الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 20، ألقاها
المقطع الأول يتحدث عن أحاديث نبوية تشير إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يروي العباس رضي الله عنه قول النبي أنه سيبقى بين أصحابه حتى يريحه الله منهم. يذكر أيضا حديث آخر عن أبي سعيد الخدري عن خروج النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الأخير.
المقطع الثاني يشرح حديثا نبويا يدل على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وفضل أبي بكر رضي الله عنه، حيث فهم أبو بكر أن النبي يشير إلى نفسه عندما قال إنه عبد اختار الآخرة على الدنيا. كما يروي حديثا آخر ضعيفا عن مرض النبي واختياره لقاء ربه.
المقطع الثالث يشرح حديثا عن نزول سورة النصر وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بقرب وفاته، وبأنها أول أهله لحاقا به. يتضمن تفاصيل عن بكائها وضحكها، ويبرز علم النبوة وفضل أهل اليمن.
المقطع الرابع يتضمن الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. يعتبر هذا الدعاء من السنن المستحبة في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: قال العباس رضي الله عنه: لأعلمنا ما بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، فقال: يا رسول الله، إني رأيتهم قد آذوك وآذاك غبارهم، فلو اتخذت عريشا تكلمهم منه، فقال: «لا أزال بين أظهرهم، يطؤون عقبي وينازعون ردائي، حتى يكون الله هو الذي يريحني منهم». قال: فعلمت أن بقاءه فينا قليل. وهذا الحديث من رواية عكرمة، عن العباس. وعكرمة، ومن خالد، من العاصم، من هشام، لم يذكر له أحد من أهل التراجم رواية له عن العباس، بل ذكر العلائي في جامع التحصيل أنه لم يسمع من عمر، كما نقله عن الإمام محمد، وذكر عن أبي زرعة أن روايته عن عثمان مرسلة، وروى عن ابن عباس وابن عمر. فصحة الحديث هنا متوقفة بإثبات ثبوت سماع عكرمة بالعباس. والشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا أزال بين أظهرهم، يطؤون عقبي وينازعون ردائي، حتى يكون الله هو الذي يريحني منهم»، يعني: حتى يأتيني الموت، فقال: فعلمت أن بقاءه فينا قليل. قال: أخبرنا الحكم بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن داود بن علي، عن أبيه، قال: قيل: يا رسول الله، ألا نحجبك - يعني: من الناس، ومن كثرة ما يأتي إليه من الأعراب - قال: «لا، دعوهم يطؤون عقبي، وأطأوا أعقابهم، حتى يريحني الله منهم». وداود بن علي مجهول الحال، والحديث معضل، داود بن علي لم يلق النبي عليه الصلاة والسلام، فلا شك أن الساقط هنا ربما اثنان أو أكثر. قال: أخبرنا زكريا بن عدي، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه، ونحن في المسجد، عاصبا رأسه بخرقة، حتى أهوى نحو المنبر، فاستوى عليه - يعني: جلس وارتفع عليه - قال: واتبعناه، قال: «والذي نفسي بيده، إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا». ثم قال: «إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها، فاختار الآخرة». قال: فلم يفطن لها أحد غير أبي بكر، فذرفت عيناه، فبكى، ثم قال: «بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا، يا رسول الله». قال: ثم هبط، فقام عليه حتى الساعة، فما قام عليه حتى الساعة. والحديث في الصحيحين. وهذا كان في مرض موته عليه الصلاة والسلام، في آخر مرة خرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد، وهو عاصب رأسه بخرقة، ثم جلس على المنبر، فقال: «والذي نفسي بيده» - وهذا حلف وقسم بالله، بصفة من صفاته، لأن الذي بيده الأنفس هو الله سبحانه وتعالى - وهذا فيه جواز الحلف من غير استحلاف، يعني: من غير أن يستحلف الإنسان، فيحلف ابتداء إذا كان في ذلك مصلحة من تأكيد الخبر - قال: «إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا» - يعني: حوضه عليه الصلاة والسلام الذي أعطاه الله عز وجل إياه - وهذا فيه دليل من الأدلة الكثيرة المتواترة في إثبات الحوض الذي أكرم الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. وقد جاءت أحاديث كثيرة في وصف حوضه عليه الصلاة والسلام. وقوله: «إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها، فاختار الآخرة»، يقصد نفسه عليه الصلاة والسلام، وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام، أنه ذكر نفسه بلوظ العبودية، فقال: «إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها، فاختار الآخرة»، يعني: اختار ما عند الله على ما في هذه الدنيا. فما فطن لذلك أحد إلا أبو بكر، وهذا يدل على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه، عرف أن هذا العبد هو النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك بكى رضي الله عنه، وهذا من فضائله التي تدل على سعة علمه ومعرفته وقوة اتصاله بالنبي عليه