الدرس في كتاب الإيمان 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الجنة والنار، فأجابه النبي بأن يعبد الله وحده ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصل الرحم. هذا يدل على حرص الأعرابي على الخير.
أكد النبي على أهمية توحيد الله وإقامة الصلاة بشروطها وأركانها، وأنها أساس قبول الأعمال وسبب للفوز بالجنة. التوحيد هو أعظم الواجبات والحذر من الشرك.
برزت أهمية الصلاة والزكاة وصلة الرحم في الفوز بالجنة والنجاة من النار، مستندة إلى أقوال النبي والقرآن الكريم. هذه الأعمال سبب للنجاة والفوز بنعيم الله.
بدأ المقطع بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ويشير إلى أهمية الصلاة على النبي في الإسلام كطريقة للبدء في موضوع ديني.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرِف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله تعالى، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا محمد بن عبد الله بن نُعمان، قال: حدثنا عمر بن عثمان، قال: حدثنا موسى بن طلحة، قال: حدثني أبو أيوب، وهو الأنصاري خالد بن زيد، رضي الله تعالى عنه، قال: أن أعرابيًا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته، أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله، أو يا محمد، أخبرني بما يقربني من الجنة، ويباعدني من النار. قال: فكف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: لقد وفق، أو لقد هُدي. قال: كيف قلت؟ قال: فأعاد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعبد الله، لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم». دعي الناقة. قال: وحدثني محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا محمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب، وأبوه عثمان، أنه ما سمع موسى بن طلحة يحدث عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الحديث. هذا الحديث يخبر أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن أعرابيًا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في سفر. ومر معنا أن الأعراب سكان البادية، من يسكن البادية بعيدًا من المدينة، يسمون بالأعراب أو بأهل البادية، ويغلب على الأعراب الجفاء والقسوة والشدة. فهذا الأعرابي عرض للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته، أو بزمامها. الخطام ما يربط على رأس الناقة، وتقاد به، يقال له خطام، ويقال له زمام. وبعض العلماء فرق بين الزمام والخطام، قال: الخطام ما يربط في رأسها، والزمام ما يوضع في أنفها، ما يوضع في أنفها يقال له زمام. فالمقصود أنه أخذ بالحبل المعلق بالناقة، ثم قال: يا رسول الله، أو يا محمد -وهذا الشك لعله من بعض الرواة- هل قال: يا رسول الله، أو قال: يا محمد؟ قال: أخبرني بما يقربني من الجنة، وما يباعدني من النار. فكف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نظر في أصحابه، يعني لم يجبه، وجعل ينظر عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه متعجبًا لسؤال هذا الأعرابي، ثم قال: لقد وفق، أو لقد هُدي، يعني لهذا السؤال. قال: أخبرني بما يقربني من الجنة، وما يباعدني من النار. هذا يدل على حرص عظيم للفوز بالجنة والنجاة من النار، يريد أن يعرف ما هي الأعمال التي إذا عملها كانت سببًا في دخوله الجنة، وفي بعده ونجاته من النار. ولا شك أن هذا المقصد مقصد عظيم، يحرص عليه كل عبد مسلم مؤمن حريص على الخير، ويريد ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب والفوز بنعيم الله، أنه يحرص على الأعمال التي تقربه إلى الجنة، وتبعده من النار. والمسلم والمؤمن يعبد الله عز وجل، ويعمل ما أمره الله عز وجل من فرائض وواجبات، ويترك ما نهاه من محرمات، إلا لأجل هذا المقصد: أن يكون من أهل الجنة، وأن ينجو من النار. فلا شك أن السؤال عن مثل ذلك، والحرص على تحصيل ذلك أمر عظيم، فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى أصحابه، ثم قال: لقد وفق، أو لقد هُدي. وفق، وفقه الله عز وجل، وسدده، إذ جعله يحرص على مثل هذا السؤال. وكذلك أيضًا أن يعمل بما سيسمع من جواب النبي عليه الصلاة والسلام. أو لقد هُدي، هُدي إلى الخير، وهدي إلى الاستقامة، هدي إلى طاعة الله، وهدي إلى ما فيه فلاحه ونجاته. قال: لقد وفق، أو لقد هُدي، قال: كيف قلت؟ يعني أعد سؤالك. قال: فأعاد، أي عاد سؤاله: أخبرني بما يقربني من الجنة، وما يباعدني من النار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعبد الله، لا تشرك به شيئًا». أول ما أمره به توحيد الله جل وعلا، عبادة الله، إفراد الله جل وعلا بالعبادة، والحذر والحذر من الشرك. فهذا أعظم الواجبات، وأفرض الفرائض. وكذلك أعظم الطاعات التي بها ينجو العبد من النار، ومن عذاب الله، ويفوز بالجنة، أن يوحد الله جل وعلا، وأن يفرده جل وعلا بالعبادة: «تعبد الله، لا تشرك به شيئًا». وهذا هو معنى ﴿لا إله إلا الله﴾، لا معبود بحق إلا الله. تعبد الله، قلنا: هذا أعظم الواجبات والفرائض التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، وهي الأصل والأساس الذي به تصح سائر الأعمال، سائر العبادات والطاعات، هي مكملات للتوحيد. إذا صح توحيد الإنسان، صحت سائر العبادات. وإذا فسد توحيده، فسدت سائر عباداته، فسدت سائر العبادات. الذي يصلي ويصوم ويزكي ويحج، وهو يشرك بالله، ويتخذ مع الله عز وجل أندادًا، ما نفعت هذه العبادات، وما صحت منه، وما قبلت منه. الله عز وجل يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. إذا لا تصح سائر الأعمال إلا إذا صح التوحيد، وعبادة الله جل وعلا. لهذا أمره في أول ما أمر بهذا الأصل العظيم: «تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا». وهي الغاية التي خلق الله عز وجل لأجلها الجن والإنس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وأرسل الرسل جل وعلا لتحقيق هذه العبادة العظيمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وهكذا حذر الله جل وعلا من الشرك، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار. وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فكما أن أعظم الفرائض الواجبات التوحيد، فأعظم المحرمات والمنهيات الشرك بالله جل وعلا. قال: «تعبد الله، لا تشرك به شيئًا». وهذا فيه أن العبادة مع وجود الشرك ما تنفع، العبادة مع وجود الشرك لا تنفع؛ لأنها تبطل، كما أن الوضوء إذا أحدث الإنسان بعد أن توضأ يبطل وضوءه بسبب الحدث، كذلك الشرك يبطل العبادة والطاعة، يبطل العبادة والطاعة، كما يبطل الحدث الوضوء. فإذا لابد من الإتيان بالعبادة من اجتناب الشرك، لابد من اجتناب الشرك. قال: «تعبد الله، لا تشرك به شيئًا». هذه أول الأمور التي إذا فعلتها كان سببًا في دخولك الجنة ونجاتك من النار. قال: «وتقيم الصلاة». بعد التوحيد وإفراد الله جل وعلا بالعبادة، والحذر من الشرك بجميع أنواعه وصوره، إقامة الصلاة، وهي أعظم الفرائض والواجبات بعد توحيد الله جل وعلا، وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. تقيم الصلاة، إقامتها أن تؤديها كما أمر الله جل وعلا، وكما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام، بشروطها وأركانها وواجباتها، والمداومة على أدائها في بيوت الله جل وعلا مع الجماعة. فالصلاة سبب عظيم للفوز بالجنة والنجاة من النار. الله عز وجل يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. وفي الآية الأخرى يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾. نعم، وهكذا في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فالصلاة سبب عظيم للفوز بالجنة. ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، الذي يترك الصلاة ويريد أن يفوز بالجنة وينجو من النار، هذا لم يأت الأمر من موضعه، ولا أتى الدار من بابها. كيف تريد النجاة وأنت لا تأخذ بأسبابها؟ ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها؟ إن السفينة لا تجري على اليبس. من أعظم أسباب النجاة والفوز بالجنة المحافظة على الصلاة. عمر رضي الله عنه يقول: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. والله عز وجل يقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أهدى الذي بينه وبينه الصلاة، فمن تركها فقد كفر». قال: «بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة». إذًا إقامة الصلاة سبب عظيم للنجاة والفوز بنعيم الله سبحانه وتعالى. قال: «وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة». أمره كذلك بإيتاء الزكاة. إيتاء الزكاة يعني إخراج ما أوجب الله سبحانه وتعالى من زكاة المال، أو ما قدره الله جل وعلا من المال، وإنفاقه في الأصناف التي أمر الله سبحانه وتعالى أن تؤدى إليها الزكاة، وهي الأصناف الثمانية المذكورة بقول الله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ...﴾ الآية. تؤتي الزكاة، تخرج المال، والزكاة من مالك تطهر مالك وتطهر نفسك. وهذا هو أصل الزكاة في اللغة: النماء والطهارة، النماء والطهارة. فتزكية المال تطهيره مما قد يشوبه، وكذلك أيضًا يتخلله من شيء من المحذورات. وأيضًا سبب لنمائه وزيادته وبركته: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما نقص مال من صدقة». «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها». فالمقصود أنه أمره بإيتاء الزكاة، وهي أيضًا الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله، الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله، كثيرًا ما يقرن الله عز وجل بين الأمر بالصلاة وإيتاء الزكاة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. نعم، وهي أيضًا فيها مواساة للفقراء والمساكين، والسد لحاجتهم. قال: «وتصل الرحم». الأمر الرابع الذي أمره به صلة الرحم. الرحم المراد بها: من كان بينك وبينه ولادة قريبة أو بعيدة، من كان بينك وبينه ولادة قريبة أو بعيدة فهو رحم لك. أمر النبي عليه الصلاة والسلام بصلتها. وصلة الرحم تختلف من حال إلى حال، فالفقير مثلًا يصل أرحامه بالسلام عليهم وزيارتهم. والغني ما يكفي مجرد السلام عليهم، يعني يذهب يزور أرحامه، وهم مساكين مثلًا، وهو غني قد فتح الله عليه، كيف حالكم؟ بخير؟ يذهب، هذا ما يكفي، هذا صلة الرحم في حقه أن يواسيهم ويعطيهم مما فتح الله سبحانه وتعالى عليه، فيكون في ذلك صلة صلته لأرحامه. وهكذا على حسب الحال، لكن أصل الصلة بالزيارة والسلام، ويرجع في ذلك إلى العرف، يرجع في ذلك إلى العرف. فمن الأرحام ما لا بد من زيارتها ربما في الأسبوع أكثر من مرة، ربما أكثر من مرة، ومنها ما ربما تزار في الشهر أو نحو ذلك، على حسب ماذا؟ العرف. ومعلوم فضل صلة الرحم، وما جاء في الشريعة من فضائل وثواب، وحث وترغيب، وترهيب في قطعها. والله جل وعلا يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». والأدلة في ذلك كثيرة. قال: دعي الناقة، كأنه كان ماسكًا بخطامها، فلما أجابه النبي عليه الصلاة والسلام قال: دعي الناقة، أن يتركها. فهذا الحديث كما سمعنا فيه سؤال هذا الأعرابي للنبي عليه الصلاة والسلام بهذا السؤال العظيم: أخبرني بما يقربني من الجنة، وما يباعدني من النار. فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الجواب الجامع العام، بأمره بعبادة الله والحذر من الشرك، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصلة الرحم. وأمره بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يتبع ذلك بقية الفرائض، يعني لو قال: قال أنا سأعبد الله ولا أشرك به، وأقيم الصلاة وأؤتي الزكاة، لكن ما أصوم ولا أحج، لا، هذا ليس هذا المقصود أنك تفعل فقط ما ذكر في هذا الحديث، لكن النبي عليه الصلاة والسلام نبهه إلى بعض الأعمال التي يحافظ عليها، مع المحافظة على غيرها من الفرائض والواجبات التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، مع العناية بما ذكر في هذا الموضع. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.