاستطاعة. قال: ويجب لأهله أن يحج عنه. أما قول: يجب لأهله أن يحج عنه، الصحيح أنه لا يجب عليهم، بقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. هو الذي فرط في ترك هذا الواجب مع استطاعته له، فيتحمل إثم تفريطه، ولا يتحمل أهله عنه ما ترك من الواجب. لكن هل يحجون عنه وينفع ذلك؟ هذه أيضا مسألة خلافية بين أهل العلم. من أهل العلم من يقول: إنه يحج عنه، ويكون الحج دينا في ذمته؛ لأنه كان مستطيعا وتركه، فيستحب لبعض أوليائه أن يحج عنه، ويسقط عنه هذا الدين. ومن أهل العلم من يقول: لا يجزئ أن يحج عنه؛ لأن النيابة في هذه العبادات التي أمر الإنسان أن يقوم بها بنفسه -أمر أن يقوم بها بنفسه- كالصلاة والصيام والحج، فإذا فرط في فعلها من غير عذر، وترك أداء هذا الواجب، فإنه لا يجزئ أن يؤدى عنه. ورجح ذلك الإمام النووي رحمه الله في حاشيته على سنن أبي داود: أنه لا يجزئ أن يصام عنه أو أن يحج عنه، ما دام أنه قد فرط في ترك هذا الواجب. ولهذا قال هنا: ونرجو أن يكون ذلك مؤديا عنه، كما لو كان عليه دين فقضي عنه بعد موته. يعني يقول: كما أن الدين إذا كان عليه دين ومات وهو في ذمته، فأداه عنه أولياؤه، قبل ذلك وأجزأ، فكذلك أيضا ما كان من حق الله جل وعلا كالحج، إذا مات هو مستطيع ولم يحج، فهو دين في ذمته، إذا حج عنه بعض أقاربه وأوليائه، فنرجو أن يكون ذلك مؤديا عنه. وهذا كما سمعنا على الحقول الصحيحة من أهل العلم: بأن ذلك يجزئ. وإلا فالأمر خطير وشديد: أن الإنسان يترك الواجب مع استطاعته، ثم يفرط في ترك هذا الواجب، كما لو أن إنسانا أراد أن يحج عن شخص وهو قادر ومستطيع، فحج عنه، ما أجزأ ذلك. إنسان يستطيع الحج ببدنه وبماله ولم يحج، وذهب إنسان عنه يحج، ما يقبل هذا منه؛ لأنه هو المخاطب بهذا الواجب. فهكذا إذا فرط وترك هذا الواجب، فعلى قول من قال من أهل العلم: إنه لا يجزئ عنه. وإن كان جمهور أهل العلم على أنه يجزئ أن يحج عنه أو يصام عنه، إذا مات ولم يؤدي هذا الواجب، فيكون دينا في ذمته، لكن ليس على سبيل الوجوب، وإنما على سبيل الاستحباب، يستحب لبعض أوليائه أن يصوم عنه أو يحج عنه، ولا يكون واجبا عليهم؛ لما سمعنا من قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. تم الكتاب، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.

شاركنا على