الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 3، ألقاها
يتم وصف النبي محمد في التوراة بأوصاف حميدة، وأمته يحمدون الله في كل حال. هذه الأوصاف تأتي من خلال أحاديث مختلفة.
حديث ربيعة الجرشي يشرح تشبيه الإسلام بالدار والجنة بالمأدوبة، حيث النبي صلى الله عليه وسلم هو الداعي، والله هو السيد. الحديث ضعيف السند لكن صحيح المعنى.
النبي صلى الله عليه وسلم يشرح مثلاً ضربه الملائكة له، حيث شبه الله تعالى الجنة بقصر ودعا إليه عباده. هذا المثل يوضح أهمية الإجابة لداعي الله.
الحديث مرسل لأن أبا عثمان النهدي تابعي لم يدرك النبي، لكن أصله موجود في الصحيح. الدرس يختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي -رحمه الله- في مقدمة سننه: قال أخبرنا زيد بن عوف، قال: وحدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ذكوان أبي صالح، عن كعب في السطر الأول -يعني من التوراة- «محمد رسول الله، عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة وهجرته بطيبة، وملكه بالشام». وفي السطر الثاني «محمد رسول الله، أمته الحمدون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرون على كل شرف، رعاة الشمس -يعني يرعون في النهار- يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، ولو كانوا على رأس كناسة، ويأتزرون على أوساطهم، ويوضئون أطرافهم، وأصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل». هذا الأثر منقطع؛ لأنه من طريق ذكوان أبي صالح، عن كعب. قال أخبرنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي فروة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه سأل كعب الأحبار: كيف تجد نعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في التوراة؟ قال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة، ويهاجر إلى طابة -المدينة- ويكون ملكه بالشام، ليس بفحاش، ولا صخاب في الأسواق، ولا يكافئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، قمته الحمادون، يحمدون الله في كل سراء وضراء، ويكبرون الله على كل نجد -يعني كل مرتفع- يوضعون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلواتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جو السماء. ظاهره الصحة إلى كعب -يعني صحيح إلى كعب- وله شواهد. من حديث سلمان، قال أخبرنا حيوة بن شريح، قال: حدثنا بقية بن الوليد الميتمي، قال: حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير الحضرمي: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لقد جاءكم رسول إليكم، ليس بوهن ولا كسل، ليحي قلوبا غلفا، ويفتح أعينا عميا، ويسمع آذانا صما، ويقيم السنة العوجاء، حتى يقال: لا إله إلا الله وحده». جبير بن نفير تابعي كبير من المخضرمين، وهو يروي عن النبي -عليه الصلاة والسلام- فيكون مرسلا، لكن يشهد له حديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم. قال أخبرنا محمد بن يزيد الحزامي، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، عن عمر بن أبي قيس، عن عطاء، عن عامر، قال: كان رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- له إليه حاجة، فمشى معه حتى دخل، قال: فإحدى رجليه في البيت والأخرى خارجه، كأنه يناجي -يعني يكلم أحدا- فالتفت، فقال: «أتدري من كنت أكلم؟ إن هذا ملك لم أره قط قبل يومي هذا، استأذن ربه أن يسلم علي». قال: «إن آتيناك أو أنزلنا عليك القرآن فصل، والسكينة صبرا، والفرقان». وعامر هذا لم يسمع من النبي -عليه الصلاة والسلام-. قال أخبرنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا ريحان وابن سعيد -وفي ضعف- قال: حدثنا عباد -هو ابن منصور- وعباد بن منصور مدلس، فروى عن عن عن أيوب، عن أبي سلامة، عن أبي قلابة، وعبد الله بن زيد الجرمي، عن عطية: أنه سمع ربيعة الجرشي يقول: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقيل له: لتنم عينك، ولتسمع أذنك، وليعقل قلبك. قال: فنامت عيناي، وسمعت أذناي، وعقل قلبي، قال: فقيل لي: «سيد بنا دارا». فصنع مأدوبة، وأرسل داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدوبة، ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يطعم من المأدوبة، وسخط عليه السيد. قال: «فالله السيد، ومحمد الداعي، والدار الإسلام، والمأدوبة الجنة». هذا الحديث بهذا السند الضعيف، لكن الحديث صحيح، فهو في صحيح البخاري، من غير هذه الطريق، برقم 281. فشبهت الجنة بالدار، أو المأدوبة، الجنة بالمأدوبة -يعني بالطعام الذي يجهز ويقرب للضيوف- والدار بالإسلام -الدار التي فيها هذه المأدوبة- بالإسلام، والذي يدعو -الداعي الذي يدعو إلى دخول هذه الدار والأكل من هذه المأدوبة- هو النبي -عليه الصلاة والسلام-، وسيد هذه الدار والمأدوبة هو الله -جل وعلا-. فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدوبة -يعني من أجاب النبي -عليه الصلاة والسلام- وآمن به واتبعه، دخل الدار -إلى الإسلام- صار من أهل الإسلام، وإذا أسلم وحقق الإسلام الذي أراده الله -عز وجل- ورسوله -عليه الصلاة والسلام- فإنه يدخل الجنة، ويأكل من هذه المأدوبة. ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار -من لم يؤمن بالنبي -عليه الصلاة والسلام- بل أعرض وأبى واستكبر، فلم يسلم، لم يكن ممن يدخل هذه الدار ويأكل من هذه المأدوبة. أخبرنا الحسن بن علي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن جعفر بن ميمون التميمي، عن أبي تميمة الأجلي، عن أبي عثمان النهدي: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى البطحاء، ومعه ابن مسعود، فأقعده، وخط عليه خطا، ثم قال: «لا تبرحن -يعني عن مكانك- ابق محلك؛ فإنه سينتهي إليك رجال، فلا تكلمهم؛ فإنهم لن يكلموك». فمضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث أراد، ثم جعلوا ينتهون إلى الخط، لا يجاوزونه، ثم يصطرون إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كان من آخر الليل، جاء إليه، فتوسد فخذي -يعني وضع رأسه على فخذ ابن مسعود- وكان إذا نام نفخ في النوم -نفخا معروف- النفخ: صدور الصوت من النائم، ما يسمى بالشخير. قال: فبينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متوسد فخذي راقد، إذ أتاني رجال كأنهم الجمال، عليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم من الجمال، حتى قعد طائفة منهم عند رأسه، وطائفة منهم عند رجليه، فقالوا بينهم: «ما رأينا عبدا أوتي مثل ما أوتي هذا النبي، إن عينيه لتنامان، وإن قلبه ليقظان». «اضربوا له مثلا: سيد بنى قصرا، ثم جعل مأدبة، فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، ثم ارتفعوا». واستيقظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك، فقال لي: «أتدري من هؤلاء؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «هم الملائكة». قال: «وهل تدري ما المثل الذي ضربوه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «الرحمن بنى الجنة، فدعى إليها عباده، فمن أجابه دخل جنته، ومن لم يجبه عاقبه وعذبه». هذا الحديث حديث مرسل؛ فأبو عثمان النهدي تابعي مخضرم، لم يدرك النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن أصله في الصحيح -أصل هذا الحديث وهذه القصة- يعني ورد نحوها أو مثلها في الصحيح. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.