التعليق على تفسير سورة الكهف 2

الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 2، ألقاها

تفسير قوله تعالى حول زينة الأرض وامتحان الناس

يشرح العلامة السعدي معنى الآية الكريمة، ويبين أن الله جعل ما على الأرض زينة لها ليمتحن الناس. الدنيا فانية وزائلة، ويحذر من الاغترار بها ورغب في دار الآخرة.

تفسير آية أصحاب الكهف ومضمونها

يفسر العلامة السعدي آية أصحاب الكهف، موضحا أن الاستفهام فيها بمعنى النفي والنهي. يبين أن أصحاب الكهف كانوا فتية شبابا فروا بدينهم إلى الكهف وتضرعوا إلى الله للثبات.

تفصيل قصة أصحاب الكهف وإيمانهم بالله

يتناول المقطع قصة أصحاب الكهف وتفاصيل إيمانهم بالله وحده. كانوا فتية آمنوا بربهم وخرجوا عن قومهم الكافرين، فثبتهم الله وزادهم هدى.

معنى الشطط في العبادة وتوحيد الله

المقطع يشرح معنى قول "شططا" في سياق دعوة غير الله للعبادة. يبين كمال معرفة المؤمنين بربهم والتزامهم بتوحيد الربوبية والألوهية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. قال: يخبر تعالى أنه جعل جميع ما على وجه الأرض من مآكل لذيذة، ومشارب، وملابس طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، ورياض أنيقة، وأصوات شجية، وصور مليحة، وذهب، وفضة، وخيل، وإبل، ونحوها، الجميع جعله الله زينة لهذه الدار، فتنة واختبار، لنبلوهم أيهم أحسن عملا. وهذا العموم يستفاد من قول الله جل وعلا: «ما على الأرض»، «ما» اسم موصول بمعنى «الذي»، أي: إن جعلنا الذي على الأرض زينة لها، أي: كل ما في هذه الأرض فهو زينة من زينة الحياة الدنيا. قال: «أيهم أحسن عملا»، أي: أخلصه وأصوبه، وكلما كان العمل خالصا صوابا كان هذا العمل حسنا. قال: ومع ذلك سيجعل الله جميع هذه المذكورات فانية، مضمحلة، وزائلة، منقضية، يعني: كل ما على هذه الأرض من زينة الحياة الدنيا فإنه سيفنى ويزول. قال: وستعود الأرض صعيدا جرزا، قد ذهبت لذاتها، وانقطعت أنهارها، واندرست آثارها، وزال نعيمها. وهذه حقيقة الدنيا قد جلاها الله لنا كأنها رأي عين، وحذرنا من الاغترار بها، ورغبنا في دار يدوم نعيمها ويسعد مقيمها، كل ذلك رحمة بنا. وقوله جل وعلا: «صعيدا جرزا»، ذكر جمع من أهل التفسير أن معنى ذلك أنها لا نبات فيها، فالأرض الصعيد الجرز التي لا ينبت فيها شيء من النبات، أرض قاحلة يابسة. قال: فاغتر بزخرف الدنيا وزينتها من نظر إلى ظاهر الدنيا دون باطنها، فصحبوا الدنيا صحبة البهائم، وتمتعوا بها تمتع السوائم، والسوائم هي جمع سائمة، وهي البهيمة التي ترعى من حول، أي: تأكل مما يخرج الله سبحانه وتعالى من النبات والزرع، لا ينظرون في حق ربهم، ولا يهتمون لمعرفته، بل همهم تناول الشهوات من أي وجه حصلت، وعلى أي حالة اتفقت. فهؤلاء إذا حضر أحدهم الموت قلق لخراب ذاته، أي: خراب بدنه، وفوات ذاته، لا لما قدمت يداه من التفريط والسيئات. وأما من نظر إلى باطن الدنيا وعلم المقصود منها ومنه، فإنه يتناول منها ما يستعين به على ما خلق له، وانتهز الفرصة في عمره الشريف، فجعل الدنيا منزل عبور، لا محل حبور، وشقة سفر، لا منزل إقامة، فبذل جهده في معرفة ربه، وتنفيذ أوامره، وإحسان العمل. فهذا بأحسن المنازل عند الله، وهو حقيق منه بكل كرامة ونعيم وسرور وتكريم. فنظر إلى باطن الدنيا حين نظر المغتر إلى ظاهرها، أي: نظر إلى حقيقة الدنيا وأنها حياة فانية زائلة، حياة ابتلاء واكتبار وامتحان، فاتخذها سبيلا وطريقا يوصله إلى الله جل وعلا، وتزود منها من تقوى الله جل وعلا ما يكون له زادا للآخرة، بخلاف من نظر إلى ظاهرها فاغتر بها