التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 17

الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

التحذير من الكسل والفرق بينه وبين العجز ووجوب مجاهدة النفس

يشرح الشارح بيت الناظم الداعي لترك التكاسل في طلب الخيرات، مبيناً أن الكسل هو ترك الفعل مع القدرة عليه بخلاف العجز. ويؤكد أن السعادة بالخيرات لا تنال إلا بالجد ومجاهدة النفس والهوى والشيطان مستدلاً بتعوذ النبي صلى الله عليه وسلم منهما.

الظل الحقيقي للإنسان هو تقواه وعقله وتقلب الناس مع الأحوال

يبين المقطع أن العز والمنعة الحقيقيين ليسا في الظل المادي بل في تقوى الإنسان وعقله، فمن عُري منهما لا ظل له وإن كان في أكناف الأشجار. كما يوضح تقلب الناس فهم أعوان عند الغنى وأعداء عند الفقر في مشاكلة لفظية بليغة.

تقلب الناس مع صاحب المال وفضل الفقير التقي على الغني الفاجر

يصف المقطع كيف يتقرب الناس من صاحب المال والسلطة ويبتعدون عنه عند زوال نعمته، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي فضل فيه الفقير التقي على ملء الأرض من الأغنياء الفجار. ويقرر أن المودة الصادقة لا تتغير بزوال الدنيا.

