الدرس في كتاب الإيمان 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع الأول حديث جبريل عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيان معاني الإسلام والإيمان والإحسان وأركان كل منها. كما يتطرق إلى مسألة علم الساعة وأشراطها.
يشرح المقطع الثاني حديث جبريل عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وسلم، حيث جاء رجل يسأل عن الإسلام، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام عن أركان الإسلام وأهمية السؤال في طلب العلم.
شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم لرجل حول أركان الإسلام الخمس وأهمية المحافظة على الواجبات واجتناب المحرمات للفلاح. يُبيّن الحديث أن الفلاح يتحقق بالمحافظة على الفرائض مثل الصلاة والصيام والزكاة.
ذكر بعض أهل العلم تقديراً لقسم النبي بأبيه بحذف المقسم به، فيكون التقدير رب أبيه أو الله، وهذا يوجه الرواية بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم بأبيه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، من الحجاج، أبو الحسين، أن يسابوري القشيري رحمه الله: حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا جرير، ومن عبد الحميد، عن عمارة -وهو ابن القعقاع- عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوني»، فهابوه أن يسألوه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «سلوني»، هل هذا ينافي ما سيأتي في الحديث الذي بعد هذا الحديث؟ لذا بطلح بن عبيد الله، الذي بعده، أنه نهى عن سؤال النبي عليه الصلاة والسلام. وقال العلماء: إن النهي عن سؤاله عليه الصلاة والسلام في الأمور التي لا حاجة لها، ولا ضرورة إلى السؤال عنها. وأما سؤاله في الأمور الضرورية، وأسئلة النافعة، فهذا أمر مطلوب. ومن هذا قوله عليه الصلاة والسلام هنا: «سلوني»، يعني عن الأشياء التي تنتفعون بها، والتي يحتاج لها، لقول الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: فهابوه أن يسألوه، يعني هابوا أن يسألوا النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فجاء رجل، فجلس عند ركبتيه. والرجل هذا هو جبريل عليه السلام، كما مر معنا في حديث عمر، وهكذا أيضا في الرواية التي قبلها، من حديث أبي هريرة، قال: فجلس عند ركبتيه، يعني عند ركبتي النبي عليه الصلاة والسلام. وفي حديث عمر، قال: فجلس عند ركبتيه، أو فسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، قال: عند ركبتيه. فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «لا تشرك بالله شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان». قال: صدقت. هنا فسر النبي عليه الصلاة والسلام، وقام الإسلام بقوله: «لا تشرك بالله شيئاً». وفي الرواية التي قبلها، في حديث أبي هريرة، قال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئاً». ولا تنافي بين الروايتين، فإن عدم الشرك بالله جل وعلا، يلزم إفراد الله جل وعلا بالعبادة، يلزم إفراد الله جل وعلا بالعبادة، ولا تصح العبادة إلا مع مجانبة الشرك، إلا مع مجانبة الشرك. وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، كما في حديث عمر، قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله». فمعنى لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله. فمعنى إفراد الله جل وعلا بالعبادة، والبعد عن الشرك، ومجانبة الشرك وأهله. قال إبراهيم لأبيه وقومه: ﴿إِنِّي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. والله عز وجل يقول: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾. إذن العروة الوثقى هي توحيد الله جل وعلا، وإفراد الله جل وعلا بالعبادة، والبعد والحذر من الشرك. قال: «لا تشرك بالله شيئاً»، وشيئاً نكرة في سياق النفي، تفيد العموم، لا تشرك بالله أي شيء، لا شجر ولا حجر، ولا شمس ولا قمر، ولا نبي ولا ولي، ولا قبر ولا غير ذلك من المخلوقات. وأن المساجد لله، فلا تدعو مع الله أحداً، «لا تشرك بالله شيئاً». قال: «وتقيم الصلاة»، تقيم الصلاة، يعني تداوم على فعلها، وتؤديها كما أمر الله جل