التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 18

الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح مثل السحبان وباقل في منظومة عنوان الحكم

يفسر الشارح قول الناظم عن السحبان وباقل مبينًا أن السحبان يضرب به المثل في الفصاحة وباقل في العي، وأن المجتمع يقدّر الغنيّ وإن كان عيًّا ويهمل الفقير وإن كان فصيحًا. يبرز المثل دلالة على تأثير المال في مكانة اللسان عند الناس.

مدح الناس للأغنياء رغم عيوبهم وتأثير المال على التقدير

يوضح المقطع كيف يمدح الناس صاحب المال والثروة حتى لو كان عيي اللسان أو سيء الخلق طمعًا في نفعه، بينما يهملون الصالح الفقير. يبين أن المال يصرف الأنظار عن العيوب ويجعل العيوب مقبولة.

تحذير من إفشاء الأسرار وأمانة الكلام عند الوشاة

يحذر النص من إيداع الأسرار عند من عُرف بإفشائها، ويشبههم بالذئب الذي لا يرعى الغنم بل يفترسها. يؤكد أن الكلام أمانة فلا ينبغي بث ما يُسرّ به إلا لمن يُؤتمن على كتمانه وينفعه لا يضره.

خاتمة الدرس والدعاء للنبي ﷺ

يختتم المتحدث الجلسة العلمية معلنًا الاكتفاء بما تم طرحه، ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ وآله وصحبه أجمعين. يختم الدرس بدعاء ختامي جامع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الناظم أبو حاتم البستي رحمه الله في منظومته "عنوان الحكم": قال: "السحبان من غير مال باقل حصر، وباقل في ثراء المال سحبان". قال الشارح، فقه الله: السحبان هذا من وائل، يعني رجلًا من بني وائل كان يُغرب به المثل في الفصاحة والبلاغة والبيان. رجل فصيح جدًا يُضرب به المثل، فإذا أريد مدح شخص لفصاحته وبيانه قالوا: "السحبان وائل"، أو "مثل السحبان وائل"، أو "أفضل من السحبان وائل"، يعني في الفصاحة والبلاغة والبيان. ومعنى ذلك: فصاحة كفصاحة سحبان. فيقول: السحبان هذا الفصيح البليغ من غير مال، إذا ما كان عنده مال، يعني هذا السحبان بفصاحته وبلاغته إذا كان فقيرًا معدمًا ما عنده شيء من المال، متاع الدنيا، "باقل حصر". يعني: منزلة باقل. وباقل هذا رجل آخر من بني إياد، واسمه محمد بن سعيد، محمد بن سعيد الإيادي، وهو من بني قيس بن ثعلبة، يُضرب به المثل في العي، يعني: ما يستطيع أن يفصح عن شيء يريد أن يقوله. هو عكس سحبان، الكلام عنده عسر جدًا. حتى مما ذكر من عيه: أنه اشترى ظبيًا بأحد عشر درهمًا، فلقيه قوم فقالوا له: "يا باقل، بكم اشتريته؟" قال: فترك الظبي وأشار لهم بيديه إلى اثنتي عشرة، وأخرج لسانه ليبين لهم أنه اشتراه بإحدى عشرة، فانطلق الظبي وهرب. يعني: هذا من شدة عيه. قيل له: "بكم اشتريت هذا الظبي؟" ما استطاع أن يفصح ويقول: "اشتريته بأحد عشر"، فجعل يشير بيديه وأخرج لسانه، والظبي كان في إبطه فهرب. هرب عليه. ذكر آذاء الزركة رحمه الله في الأعلام. قالوا: "بكم؟" فما أحسن أن يقول: "أحد عشر درهمًا". عنده عي في الكلام والإفصاح عما يريد، فكان يُضرب به المثل في العي، يعني: عدم القدرة على الإفصاح والبيان. إذا أريد أن يبين عي فلان من الناس، قيل: "أعيا من باقل، أعيا من باقل". فيقول الناظم: "سحبان" هذا الفصيح البليغ من غير مال "باقل حصر"، يعني: عند الناس إذا كان الشخص فصيحًا وبليغًا وليس عنده مال، يعتبرونه "باقل حصر"، ولا يعتبرون كلامه، يعني: ليس له منزلة، ليس له منزلة عندهم. حاله كحال باقل هذا العي الذي لا يحسن أن يفصح في الكلام، إذا كان ما عنده شيء من متاع الدنيا. وقال: "وباقل في ثراء المال سحبان". قال: باقل يعني هذا الرجل العي الذي لا يحسن أن يفصح ولا يحسن أن يتكلم، إذا كان صاحب مال وأخذ يتكلم، ما الذي يحدث؟ قال: صاحب المال والثراء الذي هو في الحقيقة عنده عي في البيان ولا يحسن أن يتكلم، إذا أخذ يتكلم فالذين حوله كيف يكون استماعهم له؟ كلهم ينصتون، وإذا تكلم كل واحد يقول له: "ما أحسن بيانك، وما أجمل كلامك، وما أروع فصاحتك، وكلامك هذا كله ذهب، وكله درر، وما رأيت مثلك في البيان". إيش الجمال هذا، وإيش العبارات الحلوة، وهو لا يعتبر أصلًا الكلام والفصاحة، لا ينظر إليها، وإنما من أجل ما عنده من مال فيمدحه، حتى يقرب منه، وحتى يحصل منه شيئًا. هذا غالب في نظرة كثير من الناس، يعني: أن الميزان عندهم هو المال. فمن كان ذا مال مدح وأثني عليه، ولو كان عييًا، ولو كان عيًّا. إذا كان هذا العي في اللسان، كذلك لو كان عنده عي في استقامته وصلاحه، سيمدحونه، سيمدحونه ويثنون عليه، وأيضًا يرفعونه من أجل نيل شيء مما عنده. وهكذا بالعكس: إذا كان الآخر الذي عنده الصلاح والاستقامة والخير، ولم يكن عنده شيء من متاع الدنيا، فإنهم لا يعتبرون به، ولا يمدحونه، ولا يثنون عليه، ولا كذلك يلتفون حوله. هذا معنى قول الناظم: "السحبان من غير مال باقل حصر، وباقل في ثراء المال سحبان". فحال كثير من الناس هو الاعتبار بمن عنده المال ومتاع الدنيا. ثم قال: "لا تودع السر والشاء يبوح به، فما رعى غنما في الدو سرحان". هكذا عندي، والصحيح: "في الدو" من غير باء، "في الدو سرحان". قال الشارح، وفقه الله: سرك لا تودعه شخصًا وشاء، والوشاء هو المذيع الذي لا يحفظ السر ولا يحسن كتمه. ويقولون: إن السر إذا جاوز الاثنين شاع. ما المراد بمجاوزته الاثنين؟ قيل: المراد بمجاوزته الاثنين أي الشفتين، يعني: إذا خرج من الفم فإنه سينتشر ويشيع هذا الخبر. وإذا ضاق... إذا ضاق صدر الإنسان من تحمله بسره، فلا يلوم من قد أخبره، فلا يلوم من قد أخبره. ومع ذلك لو أراد أن يخبر أحدًا، فيحرص أن يخبر من يعلم منه حفظ الأسرار، من عنده أمانة وحفظ للسر وعدم إفشاء. قال: إذا أخرجته أنت يا صاحبه من شفتيك لم تحفظه، ولن تتمكن من حفظه، ومن أودعته عنده لن يتمكن إلا من رحم الله، يعني: قليل من قد يحفظ لك سرك. إذا كان صدرك نفسك أنت ضاقت من تحمل هذا السر، فكيف بغيرك؟ قال: وكتمان السر أمر عزيز جدًا، أمر عزيز جدًا، يعني: قليل من يحفظ أسرار الناس ويكتمها. قال: ولم يوفق لذلك إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى. وبعض الناس أيضًا معروف بإفشاء السر وعدم كتمانه، فيحذر من إفشاء السر لمن يبوح به، وأن الإنسان ينبغي أن يحفظ سره. يقول: "لا تودع السر والشاء يبوح به"، يبوح به: أن يعلنه ويظهره. مثل هذا ما ينبغي أن يخبر بالأسرار. أنت تريد ربما تبوح بسرك، تريد من يعينك، تريد من يعينك بإصلاح أمر، أو كذلك أيضًا دفع ضرر، أو جلب نفع، أو نحو ذلك، فتخبر من ترى فيه الخير والصلاح بسرك حتى يعينك ويحفظ لك سرك. أما إذا كان إنسان معروف بإفشاء الأسرار، ما ينبغي أن تكلمه، ما ينبغي أن تخبره بسرك، لأنه سيعلن ويظهر سرك هذا وينشره بين الناس. قال: وهذا تحذير من ائتمان من لا يؤتمن. نعم، وأمر الأمانة يعني أمرها واسع، ليس خاصة بالأموال والودائع والديون، بل حتى في الكلام، الكلام أمانة. لهذا قال بعض السلف: "إذا قاطبك الإنسان بكلام ثم التفت فهو أمانة". يعني: معنى ذلك أنه ما يريد أحد أن يسمع هذا الكلام الذي يخبرك به، إذا هو يأتمنك على هذا الكلام، فلا ينبغي أن تظهر هذا الكلام، وأن تبث هذا الكلام. قال: "فما رعى غنما في الدو سرحان". قال: السرحان هذا اسم للذيب من أسمائه، سرحان بكسر السين، من أسماء الذيب. ولهذا جاء في الحديث في ذكر الفجر الكاذب: "كذنبي السرحان"، أي: الذيب. قال: أدوا الصحراء والمفازة، فهل يتصور أن الذئب يرعى الأغنام في الصحراء؟ يعني: وجد الذئب أغنامًا في الصحراء، هل يقوم برعايتها وبحفظها حتى يردها إلى صاحبها؟ الجواب: لا، بلا شك. قال: الجواب: لا، لا يرعاها، وإنما سيقوم بقتلها وإبادتها، ولا يبقي منها أحدًا. يعني: هذا مثل ذكره للوشاء، إذا أودع السر لا يحفظ السر، وهو مثل الذئب، لو أودع الغنم لا يحفظها بل يبطش بها، ويجعلها ما بين قتل وجريح. إذا كان هذا حال الذئب مع الأغنام، وهكذا حال الوشاء مع الأسرار، حال الوشاء مع الأسرار الذي لا يحفظ الأسرار ولا يكتمها، لما ينبغي أن يعطى الأسرار وأن يفشى له بذلك، كما أن الذئب لا يمكن أن يرعى الأغنام وأن يحفظها، فكذلك لا ينبغي أن تودع الأسرار عند من لا يحفظها ولا يقوم بحفظها وعدم إفشائها. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.