ندرة الشاكرين وختام الدرس بالصلاة على النبي

يُشير المتحدث إلى أن أمثال الشاكرين لله على النعم قليلون مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. ثم يختم الجلسة بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قول الناظم فيما مضى معنا: "سن حر وجهك لا تهتك غلامته، فكل حر لحر الوجه صوان". الصواب: "لا تهتك غلالته" باللام، كما ذكر الشارح، وليس بالميم. طيب، قال الناظم رحمه الله أبو حاتم البستي في منظومته "عنوان الحكم": "دَعِ التَّكَاسُلَ فِي الْخَيْرَاتِ تَطْلُبُهَا فَلَيْسَ يُسْعِدُ بِالْخَيْرَاتِ كَسْلَانُ". قال الشارح حَفِظَهُ اللهُ: هذا بيت فيه التحذير من الكسل، وكثيرًا ما جاء التعوذ من الكسل في الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من العجز ومن الكسل». قال: والعجز يختلف عن الكسل من جهة عدم القيام بالشيء لعدم القدرة عليه، أما الكسل فهو عدم القيام بالشيء مع القدرة عليه. كإنسان يريد أن يصوم لكنه عاجز عن الصيام، هذا ما يسمى كسلان؟ وإنما يسمى عاجزًا. أو يريد أن يقوم الليل لكنه عاجز عن القيام، فهذا يسمى عاجزًا، فهو يترك الشيء لعدم القدرة عليه. أما إذا كان قادرًا عليه ثم يترك فعل هذا الشيء مع قدرته عليه، فهذا هو الكسلان: يستطيع الصيام لكنه لا يصوم، يستطيع القيام لكنه لا يقوم، يستطيع قراءة القرآن لكنه لا يقرأ، هذا هو الكسلان. والنبي صلى الله عليه وسلم تعوذ من كلا الأمرين: «اللهم إني أعوذ بك من العجز ومن الكسل». قال: يعني قادرًا، يعني قادرًا بدنيًا وجسديًا وصحيًا على أن يقوم بشيء فلا يقوم به بسبب الكسل. فيقول: "دَعِ التَّكَاسُلَ"، إذا إذا عنت لك أبواب من أبواب الخير، يعني فُتِّحَتْ لك أبواب من أبواب الخير، فلا تتكاسل، فلا تتكاسل أن تقبل على فعل الخير. قال: "لا تقابلها بالتكاسل". "دَعِ التَّكَاسُلَ فِي الْخَيْرَاتِ" يعني: إذا فُتِّحَتْ لك أبواب الخيرات لا تتكاسل ولا تقابلها بالكسل. قال: "تَطْلُبُهَا". قال: معنى "تَطْلُبُهَا" أي تحب أن تحصلها وأن تكون من أهلها، لكن لا تفعلها، لا تفعلها كسلًا وتترك فعلها بسبب الكسل، وأنت تطلبها تحبها وتحب أن تكون من أهلها، ولكنك لا تفعلها بسبب الكسل والوقوع في التكاسل. قال: "فَلَيْسَ يُسْعِدُ بِالْخَيْرَاتِ كَسْلَانُ". الخيرات لا يسعد بها، وبأن يكون من أهلها والقائمين بها، من كان من أهل الكسل. فالناظم رحمه الله يحث المسلم على ترك التكاسل إذا أراد أن يطلب الخيرات وأن يكون من أهلها وأن يحصلها وأن يستكثر منها، فعليه أن يترك الكسل. لا بد من الجد والاجتهاد ومجاهدة النفس، فالنفس تحب الخمول والكسل والركون والترك والراحة. فإذا أعطاها الإنسان ذلك حرم خيرًا كثيرًا، حرم خيرًا كثيرًا. والله جل وعلا يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. لا بد من جهاد: جهاد النفس والهوى والشيطان. هذه الأمور كلها من موانع فعل الخيرات التي تصد الإنسان، وكذلك تحجزه وتمنعه من الإقبال على فعل الخير. فيقول: "دَعِ التَّكَاسُلَ فِي الْخَيْرَاتِ تَطْلُبُهَا فَلَيْسَ يُسْعِدُ بِالْخَيْرَاتِ كَسْلَانُ". لا يسعد بالخيرات إلا من كان نشيطًا مجتهدًا جادًا مقبلًا على فعلها وعلى تحصيلها. فهكذا إذا أردت أن تكون من أهل الخيرات فَدَعِ الكسل. قال رحمه الله: "لَا ظِلَّ لِلْمَرْءِ يُعْرَى مُنْتَقًى وَنَهْيٌ وَإِنْ أَضَلَّتْهُ أَوْرَاقٌ وَأَغْصَانُهُ". قال الشارح حَفِظَهُ اللهُ: "لَا ظِلَّ لِلْمَرْءِ يُعْرَى مُنْتَقًى وَنَهْيٌ". قال: أي أن الإنسان إذا كان ليس فيه تقوى وليس فيه نَهْي، والنَّهْي العقل، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾، يعني لذوي العقول وأصحاب العقول. قال: يعني ليس عنده تقوى وليس عنده عقل. إذا كان عاريًا من التقوى ومن العقل لا ظل له، بمعنى لا عز له ولا منعة، حتى وإن أضلته أوراق وأفنان. هنا عندنا "أوراق وأغصان"، والصواب: "أوراق وأفنان"، والأفنان هي الأرض ذات الأشجار الكثيرة، ذات الأشجار الكثيرة، كما وصف الله عز وجل الجنة بذلك: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾، يعني في الجنتين أشجار كثيرة، لكثرة أشجارها يقال لها أفنان. قال: يعني حتى لو كان في ظل الأوراق، أوراق الأشجار، والأفنان التي هي الغصون، غصون الأشجار، لو كان في ظل جميل للشجر، هو في الحقيقة لا ظل له، لأن ظل المرْء الحقيقي تقواه ونَهْيُهُ، أي عقله. التقوى والنَّهْي، والنَّهْي هو العقل. قال: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ يعني بقول الله جل وعلا: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ أي لأولي العقول. قال: "لَا ظِلَّ لِلْمَرْءِ يُعْرَى مِنْ تَقًى وَنَهْيٍ"، أي من، من عري من التقى والنَّهْي، أي لم يكن متحليًا بهما متصفًا بهما، لا ظل له، أي لا عز له ولا منعة، حتى لو كان في ظل الأشجار، ولو كان في ظلال الأشجار ذات الغصون الجميلة. إذن يعني جمال الإنسان والظل الذي يتظل به ويكتسي به هو التقوى، التقوى، وأنه أن يكون تقيًا لله، كذلك أن يكون ذا عقل يحمله على فعل الخيرات وفعل الطيبات وترك القبائح والمنكرات. فإذا خلا الإنسان من التقى والنَّهْي، إنسان لا تقوى عنده ولا عقل، ماذا تنتظر بعد ذلك من فعل الشرور والفجور والآثام والسيئات والذنوب؟ إذن فظل المرْء هو بتقواه وبكذلك عقله وحسن تدبيره. قال رحمه الله: "وَالنَّاسُ أَعْوَانٌ وَالنَّاسُ أَعْوَانٌ مَنْ وَالَتْهُ دَوْلَتُهُ وَهُمْ عَلَيْهِ إِذَا عَادَتْهُ أَعْوَانُ". وهذا أيضًا من بلاغة المصنف رحمه الله، وهو كما ذكر كثير من الشراح أنه ممن ولع بحب المشاكلة، وهو نوع من أنواع البلاغة في التعبير وحسن الكلام، أن يذكر اللفظ ثم يذكره مرة أخرى، ويكون في كل موضع له معنى غير الآخر، له معنى غير الآخر، كما في هذا الموضع، وسيأتي أيضًا مثله في مواضع أخر. قال: "وَالنَّاسُ أَعْوَانٌ مَنْ وَالَتْهُ دَوْلَتُهُ وَهُمْ عَلَيْهِ إِذَا عَادَتْهُ أَعْوَانُ". أراد "أَعْوَانٌ" في البيت الأول كما سيأتي بمعنى الأصحاب والأصدقاء والمعينون، وأراد بالأعوان في البيت الثاني بمعنى الأعداء، بمعنى الأعداء. قال الشارح: "وَالنَّاسُ أَعْوَانٌ مَنْ وَالَتْهُ دَوْلَتُهُ". قال: معنى "مَنْ وَالَتْهُ دَوْلَتُهُ" أي أقبلت عليه دنياه وانفتحت عليه الدنيا، ومن كانت هذه صفته وأصبح بيده دنيا ومال إلى آخره. قال: "أَعْوَانٌ لَهُ"، كل يعرض نفسه لخدمته، وكل يقول له: "أي خدمة في أي لحظة ولا تتردد في أي ساعة من ليل أو نهار أنا جاهز". يعني إذا كان الإنسان من أهل الأموال ومن أهل الترف والمال والجاه والغنى، تجد كثيرًا من الناس أعوانًا له، هم يقومون بخدمته، يقومون: "تفضل، أي شيء تريد نحن مستعدون في أي وقت، لا تتردد". يعني أن تطلب الشيء الذي تريد، نحن سنقوم بتحصيله لك وبإيجاده لك. لماذا؟ من أجل ما عنده من المال والدنيا، ورغبة في نيل شيء مما أتاه الله سبحانه وتعالى. قال: "وَهُمْ عَلَيْهِ إِذَا عَادَتْهُ أَعْوَانُهُ". قال: "أَعْوَانٌ عَلَيْهِ" يعني ضده. يعني إذا كان صاحب مال وثراء وكذا، كل يبدي له استعدادًا تامًا لخدمته ومعاونته. وإذا تغير الأمر، "إِذَا عَادَتْهُ" يعني أصبح ما عنده شيء من ذلك المال والثراء، كان غنيًا ثم أفلس، أفلس وذهب ماله، ينقلب عليه الأمر. هؤلاء الذين كانوا بالأمس يتوددون إليه ويتقربون منه ويريدون أن يعينوه، فإذا ذهب ما بيده من مال وثراء أصبحوا أعداء له، لا يعرفونه ولا كذلك يعينونه ولا يقومون بخدمته. قال: فإنهم أعداء له. قال: قل مثل ذلك تمامًا فيمن كان يومًا ما عنده رئاسة، جميع من تحته ومن سواه، كل واحد منهم تحت الخدمة وأعوان له. وإذا انتهت تلك الرئاسة وتلك الزعامة لم يبقَ منها شيء، لا يبقى شيء من ذلك، بل ربما يتحول عدد منهم إلى أعداء له. فالأمر كما قال: "وَالنَّاسُ أَعْوَانٌ مَنْ وَالَتْهُ دَوْلَتُهُ وَهُمْ عَلَيْهِ إِذَا عَادَتْهُ أَعْوَانُ". هكذا حال كثير من الناس إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. فيصبح يعني ميزان الناس هو الدنيا والمال، من كان من أهل المال ومن أهل الشرف ومن أهل كذلك الغنى، تقرب الناس إليه وكذلك التفوا حوله واستمعوا له إلى آخر ذلك. ومن كان فقيرًا ليس عنده شيء من المال، وإن كان من أتقى الناس لله سبحانه وتعالى، فإنهم لا يبالون به ولا يأبهون به. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام مبينًا أن هذا حال كثير من الناس في وزنهم للناس، وإن كان هذا خطأ، وإن كان هذا خطأ. ما جاء في البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: مر رجل من أشراف الناس وأغنيائهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» قالوا: يا رسول الله، هذا حري إن تكلم أن يسمع له، وإن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. هذا إذا تكلم حري أن يسمع له لأنه من الأشراف ومن أهل الغنى والمال، وإذا تقدم لخطبة أحد لا يرد، وإن خطب أن ينكح، وإذا شفع لأحد تقبل شفاعته. فسكت النبي عليه الصلاة والسلام. ثم مر رجل فقير، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» قالوا: هذا يا رسول الله حري إن تكلم أن لا يسمع له، وإن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع. هذا الفقير المسكين ما أحد يأبه به ولا أحد يلتفت إليه، إذا تكلم ما يسمع لكلامه، وإذا خطب متقدمًا لخطبة أحد لا يقبل، وإن أراد أن يشفع لأحد ردت شفاعته. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا». هذا الفقير المسكين الذي تقولون أنه يتكلم لا يسمع له، وإن خطب لا ينكح، وإن شفع لا يشفع، لملء الأرض مثله، مثل هذا خير. هذا الواحد خير من ملء الأرض من مثل هذا، هذا الشريف الغني الذي قيل فيه ما قيل. هكذا جعل نبي عليه الصلاة والسلام الرفعة وكذلك المنزلة والعز لهذا الفقير المسكين إذا كان من أهل التقى ومن أهل الصلاح ومن أهل التقوى، فهو خير من غيره من أهل الدنيا ممن حرم تقوى الله سبحانه وتعالى. فأراد المصنف رحمه الله أن يبين أن هذا حال الناس، أن هذا حال الناس: من كانت عنده الدنيا كان الناس أعوانًا له، ومن سلبت الدنيا من يده ولم يكن عنده شيء فالناس يبتعدون عنه ولا يلتفتون إليه. "وَالنَّاسُ أَعْوَانٌ مَنْ وَالَتْهُ دَوْلَتُهُ وَهُمْ عَلَيْهِ إِذَا عَادَتْهُ أَعْوَانُ"، إلا من كان يعني صديقًا له مخلصًا له، أحبه في الله سبحانه وتعالى، فهذا لا يبالي بما في يده إن ذهب أو إن بقي، فهو يعني أراد صحبته ومحبته لله سبحانه وتعالى، فهذا تبقى مودته وتبقى محبته. ولكن أمثال هؤلاء قلة، أمثال هؤلاء قلة، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.