التعليق على تفسير سورة الكهف 5

الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 5، ألقاها

تفسير آية وكذلك أعثرنا عليهم وحكم البناء على قبور الصالحين

يشرح تفسير العلامة السعدي للآية ويحذر من البناء على قبور الصالحين مستندا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم. يتطرق إلى أهمية اطلاع الناس على قصة أصحاب الكهف كحجة على الجاحدين وإثباتا للبعث.

عاقبة الفرار بدينه من الفتن وقصة أصحاب الكهف

يشرح قصة أصحاب الكهف ويبين عاقبة الفرار بدينه من الفتن، وأن من يتحمل الذل في سبيل الله ينال العزة. يتطرق إلى اختلاف الناس في عدد أصحاب الكهف ويرجح أنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.

أهمية الاستفادة من قصة أصحاب الكهف وتجنب التفاصيل غير المهمة

يناقش أهمية التركيز على الدروس المستفادة من قصة أصحاب الكهف وعدم الاكتراث بتفاصيل غير مهمة. يشير إلى أن الخوض في مثل هذه التفاصيل يعد تضييعا للوقت دون فائدة دينية.

تفسير نهي الله عن استفتاء أهل الكتاب في بعض الأمور

يفسر نهي الله عن استفتاء أهل الكتاب في أمور معينة مثل قصة أصحاب الكهف، مبينا حدود الاستفتاء ويرتبط بفهم الآيات القرآنية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم﴾، فقال: يخبر الله تعالى أنه أطلع الناس على حال أهل الكهف، وذلك والله أعلم بعدما استيقظوا وبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما، وأمروه بالاستخفاء والإخفاء، فأراد الله أمرا فيه صلاح للناس وزيادة أجر لهم، وهو أن الناس رأوا منهم آية من آيات الله المشاهدة بالعيان، على أن وعد الله حق لا شك فيه ولا مرية. ولا بعد بعدما كانوا يتنازعون بينهم أمرهم، فمن مثبت للوعد والجزاء ومن ناف لذلك، فجعل قصتهم زيادة بصيرة ويقين للمؤمنين، وحجة على الجاحدين، أي للبعث والنشور، وإحياء الله جل وعلا للأموات بعد موتهم. فجعل الله عز وجل قصة أصحاب الكهف برهانا وحجة على أن وعد الله جل وعلا حق، وأنه سبحانه وتعالى يحيي الموتى بعد موتهم يوم القيامة، ويجازيهم على أعمالهم. قال: وصار لهم أجر هذه القضية، وشهر الله أمرهم، ورفع قدرهم، حتى عظمهم الذين اطلعوا عليهم، فقالوا: ابنوا عليهم بنيانا، ربهم أعلم بحالهم ومآلهم. يعني: لما اطلعوا عليهم وعرفوا شأنهم وقصتهم وما حصل لهم، عظمهم الناس، فأراد بعضهم أن يبني على هذا الكهف بنيانا. قال: وقال من غلب على أمرهم -هم الذين لهم الأمر-: لنتخذن عليهم مسجدا، أي نعبد الله تعالى فيه، ونتذكر به أحوالهم وما جرى لهم. وهذه الحالة محظورة، نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وذم فاعليها، يعني: البناء على قبور الصالحين، هذا مما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا. قال: ولا يدل ذكرها هنا على عدم ذمها، فإن السياق في شأن أهل الكهف والثناء عليهم، وأن هؤلاء وصل بهم الحال إلى أن قالوا: ابنوا عليهم مسجدا، بعد خوف أهل الكهف الشديد من قومهم، وحذرهم من الاطلاع عليهم، فوصلت الحال إلى ما ترى، يعني: هذا ليس إقرارا من الله جل وعلا على صحة هذا الفعل وعلى جوازه، وإنما هو من باب الإخبار. أن الناس لما اطلعوا عليهم وعرفوا قصتهم وحالهم، أرادوا تعظيمهم، حتى قال من بيده الأمر: إنهم عزموا على أن يبنوا عليهم مسجدا، وليس في هذا تقرير بجواز ذلك، ولا يستدل بهذه الآية على جواز البناء على قبور الصالحين، كما قد يستدل بها بعض أهل الأهواء. قالوا: في هذه القصة دليل على أن من فر بدينه من الفتن سلمه الله منها، من فر بدينه من الفتن سلمه الله منها، أي من الوقوع في هذه الفتنة، وكانت له السعادة والنجاة. قال: وأن من حرص على العافية عافاه الله إذا اتخذ أسبابها، بالبعد وعدم قرب الفتن، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بشأن الدجال وما له من فتنة عظيمة، قال: «من سمع به فلينأ عنه»، يعني: فليبتعد، لأن هذا من الابتعاد عن الفتن، وهو أسلم للإنسان من الوقوع فيها. قال: ومن أوى إلى الله آواه الله، وجعله هداية لغيره، ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب، وما عند الله خير للأبرار. ووجه ذلك أن هؤلاء أصحاب الكهف كانوا على ما ذكر أنه من أبناء الملوك ممن تربى على الترف والغنى، فتركوا