وركن إليها وعمل لأجلها. قال: حين نظر المغتر إلى ظاهرها وعمل لآخرته، حين عمل البطال لدنيا، أي: الذي اغتر بظاهرها فترك العمل للآخرة وركن إلى الدنيا، فشتان ما بين الفريقين، وما أبعد الفرق بين الطائفتين. قال رحمه الله: قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾. قال: هذا الاستفهام بمعنى النفي والنهي، أي: لا تظن أن قصة أصحاب الكهف وما جرى لهم غريبة على آيات الله وبديعة في حكمته، وأنه لا نظير لها ولا مجانس لها، بل لله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما هو كثير من جنس آياته، في أصحاب الكهف أعظم منها. «فصرة الآيات»: كانوا من آياتنا عجبا، منهم من فسرها من أهل التفسير بالآيات الكونية، كخلق السماوات والأرض، والجبال، والبحار، والشمس، والقمر، فهذه الآيات أعظم مما حصل لأصحاب الكهف. ومنهم من فسرها بالآيات الشرعية، بما أنزل الله عز وجل على رسوله عليه الصلاة والسلام من الكتاب والوحي، فهو أعظم كذلك من شأن أصحاب الكهف. وكلا الأمرين محتمل، فالآيات تجمل الآيات الشرعية والآيات الكونية. قال: فلم يزل الله يري عباده من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ما يتبين به الحق من الباطل، والهدى من الضلال. وليس المراد بهذا النفي أن تكون قصة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات الله العجيبة، وإنما المراد أن جنسها كثير جدا، يعني: جنس هذه الآيات الدال على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى. فالوقوف معها وحدها في مقام العجب والاستغراب نقص في العلم والعقل، بل وظيفة المؤمن التفكر بجميع آيات الله التي دعا الله العباد إلى التفكير فيها، فإنها مفتاح الإيمان وطريق العلم والإيقان. «وإضافتهم إلى الكهف الذي هو الغار في الجبل»: الكهف غار يكون في داخل الجبل فيسمى كهفا. قال: «والرقيم»: أي الكتاب الذي قد رقمت فيه أسماؤهم وقصتهم لملازمتهم له دهرا طويلا، وهذا أرجح ما قيل في تفسير الرقيم. بعض العلماء قال: الرقيم هو اسم الوادي الذي فيه هذا الكهف، ومنهم من قال: أن الرقيم هو الكتاب الذي كتب فيه، وهذا الذي ذكره العلامة السعدي رحمه الله هو الأرجح، ورجحه الإمام الطبري، وهكذا يظهر صدقه الإمام ابن كثير رحمه الله. قال: ثم ذكر قصتهم مجملة، وفصلها بعد ذلك، فقال: «إذ أوى الفتية»، أي: الشباب، أي: أن أصحاب الكهف والذين حصلت لهم هذه القصة هم فتية شباب، ليسوا بشيوخ كبار، بل هم شباب. ولهذا كان أكثر أتباع النبي عليه الصلاة والسلام من الشباب، وأما شيوخ أهل قريش فالغالب عليهم كان العتو والعناد والكفر والصد عن سبيل الله جل وعلا. قال: «إلى الكهف»: يريدون بذلك التحصن والتحرز من فتنة قومهم لهم، فقالوا: «ربنا آتنا من لدنك رحمة»، أي: تثبتنا بها وتحفظنا من الشر، وتوفقنا للخير، يعني: أنهم دعوا الله عز وجل أن يثبتهم على هذا الهدى والحق الذي وفقهم الله جل وعلا له من الإيمان بالله جل وعلا وتحقيق توحيده، وإنكار ما عليه قومهم من الشرك وعبادة الأصنام والأوثان. قال: «وهيئ لنا من أمرنا رشدا»: أن يسر لنا كل سبب موصل إلى الرشد، وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا. فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة إلى محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب الله دعاءهم وقيض لهم ما لم يكن في حسابهم. قال: «فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا»، أي: أنمناهم سنين عددا، وهي ثلاثمائة سنة وتسع سنين، أي: أنامهم الله جل وعلا ثلاثمائة وتسع سنين، ومع ذلك لم