وعلا، وكما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام. والمراد بها الصلاة المكتوبة، كما في الرواية التي قبلها، في حديث أبي هريرة، قال: «وتقيم الصلاة المكتوبة»، يعني الفرائض، وهي الصلوات الخمس، التي فرضها الله عز وجل على المسلمين، في كل يوم وليلة، فهي التي تعد ركناً من أركان الإسلام. قال: «وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة». والمراد بها كذلك الزكاة المفروضة، كما في الرواية التي قبلها، أي الزكاة الواجبة. ومر معنا في حديث عمر، ذكر شيء من التفصيل في ذكر أركان الإسلام. قال: «وتصوم رمضان». قال: صدقت، يعني جبريل يصدق النبي عليه الصلاة والسلام، فيما ذكر في معنى الإسلام. قال: صدقت. قال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله». قال: صدقت. وهنا فسر النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان، وبيّن أن الإيمان يتضمن الإيمان بالله، وملائكته، وكتابه. وكتابه يشمل جميع الكتب، لأنه مفرد مضاف، والمفرد إذا أضيف دل على الجمع. وفي حديث عمر، قال: «وكتبه». ولقائه، وهو يدخل في الإيمان بالبعث واليوم الآخر. ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله. ومر معنى الكلام على أركان الإيمان كذلك في حديث عمر رضي الله عنه. وفي هذه الرواية ذكر الإيمان بالقدر، وفي الرواية التي قبلها، من حديث أبي هريرة، لم يذكر الإيمان بالقدر. قال: «وتؤمن بالقدر كله». قال: صدقت. قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: «أن تخشى الله كأنك تراه، فإنك إن لم تكن تراه، فإنه يراك». يعني أن تعبد الله عز وجل، وتخشاه كأنك تراه، وتبصره. فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، فتعبده عبادة خوف ورهبة ومراقبة، تعلم أن الله عز وجل يراقبك. وهذه وهذه أكمل مراتب الدين، مرتبة الإحسان في العبادة، أن تكون في عبادتك لله جل وعلا على هذا الوصف، أنك تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. وإذا أيقن العبد بمراقبة الله سبحانه وتعالى له، وأن الله جل وعلا يبصره ويعاينه، فلا شك أن ذلك يؤدي به إلى إتقان العبادة وإحسانها، وأدائها على أكمل وجهها. يعني يؤديها على أكمل وجهها. كما ذكرنا في الدرس الماضي، أن لو أن شخصاً وكلك بعمل، وكان مسؤولاً عليك، وأنت تعلم أنه يراك ويراقبك، لا شك أنك ستحسن هذا العمل، وتؤديه على أكمل وجهه. فإذا كان هذا في حق هذا المخلوق، الذي يراقبك في عمل من أعمال الدنيا، فكيف بالعبادة والطاعة، وأنت تعلم أن الله جل وعلا يراقبك، وكذلك أيضاً يخفى عليه شيء من أعمالك؟ فإحسان العبادة وإتقانها، وأداؤها على وجه الأكمل، هذا أمر لابد منه، من باب أولى أن تحسن العبادة، من باب أولى أن تحسن العبادة. إذا كان العمل من أعمال الدنيا، ستحسنه وتدقنه، إذا علمت بمراقبة من أمرك بإقامة هذا العمل. فباب العبادة أولى، فباب العبادة أولى وأحرى. قال: صدقت. قال: يا رسول الله، متى تقوم الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». وذكرنا فيما مضى، أن في هذا دليل على عدم علم النبي عليه الصلاة والسلام لعلم الغيب، وأنه لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك علم الساعة، فلا يعلم متى تقوم إلا الله جل وعلا وحده. قال: «وسوى حديثك عن أشراطها»، يعني علاماتها. قال: «إذا رأيت المرأة تلد ربها، فذاك من أشراطها». تلد ربها، يعني تلد سيدها، تلد سيدها، تلد الأمة المملوكة مولوداً، فيصير هذا المولود سيداً عليها. وهذا كما ذكر الإمام النووي رحمه الله، أنه ربما تكثر الإماء والسراري، حتى تتداول ماذا بيع أمهات الأولاد، فتقع في يد ماذا ابنها، وهو لا يدري، وهو لا يدري، فتكون ماذا قد ولدت سيدها، فيكون هذا معنى من معاني قول النبي عليه الصلاة والسلام: «تلد المرأة ربها»، أي سيدها. قال: «فذاك من أشراطها». «وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض، فذاك من أشراطها». أي من أشراط الساعة، أن ترى الحفاة العراة، وهذا من أوصاف ماذا رعاة الإبل الفقراء، الذي ليس لهم مال، وهم حفاة الأقدام، عراة الأبدان، الصم البكم، يعني السفهاء الذين لا عقول لهم، الذين لا عقول لهم، ملوك الأرض، أي يترأسون على الناس، ويصبحون ماذا ملوكاً وأمراء على الناس. قال: «فذاك من أشراطها»، أي هذا من علامات الساعة، هذا من علامات الساعة. قال: «وإذا رأيت رعاء البهم يتطاولون في البنيان، فذاك من أشراطها». نعم، كذلك أيضاً من علامات الساعة، تطاول رعاة الأغنام والماشية من البدو في البنيان. وقلنا وقلنا هذا مما قد وقع، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فترى الآن الكثير من أهل البادية يتطاولون في البنيان، ويعمرون ماذا العمارات، وربما يتنافسون في ذلك، هذا من علامات الساعة. قال: «في خمس من الغيب، لا يعلمهن إلا الله». ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. أي هذه الأمور الخمسة، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى وحده، علم الساعة، ونزول الغيث، لا ينزله إلا الله، ولا يعلم ماذا القلق متى ينزل إلا الله. نعم، قد تكون هناك علامات على نزول الغيث، ومع ذلك قد لا ينزل، قد ينزل وقد لا ينزل، فالذي ينزله هو الله سبحانه وتعالى، وهو العالم جل وعلا بوقت نزوله. وهكذا أيضاً يعلم ما في الأرحام، كما ذكرنا بدرس الماضي، يعلم الله جل وعلا ما في الأرحام من الأجنة، ألو ذكر أو أنثى، واحد أو اثنان، نعم يعيش أو يموت، إلى آخر ذلك مما يتعلق بأمر الأجنة في الأرحام. قال: «وما تدري نفس ماذا تكسب غداً». ما يدري الإنسان ما الذي يكسبه في الغد. والأمر الخامس، لا تدري نفس بأي أرض تموت، لا يدري الإنسان بأي أرض يقبض الله عز وجل روحه. قال: ثم قام الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ردوه علي». فالتمس فلم يجدوه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا جبريل، أراد أن تعلموا، إذ لم تسألوا». أراد إذ تعلموا، إذ لم تسألوا. هذا أيضاً فيه أن من طرق التعليم السؤال، من طرق التعلم السؤال، أن يسأل الإنسان عن المسألة، فيعرف حكمها، فيعرف حكمها، سواء كان السؤال لنفسه، أو كان لغيره. يعني مثلاً أنت تعرف الجواب، لكن تريد أن يستفيد من في المجلس، فتسأل سؤالاً حتى يحصل تحصل الفائدة لمن يسمع، هذا أمر حسن، هذا أمر حسن. فجبريل عليه السلام يعلم الجواب، لكنه سأل حتى ماذا؟ حتى يعلم من كان حاضراً الجواب، فينتفع بذلك، ويتعلم هذه المسائل. فكون السائل يسأل عن شيء يعلمه، إذا كان المقصد منه هو تعليم من لا يعلم، فهذا أمر حسن، كما فعل جبريل عليه السلام. ومن طرق التعليم السؤال، كما ذكرنا. والإمام الزهري رحمه الله يقول: «العلم كنوز، مفاتيحها السؤال»، العلم كنوز، مفاتيحها السؤال. فبالسؤال يتحصل الإنسان على العلم، يتحصل على العلم. قال رحمه الله: وحدثنا قتيبة بن سعيد، ابن جميل، ابن طريف، ابن عبد الله الثقفي. وقتيبة بن سعيد، نعم، ابن جميل، ابن طريف، ابن عبد الله الثقفي. قيل أن قتيبة اسمه، وقيل هو لقب له، واسمه علي، وقيل يحيى، كما ذكر النووي رحمه الله. ونسبة الثقفي، قيل هو مولى لهم، فجده جميل كان مولى للحجاج بن يوسف الثقفي، جده جميل كان مولى للحجاج بن يوسف الثقفي. قال: عن مالك بن أنس، وهو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، صاحب المذهب، مذهب الإمام مالك. كان يقول: «كل يؤخذ من قوله، ويرد، إلا صاحب هذا القبر»، ويشير إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فيما قرئ عليه، عن أبي سهيل، عن أبيه. أبو سهيل اسمه نافع بن مالك بن أبي عامر، نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي. ونافع، نافع عم مالك بن أنس، نافع عم مالك بن أنس. قال: عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله، يقول: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل نجد، ثائر الرأس، نسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول، حتى دنى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة». قال: هل علي غيرهن؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». وصيام شهر رمضان. فقال: هل علي غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة. قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق». أو قال: وَحَدَّثَنِي وَحَدَّثَنِي يَحْيَى أَنَّ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةَ أَنَّ سَعِيدًا جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، نحو حديث مالك، غير أنه قال: فقال رسول الله: «أفلح وأبيه إن صدق»، أو «دخل الجنة وأبيه إن صدق». حديث طلحة بن عبيد الله، كما سمعنا، أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، من أهل نجد، ثائر الرأس. ومعنى ثائر الرأس، يعني أن شعره قائم منتفش، غير ممشط ولا مرتب، كحال كثير من أهل البوادي، تجدهم على هذا الوصف، وهذا الحال. فقال: «نسمع دوية صوته، ولا نفقه ما يقول»، يعني نسمع له صوت مرتفع، لكن غير مفهوم، صوته غير مفهوم، ما ندري ماذا يقول للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: «حتى دنى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يسأل عن الإسلام»، يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام، ما الذي يجب عليه، وما الذي ينبغي أن يفعله. وهذا يدل على أن المسلم ينبغي أن يحرص أن يحرص على السؤال فيما يتعلق بأمور دينه، وما الذي يجب عليه أن يفعله، وما الذي ينبغي أن يجتنبه، ويتركه. قد كان الصحابة رضوان الله عليهم يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عن أمور دينهم، يأتي الرجل من أهل البادية، من مكان بعيد، حتى يسأل النبي عليه الصلاة والسلام، يتفقه في الدين. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، يعني مما يجب عليك في الإسلام، خمس صلوات أن تصليها في اليوم والليلة، وهي الفرائض الخمس، الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال: «خمس صلوات في اليوم والليلة». قال: «هل علي غيرهن؟» يعني مما يجب، أو من الواجبات. فقال: «لا، إلا أن تطوع»، يعني إلا أن تتنفل بذلك، وتصلي لله جل وعلا الصلاة تطوع، صلاة نافلة. أما الذي يجب عليك، فهذه الخمس الصلوات. وسدل جماهير أهل العلم بهذا الحديث، على عدم وجوب صلاة ماذا؟ الاستسقاء، وصلاة الكسوف، وصلاة كذلك العيدين. قالوا: لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال له: «هل علي غيرهن؟» قال: «لا»، ليس عليك شيء من الصلوات غير هذه الصلوات الخمس، أي مما يجب. كذلك أيضاً عدم وجوب صلاة الوتر، فكل هذه الصلوات غير الصلوات الخمس، فهي مستحبة عند جماهير أهل العلم. وإن كان بعض العلماء يعني ذهب إلى وجوب بعض هذه الصلوات، بأدلة أخرى، صلاة العيدين، وهكذا أيضاً قليل من أهل العلم ذهبوا إلى وجوب صلاة الكسوف. وإلا فالجماهير على أنها مستحبة. قال: «لا، إلا أن تطوع». وهكذا أيضاً صلاة الوتر، جماهير علماء على أنها مستحبة، خلافاً لأبي حنيفة، فقد ذهب إلى وجوب صلاة الوتر، استدل بحديث، لكنه ضعيف. نعم، وصيح أنها مستحبة. قال: «وصيام شهر رمضان». قال: «هل علي غيره؟» يعني هل هناك صيام واجب علي غير صيام رمضان؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، يعني إلا أن تتنفل بشيء من الصيام غير صيام رمضان، يعني كصيام الاثنين والخميس، أو ثلاثة أيام من كل شهر، أو صيام عاشوراء، أو عرفة، وغير ذلك من أيام المستحبة. أما الذي يجب، والذي هو فرض، هو صيام شهر رمضان. قال: «وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة»، يعني كذلك إما يجب عليك أن تؤدي الزكاة الواجبة، المفروضة. قال: «هل علي غيرها؟» قال: «لا، إلا أن تطوع»، يعني لا يجب عليك الزكاة في غير هذه الزكاة الواجبة، إلا أن تطوع، تتنفل بإخراج شيء من المال، تنفقه في وجوه الخير والبر. قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: «والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه». لا أزيد يعني على ما ذكر للنبي عليه الصلاة والسلام. فمعنى ذلك أنه سيحافظ على هذه الواجبات، لا يزيد عليها، لا يزيد عليها. قال: «ولا أنقص منه»، يعني ما يفرط في شيء من هذه الفرائض، لا ينقص منها شيء، فيأتي بها كما أمر الله عز وجل، وكما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق»، يعني إن صدق فيما يقول، أنه لا يزيد عليها، ولا ينقص، فقد أفلح. والفلاح هو حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب، أن يتحقق لك مطلوبك، بالفوز بنعيم الله، وبالفوز برضى الله سبحانه وتعالى، وأن