الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 19، ألقاها
يتناول هذا الفصل تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وخلقه الحسن، مشيراً إلى كثرة ذكره لله وتواضعه مع الناس. كان النبي يقلل من الكلام غير النافع ويكثر من ذكر الله.
يتناول هذا الفصل صفات النبي صلى الله عليه وسلم في الذكر والكلام ومعاملة الضعفاء، حيث كان يكثر من ذكر الله ويتواضع مع الأرملة والمسكين. كما كان يدعو الله أن يجعله ذاكراً له وشاكراً لنعمه.
يركز هذا الفصل على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في قضاء حوائج الناس، حيث كان يذهب مع الفقراء والمساكين ليقضي لهم حاجاتهم. هذا العمل كان له أجر عظيم عند الله وقد حث النبي عليه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال حدثنا محمد بن حميد، قال حدثنا الفضل بن موسى، قال حدثنا الحسين بن واقد، عن يحيى بن عقيل، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهما حاجتهما. هذا الباب ترجمه رحمه الله بقوله: باب في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم كان ذا خلق عظيم، كما وصفه الله عز وجل، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وإن كان على خلق عظيم، وكان من خلقه عليه الصلاة والسلام التواضع وعدم التكبر وعدم الترفع على الناس، فكان عليه الصلاة والسلام مثلا عظيما في التواضع، مع ما أتاه الله عز وجل من شرف النبوة والرسالة، إلا أنه كان عليه الصلاة والسلام متواضعا. والتواضع كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام حين ذكر معنى الكبر، فقال: «الكبر رد الحق وغمط الناس». فالتواضع عكس الكبر، وهو قبول الحق وعدم استحقار الناس، قبول الحق أن تقبل الحق ممن جاءك به، ولا تستحقر الناس ولا تزدريهم ولا تتكبر عليهم، فإن هذا هو التواضع. والله عز وجل وصف نبيه بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، يعني لو كنت ذا قلب غليظ، وكذلك عندك غلظة في قولك وفي كلامك، لما جالسك أحد ولنفض الناس من حولك، يعني تركوك وذهبوا ولم يجلسوا لك، لكن كان النبي عليه الصلاة والسلام ذا رحمة عظيمة وتواضع وخفض جناح، يجلس مع الفقير ومع المسكين ومع ذي الحاجة، فيقضي حاجته. فلذلك أحبه القريب والبعيد، والصديق والعدو، أخذ حتى بعض الأعداء من أعدائه عليه الصلاة والسلام كانوا يعرفون فضله وعظيم خلقه. وذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ولا يأنف ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهما حاجتهما». هذا حديث صحيح، وقد رواه النسائي كذلك، ورواه الحاكم من حديث أبي سعيد، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع برقم ٤٥٠٥. فيقول عبد الله بن أبي أوفى: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو»، يكثر الذكر يعني كثير الذكر لله، كثير الذكر لله جل وعلا، وهذا يعني يعم كل معاني الذكر، سواء كان بقراءة القرآن أو التسبيح أو التهليل أو الاستغفار. فكان النبي عليه الصلاة والسلام كثير الذكر لله جل وعلا، يكثر الذكر ويقل اللغو، اللغو الكلام الذي لا فائدة فيه، الكلام الذي لا فائدة فيه، فكان النبي عليه الصلاة والسلام كثير الذكر، قليل اللغو، يعني لا يلغو في الكلام ويأتي بكلام لا فائدة فيه أو بكلام باطل، وهذا لانشغاله عليه الصلاة والسلام بذكر الله. وهكذا ينبغي للمسلم أن يحرص على أن يكون لسانه ذاكرا لله، أن يكون لسانه كثير الذكر لله جل وعلا. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله عز وجل بذلك: «اللهم اجعلني لك ذاكرا، لك شاكرا»، فكان يسأل الله أن يجعله ذاكرا له. وقال لمعاذ رضي الله عنه: «إني أحبك يا معاذ، فلا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». فحثه ورغبه على أن يسأل الله عز وجل بهذا الدعاء، أن يسأل الله معونة في الذكر وحسن العبادة، وكذلك شكر الله جل وعلا على نعمه. فهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، ومن شغل لسانه بذكر الله قل لغوه وكلامه بما لا ينفع، قل كلامه بما لا ينفع، لأن لسانه مشغول بذكر الله جل وعلا. والإنسان يحرص على البعد عن الكلام الذي لا فائدة فيه، لأن إن كثر كلامه كثر سقطه وكثر خطأه، كما قال بعض السلف: «من كثر كلامه كثر خطأه». فكثرة الكلام الذي لا فائدة فيه يجعل الإنسان يقع في الأخطاء ويقع في الزلات، في سب أو شتم أو غيبة أو نحو ذلك مما يؤاخذ عليه الإنسان. قال: «ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة»، يطيل الصلاة ويقصر الخطبة، هنا يعني عطف الخطبة على الصلاة، كان يريد بذلك في صلاة الجمعة. كما ورد في حديث عمار بن ياسر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من فقه الرجل قصر خطبته وطول صلاته»، قصر الخطبة وطول الصلاة، بمعنى أنه يقصر الخطبة فلا يطيلها، بأن يأتي بالعبارات العامة أو بكذلك أيضا الجمل التي فيها بيان المقصود والمعنى بعبارات قصيرة يؤدي بها المقصود، وتكون الصلاة طويلة بالنسبة لقصر الخطبة. وقد يحتاج أحيانا الخطيب أن يطيل في الخطبة لموضوع مثلا يحتاج إلى إطالة حتى يتضح المراد وتعم الفائدة، لكن الأفضل أن يقصر الخطبة ما استطاع، هذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه أنه يقصر الخطبة ويطيل الصلاة أو هذا من فقه الرجل، أنه يوصل المقصود والذي يريد إيصاله إلى الناس بعبارات واضحة بينة قصيرة يؤدي بها المقصود. قال: «ولا يأنف ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهما حاجتهما»، لا يأنف ولا يستنكف يعني لا يستكبر ولا يترفع أن يمشي مع الأرملة والمسكين، الأرملة يطلق على المرأة التي مات زوجها في الغالب، فيقال لها أرملة، وكذا يطلق على المطلقة، فيقال لها أرملة. والمسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان لا يستكبر أن يمشي مع أمثال هؤلاء من المساكين والفقراء والضعفاء فيقضي لهما حاجتهما، إذا كان لهما حاجة طلب أو أراد شيئا من مال أو أراد شفاعة أو نحو ذلك من الحاجات التي ربما يحتاجون إليها، فلا يستكبر النبي أن يمشي معهما يقضي لهما حاجتهما. وكما قال أنس رضي الله عنه: «إن كانت الجارية لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم ثم تذهب به حيث شاءت»، يعني يقضي حاجتها التي تريد، ما يستكبر أن يذهب معها، لا يستكبر أن يذهب معها وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان هذا من عظيم تواضعه عليه الصلاة والسلام. وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». فالإنسان إذا تواضع وأذل نفسه لله جل وعلا، يجعل نفسه لا شيء، يجعل نفسه لا شيء ولا قيمة لها، يفعل ذلك لله تواضعا لله ومحبة لله وقربا إلى الله، فيذل نفسه ويستحقن نفسه، والله عز وجل يرفع في أعين الناس، ويرون أن له منزلة وله محبة في قلوبهم بسبب تواضعه وعدم تكبره وارتفاعه. وقوله: «فيقضي لهما حاجتهما»، كما سمعنا التي يعني يطلبونها فيقضيها عليه الصلاة والسلام، وله في ذلك الأجر والثواب، إذا إنسان ذهب مع أمثال هؤلاء من المساكين واليتامى والأرامل فيقضي لهما حاجة، له عند الله جل وعلا أجر عظيم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لأن أذهب مع أخي المسلم فأقضي له حاجته أحب إلي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرا». ومسجد الرسول عليه الصلاة والسلام تعلمون فضل الصلاة فيه، الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه، ومع ذلك ذهابه مع أخيه المسلم يقضي حاجته أحب إليه عليه الصلاة والسلام من اعتكافه شهرا في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن هذا فيه نفع متعدي. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». هذا كله حث وترغيب على قضاء حاجات المحتاجين، فإن إذا فعل ذلك المسلم نال هذه الأجور العظيمة، فرج الله عنه يوم القيامة كربة من كرب يوم القيامة، يعني هولا من أهوال يوم القيامة، بسبب إحسانه إلى الناس وتفريجه لكرباتهم وقضاء حوائجهم. فكان النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الخلق العظيم. وعائشة رضي الله عنها قالت له كما في الصحيحين لما نزل عليه الوحي وجاء إليه وهو خائف، قال: «زملوني زملوني». قالت: قال لقد خشيت على نفسي. قالت له خديجة رضي الله عنها: كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتحمل الكل وتقري الضيف وتصل الرحم وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الدهر. يعني أنت عندك أخلاق عظيمة وأخلاق كريمة، من تواضعك وإحسانك للناس وبذلك للمعروف، فكيف يخزيك الله وأنت على هذه الصفات وهذه الأخلاق الحميدة؟ فهذا شيء من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فمن تتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام والأحاديث الواردة في ذلك لوجد الشيء الكثير والشيء العظيم في تواضعه عليه الصلاة والسلام. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.