الصلاة والسلام ومعرفة أحواله، فلذلك بكى رضي الله عنه، فقال: «بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا» - يعني: تهلك هذه المحبوبات للأنفس ولا تهلك أنت، تسلم أنت وتذهب هذه المحبوبات - النفوس من الأموال، بل والآباء والأمهات، بل والأنفس، يقدم الإنسان نفسه وتذهب نفسه ولا يصيب النبي عليه الصلاة والسلام سوء. ثم هبط النبي صلى الله عليه وسلم - أي: من المنبر - فنزل، فما قام عليه - يعني: بعد ذلك، بعد هذه المرة - فما جلس عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات. قال: أكبرنا خليفة بن خياط، قال: حدثنا بكر بن سليمان، قال: حدثنا ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن عمر بن علي بن عدي - وعبد الله بن عمر بن علي بن عدي ضعيف، بل مجهول عين، مجهول عين، ولا يعرف إلا برواية ابن إسحاق عنه، كما ذكر البخاري وابن أبي حاتم - قال: عن عبيد مولى الحكم بن أبي العاص - وهو عبيد بن جبير، وهو مجهول - قال: عن عبد الله بن عمر، عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي». قال: فانطلقت معه في جوف الليل، فلما وقف عليهم، قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة أشد من الأولى». ثم أقبل علي، فقال: «يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت بمفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي». فقلت: بأبي أنت وأمي، خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة. قال: «لا والله، يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي». ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف. فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي مات فيه. وهذا الحديث ضعيف، بل ضعيف جدا، لأن فيه عبد الله بن عمر بن علي، وهو مجهول عين. ولهذا عفا عنه شيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة. وأصل هذا الحديث في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع ثابت في الصحيح. قال: أخبرنا سعيد بن سليمان - وهو الضبي، أبو عثمان الواسطي - قال: عن عباد بن العوام، عن هلال بن خباب، عن عكرمة بن عباس، قال: ما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة، فقال: «قد نعيت إلي نفسي» - يعني: أخبرت بقرب موتي - فبكت. قال: «لا تبكي، فإنك أول أهلي لحاقا بي»، فضحكت. قال: فرآها بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا فاطمة، رأيناك بكيت، ثم ضحكت. قالت: إنه أخبرني أنه قد نعيت إليه نفسه، فبكيت. قال لي: «لا تبكي، فإنك أول أهلي لحاقا بي»، فضحكت. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة، والإيمان يمان، والحكمة يمانية». الحديث حسن، قد حسنه شيخ الألباني رحمه الله في المشكاة. وفي بعض فقراته قد وردت في الصحيح، كقوله لفاطمة: «إنك أول الناس لحاقا بي»، جاء من حديث عائشة: أنه سارها، فبكت، ثم سارها، فضحكت. فلما أخبرتها عن ذلك، قالت: سر إنه سر. فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم، سألتها عن ذلك، فأخبرتها بهذا الخبر: أنه قال لها في الأولى: إنك - يعني: أنه عليه الصلاة والسلام - قد قرب موته، فبكت. فلما أخبرها: «أنك أول أهل لحاقا بي»، ضحكت. وفي بعض الألفاظ: أخبرها بأنها قالت: أحببت أن تكون سيدة نساء أهل الجنة، فضحكت. فهذا الحديث في أخبار النبي عليه الصلاة والسلام عن نفسه بقرب موته، وذلك عند نزول قول الله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾، والمراد به: فتح مكة. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، فهذا كان إعلاما من الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام بقرب موته: بأنه إذا جاء النصر، فتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا - يعني: جماعات ووفودا - فهذا قرب أجلك، فأكثر من الاستغفار. فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه السورة، بعد نزولها، يكثر من قول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». فأخبر فاطمة رضي الله عنها بذلك، فبكت - يعني: حزنا على فراق النبي عليه الصلاة والسلام - فلما أخبرها بأنها أول أهله لحاقا به، ضحكت وفرحت بذلك. وفيه أيضا علم من أعلام النبوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بأنها أولا أخبر عن نفسه بقرب موته، وقع ذلك. وأخبرها بأنها أول أهله لحاقا به، فكان كذلك، فكان أول من مات من أهله بعد موته عليه الصلاة والسلام هي فاطمة رضي الله تعالى عنها. وفيه فضل أهل اليمن، وهذه أيضا قطعة من الحديث قد جاءت في الصحيحين، من حديث أبي هريرة وغيره: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة، والإيمان يمان، والحكمة يمانية». قد مر معنا الكلام عليها في صحيح الإمام مسلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.