تفسد أبدانهم ولم تعطب في هذه الفترة الطويلة. قال: وفي النوم المذكور حفظ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظ لهم من قومهم. «ثم بعثناهم»: أي: من نومهم، «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا»، أي: لنعلم أيهم أحصى لمقدار مدتهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ الآية. وفي العلم بمقدار لبثهم ضبط للحساب، ومعرفة لكمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته، فلو استمروا على نومهم لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم. قال جل وعلا: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. قال: هذا شروع في تفصيل قصتهم، وأن الله يقصها على نبيه بالحق والصدق الذي ما فيه شك ولا شبهة بوجه من الوجوه. «إنهم فتية آمنوا بربهم»: وهذا من جموع القلة، أي: الفتية يدل ذلك على أنهم دون العشرة، آمنوا بالله وحده لا شريك له من دون قومهم. وقد ذكر بعض أهل التفسير أن هؤلاء الفتية كانوا من أبناء الملوك، وخرجوا في يوم من الأيام في عيد من أعيادهم، فانفرد كل واحد منهم عن قومه، فاجتمعوا في مكان واحد، ثم قال بعضهم لبعض: إنكم لم تجتمعوا إلا لشيء في نفوسكم، فليذكر كل واحد ما في نفسه. فقال أحدهم: أنا أنكر ما عليه قومي من عبادة الأصنام والأوثان، وأنه لا يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى وحده. فقال الثاني مثل ذلك، والثالث والرابع، حتى اجتمعت كلمتهم على هذا الأمر السديد، وهو إفراد الله جل وعلا بالتوحيد، وإنكار ما عليه قومهم من الكفر والشرك. فلذلك ابتعدوا، فجلسوا في الكهف ليعبدوا الله سبحانه وتعالى وحده. قال: «فزادهم هدى»، فشكر الله لهم إيمانهم فزادهم هدى، أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان، وزادهم الله من الهدى الذي هو العلم النافع والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾. قال: «وربطنا على قلوبهم»، أي: صبرناهم وثبتناهم، وجعلنا قلوبهم مطمئنة في تلك الحالة المزعجة، وهذا من لطفه تعالى بهم وبره، أن وفقهم للإيمان والهدى والصبر والثبات والطمأنينة. «إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض»، أي: الذي خلقنا ورزقنا ودبرنا وربانا هو خالق السماوات والأرض، المنفرد بخلق هذه المخلوقات العظيمة، لا تلك الأوثان والأصنام التي لا تخلق ولا ترزق ولا تملك نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية، أي: من كان متصفا بصفات الربوبية ومتفردا بالخلق والملك والتدبير، فهو الذي يستحق أن يكون الإله الذي يعبد دون من سواه من المخلوقات. فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلهية، فمن وحد الله جل وعلا في ربوبيته لزمه ذلك أن يوحده جل وعلا في ألوهيته، فلا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى وحده. كما أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، فالإله الذي استحق العبادة فإنه يتصف بصفاته الكمال وصفاته الربوبية التي بها يستحق أن يعبد دون من سواه. قالوا: «لهذا قالوا لن ندعو من دونه إلها»، أي: من سائر المخلوقات. «لقد قلنا إذن»، أي: إن دعونا معه إلها بعدما علمنا أنه الرب الإله الذي لا تجوز ولا تنبغي العبادة إلا له «شططا»، أي: ميلا عظيما عن الحق وطريقا بعيدة عن الصواب. فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والتزام ذلك، وبيان أنه الحق وما سواه باطل، وهذا دليل على كمال معرفتهم بربهم وزيادة الهدى من الله لهم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على