ما عليه قومهم رغبة فيما عند الله سبحانه وتعالى من الأجر والثواب. وفي سبيل إرضاء الله سبحانه وتعالى، فرضوا أن يبقوا في الكهف بدلا من قصورهم ودورهم التي تربوا فيها، فرضوا بهذا الذل والهوان، وكذلك أيضا الضعف، كل ذلك لأجل الله سبحانه وتعالى، فكان عاقبة أمرهم العزة والشرف والمكانة، ومعرفة الناس لفضلهم وعظيم منزلتهم عند الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تماري فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا﴾، قال: يخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف، اختلافا صادرا عن رجمهم بالغيب، وتقولهم بما لا يعلمون. وأنهم فيهم على ثلاثة أقوال، منهم من يقول: ثلاثة رابعهم كلبهم، ومنهم من يقول: خمسة سادسهم كلبهم، وهذان القولان ذكر الله بعدهما، وأن هذا رجم منهم بالغيب، فدل على بطلانهما، يعني: بطلان هذين القولين، من قال بأنهم أربعة وخامسهم كلبهم، ومن قال بأنهم خمسة، من قال بأنهم ثلاثة ورابعهم كلبهم، ومن قال بأنهم خمسة وسادسهم كلبهم، هذه الأقوال قالوها رجم بالغيب، ليس عندهم فيها علم من الله سبحانه وتعالى. قال: ومنهم من يقول: سبعة وثامنهم كلبهم، وهذا والله أعلم هو الصواب، لأن الله أبطل الأولين ولم يبطله، فدل على صحته، يعني: أن الصواب أنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. قالوا: هذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحة للناس دينية ولا دنيوية، والخوض بذلك ليس فيه فائدة، ليس فيه فائدة. إذن المقصود هو الاستفادة من قصتهم ومن حالهم وشأنهم، وما حصل منهم من تركهم لحال قومهم، وما كانوا فيهم من الشرك والكفر وعبادة الأصنام، ولجوئهم إلى الله سبحانه وتعالى فرارا بدينهم، ورغبة فيما عند الله جل وعلا من الثواب والأجر، فهذا الذي يستفاد منه وينتفع به، أما عددهم فلا يضر سواء زاد أو نقص، فليس في معرفة ذلك فائدة. قال: ولهذا قال تعالى: ﴿قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل﴾، وهم الذين أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم، ﴿فلا تماري﴾ أي: تجادل وتحاج فيهم ﴿إلا مراء ظاهرا﴾ أي: مبنيا على العلم واليقين، ويكون أيضا فيه فائدة. وأما المماراة المبنية على الجهل والرجم بالغيب، والتي لا فائدة فيها، إما أن يكون الخصم معاندا أو تكون المسألة لا أهمية فيها، ولا تحصل فائدة دينية بمعرفتها، كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك، فإن في كثرة المناقشات فيها والبحوث المتسلسلة، تضييعا للزمان وتأثيرا في مودة القلوب بغير فائدة. وهذا كثير في خوض بعض أهل التفسير في بعض هذه الأمور التي لا طائلة تحتها ولا فائدة فيها، مثل الشجرة التي أكل منها آدم، ما هي؟ فيخوضون خوضا طويلا في تحديدها، مع عدم ورود شيء في الكتاب والسنة، أو كذلك في البعض الذي ضربه موسى ميتا بني إسرائيل الذي قتل وأحياه الله سبحانه وتعالى، ونطق ما هو؟ وهكذا أيضا عدة أصحاب الكهف، أو كذلك أيضا كلب أصحاب الكهف، لونه هل هو أسود أو أبيض أو أحمر؟ كل هذه أشياء ليس في معرفتها فائدة، والخوض فيها تضييع للأوقات بلا فائدة. قال: ولا تستفت فيهم -أي في شأن أهل الكهف- منهم -أي من أهل الكتاب- أحدا، وذلك لأن مبنى كلامهم فيهم على الرجم بالغيب والظن الذي لا يغني من الحق شيئا، ففيها دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى، إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به، وليس عنده ورع يحجزه. وإذا نهي عن استفتاء هذا الجنس، فنهيه هو عن الفتوى من باب أولى وأحرى، يعني: إذا كان مثله لا يستفتى ويسأل، فهو ماذا يكون بهذا منهيا عن الفتوى لقلة علمه ومعرفته، أو أيضا لقلة ورعه عن الإفتاء، وهذا من قلة خوفه وضعف دينه. قالوا: في الآية أيضا دليل على أن الشخص قد يكون منهيا عن استفتائه في شيء دون آخر، فيستفتى فيما هو أهل له بخلاف غيره، يعني: إذا كان عنده معرفة ببعض العلوم ويجهل البعض، فإذا سئل واستفتي فيستفتى فيما هو يعلمه ويحسنه، ولا يستفتى فيما لا يعلمه ولا يحسنه. قال: لأن الله لم ينه عن استفتائهم مطلقا، إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف وما أشبهها. طيب الله أجورنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على