تنجو من سخط الله، ومن عذاب الله، ومن غضب الله جل وعلا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفلح إن صدق». طيب، قد يأتي هنا إشكال، قول الرجل: «والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه». ومعلوم أن في هذا الحديث، هناك بعض الواجبات ما ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، كفريضة الحج، لم يذكر هنا وجوب الحج. ومعلوم أن الحج من أركان الإسلام، أن الحج من أركان الإسلام. فالجواب كما ذكر الإمام النووي رحمه الله، أنه جاء في بعض الروايات، أنه قال: «والله لا أزيد على هذا، أو على ما افترض الله عليه»، لا أزيد على ما افترض الله عليه، ولا أنقص منه. وبهذه الرواية لا إشكال. فقوله: «لا أزيد على هذا»، المراد ليس فقط هذا المذكور، لكن كل ما فرضه الله عليه، فيدخل في هذا ما ذكر في هذا الحديث، وما لم يذكر، كالحج، نعمه، أيضاً من الفرائض والواجبات. وعلى هذا فلا إشكال. فقوله عليه الصلاة والسلام: «أفلح إن صدق»، لأن الإنسان إذا حافظ على الواجبات، فأتى بها كاملة، لم ينقص منها شيء، مع اجتنابه لماذا المحرمات، فهو بهذا إن شاء الله مفلح، يعتبر من أهل الفلاح، ومن أهل النجاح، ومن أهل الفوز. نعم، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفلح إن صدق»، إن صدق فيما قال، أنه لا يزيد ولا ينقص، هذا يعتبر من المقتصدين. الله عز وجل يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. الله عز وجل جعل الناس على ثلاثة أصناف. وهؤلاء يعني كلهم من أهل الإسلام، ومن ينجو، لكن على ثلاث مراتب. منهم الظالم نفسه، الذي أتى بالواجبات، وترك المحرمات، لكن حصل منه تفريط في ترك بعض الواجبات، وارتكاب بعض المحرمات، فلم يأت بها على وجهها الأكمل، ولم يجتنب المحرمات كلها، فهذا ظالم لنفسه. ومنهم مقتصد، وهو الذي أتى بالواجبات، وترك المحرمات، هذا من أهل الفلاح. ومنهم سابق بالخيرات، هذا الذي أتى بالواجبات، ثم أتبعها بنوافل الطاعات، كان من المسابقين والمسارعين في فعل الخير. وهذا أرفع المراتب، أرفع المراتب، أن يكون الإنسان محافظاً على الواجبات، ومجتنباً للمحرمات، وهكذا أيضاً كذلك يسابق في فعل المستحبات، سواء في نوافل الصلاة، أو الصيام، أو الصدقة، أو الحج، أو غيرها من أنواع الطاعات. وفي الرواية الأخرى، سند الآخر، ذكره الإمام النووي، الإمام مسلم رحمه الله، فيه سياق وهي قوله: «أفلح وأبيه إن صدق»، أو «دخل الجنة وأبيه إن صدق». هذا الآن فيه حلف بالآباء، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك، قال: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». نعم، وقال عليه الصلاة والسلام، في حديث عمر: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم». فكيف يوجه هذا الحديث، في قوله عليه الصلاة والسلام: «أفلح وأبيه إن صدق»؟ قال الإمام النووي رحمه الله: ذكر توجيه لذلك. من ذلك أن هذا مما جرى استعماله عند العرب، ولا يردون به ماذا حقيقة الحلف، أن هذا مما جرى استعماله، ولا يراد به ماذا الحلف، إنما يؤتى به كما يقال للتأكيد الكلام. والتوجيه الثاني: أن هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله، أن هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله. والأصل أنه لا يجوز الحلف بغير الله، لا يجوز الحلف بغير الله، لا بالآباء، ولا بالأمهات، ولا بالنعمة، ولا بالشرف، ولا بغير ذلك ماذا من الحلف بغير الله جل وعلا. فالواجب هو الحلف بالله وحده، الحلف بالله جل وعلا وحده، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». إذن يوجه هذه الرواية، فقوله: «أفلح وأبيه إن صدق»، أن هذا ماذا مما جرى استعماله عند العرب، ولا يريدون به ظاهره، لا يريدون به الحلف بغير الله، أو أنه قبل النهي عن الحلف بغير الله. وحينئذ فلا إشكال. وبعض أهل العلم ذكر أيضاً تقدير، قال: «أفلح وأبيه»، أي أفلح ورب أبيه، يعني بحذف المقسم به، فيكون التقدير: «أفلح ورب أبيه»، أو «أفلح والله»، أو نعم «أفلح ورب أبيه إن صدق». نعم، أيضاً هذا قد يوجه به هذه الرواية. صلى الله وسلم على أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.