الدرس في عشر قواعد في تزكية النفس 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يؤكد الشيخ عبد الرزاق البدر على أهمية محاسبة النفس في الدنيا لتصحيح الأخطاء وتقويم السلوك، مما يخفف من حساب يوم القيامة. هذا النهج يعتمد على أقوال السلف الصالح مثل الحسن البصري.
يناقش المقطع أهمية محاسبة النفس لتحقيق التقوى، ويشبه النفس بالشريك الخوان الذي يحتاج إلى محاسبة دقيقة لتجنب الخسارة. هذه المحاسبة ضرورية خاصة في زمن الفتن لضمان الفلاح.
يذكر كلام الإمام عبد الله بن المبارك عن صعوبة إقبال النفس على الخير، ويشدد على أهمية مقاومة النفس وتزكيتها للوصول إلى الخير والنجاة من الشر في الأزمنة المتأخرة.
تم الانتهاء من قراءة الرسالة مع الدعاء لمؤلفها وعلمائنا ومشايخنا بالنفع والغفران، وتضمن الختام الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا المجلس الأخير في قراءة هذه الرسالة، رسالة عشر قواعد في تزكية النفس للشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله، في قراءة خاتمة هذه الرسالة فيما ذكر من آثار عن السلف رحمهم الله في محاسبة العبد نفسه. وكنا قد قرأنا ما ذكره عن خلفاء الراشدين، أبي بكر، عمر، عثمان، علي، من وصايا في محاسبة النفس. ثم قال حفظه الله: ويقول الحسن البصري رحمه الله، وهو الإمام الحسن، نبي الحسن البصري، إمام أهل البصر في زمنه، كان زاهدا عابدا فقيها، قال: «المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة». هذا الأثر أخرجه الإمام المبارك رحمه الله في كتابه الزهد. يقول هذا الإمام: «المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه»، يعني يقوم على نفسه ويأخذ بنفسه ويحرص على تقويمها واستقامتها واعتدالها، وذلك بمحاسبة النفس بما يصدر منها من قول أو فعل أو تقصير أو تفريط. وإذا حاسب نفسه كان ذلك سببا في استقامة هذه النفس وفي صلاحها واعتدالها. قال: «وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا»، يعني من حاسب نفسه في الدنيا خف عليه حساب الآخرة؛ لأن الإنسان سيحاسب يوم القيامة عن كل صغيرة وكبيرة من أقوال أو أفعال، من واجبات أو محرمات، من حقوق الله عز وجل أو حقوق العباد. فإذا حاسب نفسه في هذه الحقوق وهذه الواجبات وهذه الفرائض قوَّم نفسه وعدَّلها في المحافظة على الفرائض والواجبات، وفي اجتناب المعاصي والمحرمات، وفي تبرئة هذه النفس من حقوق الخلق مما يتعلق بالأموال والأعراض والدماء. فينتقل من هذه الدار إلى الدار الآخرة وهو مهيَّأ للحساب، قد هيَّأ نفسه وعدَّلها، فإذا كان كذلك خفَّ عليه حساب الآخرة؛ لأن صاحب هذه النفس قد استعد لهذا الحساب. قال: «وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ»، نعم، الذي لا يحاسب نفسه في الدنيا ولا يستعد لحساب الآخرة سيشق عليه حساب الآخرة؛ لأنه سيكون عنده تفريط، إما في ترك واجب، وإما في ارتكاب محرم، وإما في حقوق الله، وإما في حقوق الخلق. إذا لم يحاسب نفسه في الدنيا شق عليه حساب الآخرة. فهو بهذا يحث رحمه الله على أن يحاسب الإنسان نفسه، على أن يحاسب نفسه في الدنيا حتى تستقيم وتعتدل وتصلح، وإذا فعل ذلك خفَّ عليه حساب الآخرة. قال: ويقول ميمون بن مهران رحمه الله: «لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه». وهذا الأثر أخرجه الإمام وكيع رحمه الله في كتابه الزهد. ولهذا قيل: «النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك». وهذا الأثر ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان. فهذان الأثران هما بمعنى واحد، في أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يصل إلى مرتبة التقوى أن يحققها، وأن يكون من أهلها من المتقين الذين يحافظون على الفرائض والواجبات، ويجتنبون المعاصي والمحرمات، ويستعدون للقاء الله جل وعلا. «لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبةً من الشريك لشريكه». إذا كان الإنسان مشتركا مع شخص آخر في تجارة أو عمل من الأعمال، إذا أراد أن تستقيم هذه التجارة وأن تصلح وأن يربح وأن يستفيد وينتفع، لابد أن يحاسب شريكه في كل تصرف يتصرف فيه في مال الشراكة. إذا تصرف في مال من الأموال يقول: أين ذهب هذا المال؟ أين وضعته؟ أين صرفته؟ أين ذهب المال الفلاني؟ في أي مكان؟ وهكذا يحاسبه إذا فعل ذلك فإنه يربح في هذه التجارة. وأما إذا أهمل محاسبة الشريك، إذا أهمل محاسبة الشريك يجعله يتصرف كيف شاء، يأخذ من هذا المال ويأخذ من ذاك المال، ويضع المال في المكان الفلاني من غير محاسبة، ستذهب عليه تجارته ويخسر. هذا معنى كلامه رحمه الله: «لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه». ولهذا قيل: «النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك». إذا كان الإنسان معه شريك ما عنده أمانة، شريك خائن، إذا ترك له الأمر من غير محاسبة ومن غير متابعة أذهب بتجارته وأوقعه في الخسارة. النفس يأخذ المال يلعب به يتصرف فيه كيف شاء، ليس هناك حسيب ولا رقيب له، ذهبت تجارة هذا المسكين. وهكذا حال هذه النفس، النفس كالشريك، إذا حاسبتها وقومتها استقامت واعتدلت وكان سببا في فلاحك ونجاتك، وإذا أهملتها كانت سببا في هلاكك وضياعك. هذا معنى هذا الأثر. قالوا: يتأكد هذا المقام في هذه الأزمنة التي كثرت فيها الفتن والصوارف عن الخير، وعظمة الشرور التي تسول الباطل للنفوس وتزينه لها. وقد كان الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله، وهو من جلة علماء التابعين، عبد الله بن المبارك المروزي، إمام من أئمة أهل الحديث والفقه، كان عالما محدثا فقيها عابدا زاهدا رحمه الله، وهو من أئمة أتباع التابعين، قيل فيه: لم يفق عليه الصحابة إلا بشرف الصحبة، يعني وجدت فيه من صفات الصحابة من العبادة والعلم والفقه، وكذلك الجهاد في سبيل الله وغير ذلك من أعمال البر، إلا أن الصحابة يفقون عليه بشرف صحبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام. يقول في زمانه: «إن الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوا، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره، فينبغي لنا أن نكرهها». وهذا الأثر أخرجه ابن الجوزي رحمه الله في كتابه ذم الهوى. إذا كان هذا كلام هذا الإمام المبارك في زمنه، زمن العلم والعبادة والفقه والإقبال على الخير، يقول: «إن الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوا»، يعني أنها تقبل على الخير محبة ورغبة وانقيادا من غير تكلف ومن غير كره لها. قال: «وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره»، يعني على الإقبال على الخير إلا أن نكرهها، إلا أن نكرهها وأن نأخذ بزمامها وأن نجاهد أنفسنا على الإقبال على الخير، على الإقبال على الخير وفعل الطاعات. فينبغي لنا أن نكرهها، يعني على فعل الطاعات وعلى فعل الأعمال الصالحة، نكره هذه النفس إن كانت تحب اللعب واللهو وتحب القيل والقال وتحب ضياع الأوقات وتحب الانشغال بأمور الدنيا، ينبغي أن نكرهها على الإقبال على أعمال الآخرة، أن نكره هذه النفس حتى تبلغ بنا إلى المنازل العالية المطلوبة المرغوب فيها، وهي الفوز بنعيم الله جل وعلا والنجاة من عذابه. قال: فكيف الحال في زماننا؟ إذا كان هذا بزمان هؤلاء الأئمة، فكيف الحال بهذه الأزمنة التي يعني بعدت عن زمن النبوة وكثر فيها الشر ووسائل المعاصي والذنوب؟ لا شك أنها أولى أن تكره هذه الأنفس على فعل الخير وعلى ترك الشر. قال: نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم أتي نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها مولاها. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وبهذا نكون انتهينا من قراءة هذه الرسالة النافعة الماتعة. شكر الله جل وعلا لمؤلفها، وغفر الله جل وعلا لعلمائنا ومشايخنا، ونفعنا الله جل وعلا بها وإياكم والحاضرين والسامعين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا.