شرح العقيدة الواسطية 6

شرح العقيدة الواسطية 6

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أفعال العباد بين المشيئة الإلهية والاختيار البشري

يشرح المقطع عقيدة أهل السنة في أفعال العباد، موضحًا أن للعبد مشيئة وقدرة حقيقية تابعة لمشيئة الله، وأن الله خالق العبد وأفعاله. ويرد على طائفتين ضالتين: القدرية الذين ينفون خلق الله لأفعال العباد، والجبرية الذين يسلبون العبد اختياره، مؤكدًا أن مذهب السلف وسط بين الإفراط والتفريط.

موقف أهل السنة من القدر وتعريف الإيمان قولاً وعملاً

يبيّن المقطع الفرق بين طوائف القدرية والجبرية في نسبة أفعال العباد إلى الله، مقررًا مذهب أهل السنة بأن الله خالق الأفعال ومشيئة العبد تابعة لمشيئته. ثم يستعرض تعريف الإيمان عند أهل السنة بأنه قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، مخالفًا المرجئة والخوارج.

حكم مرتكب الكبيرة والرد على المرجئة والخوارج

يشرح المقطع اختلاف المرجئة والخوارج وأهل السنة في تعريف الإيمان وحكم مرتكب الكبيرة، فالمرجئة يخرجون العمل من الإيمان والخوارج يكفرون صاحب الكبيرة. بينما أهل السنة يرون الإيمان يزيد وينقص، وصاحب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان لا كافر، مستدلين بآيات تثبت أخوة الإيمان.

مكانة الصحابة والنهي عن سبهم وفضلهم على من بعدهم

يؤكد المقطع حرمة الخوض في خلافات الصحابة ووجوب الدعاء لهم بالمغفرة كما أمر الله، وينقل نهي النبي عن سب أصحابه لفضلهم السابق. ويوضح أن أعمال من جاء بعدهم لا تبلغ درجة مد أحدهم ولا نصيفه، كما ورد في الحديث الصحيح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته العقيدة الواسطية: قال: «والعباد فاعلون حقيقة، والله خلق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم»، كما قال تعالى: ﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. فبين رحمه الله أن العباد لهم قدرة ومشيئة، وأنهم يفعلون ما يفعلونه بإرادتهم ومشيئتهم، والله جل وعلا أثبت لهم المشيئة في قوله سبحانه: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ﴾، فـ ﴿ مَا تَشَاءُونَ ﴾ هذا إثبات المشيئة للخلق، لكن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله، ولهذا قال: ﴿ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ﴾. إذن العباد لهم إرادة ولهم مشيئة، فإن فعلوا الخير فعلوه بإرادتهم ومشيئتهم، وإن فعلوا الشر فعلوه بإرادتهم ومشيئتهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾، وقال عز وجل: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾، أي طريق الخير وطريق الشر، فهو إن سلك طريق الخير سلكه باختياره وإرادته، وإن سلك طريق الشر سلكه باختياره وإرادته، ومع هذا لا يخرج أن يكون فعله مما خلقه الله سبحانه وتعالى. كون العبد له اختيار ومشيئة ليس معناه أنه لا مشيئة لفعل العباد، بل الله عز وجل هو الخالق لهم، وهو الخالق لأفعالهم، وهو الخالق لأفعالهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾، ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾، أي: والله خلقكم وعملكم، على أن ﴿ مَا ﴾ مصدرية، والتقدير: وعملكم. إذن أعمال العباد مخلوقة، خلقها الله سبحانه وتعالى، سواء كان هذا العبد مؤمنًا أو كان كافرًا، أو كان برًا مطيعًا أو كان فاسقًا فاجرًا، فكل ما يفعل هؤلاء العباد من أفعال فقد خلقها الله سبحانه وتعالى، ولا يخرج ذلك عن خلق الله سبحانه وتعالى. والله يقول: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾، وقال: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾، ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾، ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾. وبهذا نعلم ضلال من ضل في هذا الباب من القدرية المعتزلة والجبرية الجهمية. القدرية الذين نفوا أن يكون لله عز وجل قدرة في أفعال العباد، وأنه لا قدرة لله فيما يفعلون، وأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه. والجبرية، والجبرية الجهمية الذين غلوا في إثبات القدر لله سبحانه وتعالى حتى نفوا أن يكون للعبد مشيئة واختيار وقدرة، وقالوا: لا قدرة للعبد، وقالوا: لا قدرة للعبد على أفعاله، وإنما هو كالريح أو كالأوراق في مهب الريح تحركها كيف شاءت، فهو مجبور على ما يفعل من شر أو معاصي أو ذنوب. ولهذا نفوا أن يكون لله سبحانه وتعالى، أو أن يكون لهذا المخلوق قدرة ومشيئة. وكل الطائفتين على ضلال، ويرد عليهم بهذه الآية: ﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾، ﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾، الله أثبت مشيئة للمخلوق، ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ ﴾، معنى أن الإنسان له مشيئة وله اختيار وله قدرة، لكن مشيئته تابعة لمشيئة الله، ﴿ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. فقول: ﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾ هذا رد على الجبرية الذين قالوا بأن المخلوق ليس له مشيئة، وقول جل وعلا: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ وهذا رد على القدرية الذين قالوا بأن الله عز وجل لا مشيئة له في أفعال العباد. ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل خالق العباد وخالق أفعالهم وإراداتهم سبحانه وتعالى، وأنهم لا يفعلون شيئًا إلا بإرادة الله وبقدرة الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل خلق الخير وخلق الشر، فكلهم من خلق الله، وإن كان الشر لا ينسب إلى الله لا ينسب إلى الله فعلًا، ولكن ينسب إلى الله خلقًا وإيجادًا. ولهذا كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: «والشر ليس إليك، والشر ليس إليك»، أي: لا ينسب إليك الشر، وليس في أفعالك شيء من الشر المحض، ولكن ينسب إلى الله خلقًا لعموم الأدلة التي سمعنا في كتاب الله جل وعلا. وأما الذي يباشر الشر ويفعله فهو المخلوق، هو الذي يفعل الشر ويباشر فعل الشر. قال: «وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها» - هكذا عندنا «حكمها» ولعل الأصح «حكمها» - «ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها». هذه الدرجة وهي الدرجة الثانية، درجة الخلق والمشيئة، هذه يكذب بها عامة القدرية. علمنا أن المرتبة الأولى وهي مرتبة العلم والكتابة كان في أول الأمر يوجد من القدرية من ينكرها، وهؤلاء كفرهم العلماء، لكنهم انقرضوا، وعامة القدرية اليوم يثبتون مرتبة العلم والكتابة وينفون مرتبة المشيئة والخلق. القدرية والجبرية فالقدرية نفوا أن يكون الله سبحانه وتعالى خلق أفعال العباد وشاءها، ينفون أن يكون الله عز وجل خلق أفعال العباد وشاءها، وإنما يقولون بأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، ولا مشيئة ولا قدرة لله عز وجل في أفعال العباد. ويقابلهم من غلا في إثبات القدر وهم الجبرية الذين قالوا بأن العبد ليس له مشيئة وقدرة، وأن أفعاله مما خلقها الله سبحانه وتعالى، ونفوا عن العبد أن يكون له مشيئة، فيقولون: هو كالورق في مهب الريح تأخذ بها الرياح حيث شاءت، تأخذ بها الرياح حيث شاءت. ولا شك أن كلا الطائفتين قد ضلت في هذا الباب ضلالًا عظيمًا. أما القدرية فهم مجوس هذه الأمة كما ذكر رحمه الله، وقد جاء ذلك في بعض الأحاديث، وإن كان فيها شيء من الضعف لكن بمجموعها ترتقي إلى درجة الحسن أو الصحيح، فيكون مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام تسمية القدرية بمجوس هذه الأمة، لأن المجوس أثبتوا خالقين: خالق للخير وخالق للشر، والقدرية قالوا: الإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه، فأثبتوا مع الله خالقًا آخر، بل خالقين، كل إنسان يعتبر خالق هو الذي يخلق أفعاله، وليس لله سبحانه وتعالى مشيئة ولا قدرة على فعل العبد، وهذا لا شك أنه ضلال عظيم. وكذلك كما سمعتم فيما يقابلهم الجبرية الذين غلوا في إثبات المشيئة لله سبحانه وتعالى والخلق، ونفوا المشيئة عن المخلوق، نفوا المشيئة عن المخلوق. طيب، ما الذي حملهم على هذا؟ قالوا: قال الجبرية: لو قلنا بأن الإنسان له مشيئة وله قدرة، فكيف يفعل الإنسان المعصية والذنب ويعاقبه الله سبحانه وتعالى عليه، والله عز وجل هو الذي شاء ذلك وقدره؟ كيف يعاقبه على المعاصي والله جل وعلا شاءها وقدرها؟ قالوا: إذن الحل أننا نقول أن الله لم يشأها ولم يقدرها، طيب، وأن العبد هو الذي يفعل فعل نفسه. هؤلاء القدرية، هؤلاء القدرية يعني قالوا: لو قلنا بأن الله عز وجل يخلق فعل العبد، فكيف يعذبه على المعاصي والذنوب، والله عز وجل هو الذي شاءها وقدرها؟ إذن نفوا أن يكون الله سبحانه وتعالى خلق أفعال العباد أو شاءها وقدرها، وإنما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وأرادوا بهذا كما زعموا أن ينزهوا الله جل وعلا من الظلم، فوقعوا في هذه البدعة. وقابلهم الجبرية، الجبرية المثبتة الذين قالوا بأن الله عز وجل هو الخالق لأفعال العباد والذي شاءها، لكن قالوا: الله عز وجل خلق أفعال العباد ومنها الشر، وما يفعله العبد من ذنوب ومعاصي، لو قلنا بأن العبد له مشيئة وله قدرة، فكيف يفعل المعصية ويفعل الشهوة ثم يعاقبه الله سبحانه وتعالى عليها وهو جل وعلا الذي شاءها وقدرها؟ فقالوا: إذن العبد ليس له مشيئة، ليس له مشيئة ولا اختيار، وإنما هو مجبور على فعل ما يفعله، مجبور على فعل ما يفعله من ذنوب، من معاصي، من كفر، الله جل وعلا جبره على ذلك. وهذا أيضًا لا شك أنه قول باطل، يعني فيه وصف الله جل وعلا بالظلم، إذ كيف يجبر الله سبحانه وتعالى العبد على فعل المعاصي وفعل السيئات وفعل الكفر ثم يعاقبه على ذلك ثم يعاقبه على ذلك؟ وفيه إبطال الأمر والنهي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الإنسان مجبور مجبور على ما يفعل، إن زنى فهو مجبور، إن قتل فهو مجبور، إن شرب الخمر فهو مجبور، إن ترك الصلاة فهو مجبور، إذن سيضيع الدين، سيضيع الدين بهذا القول الباطل، وكذلك تضيع أحكامه وأوامره نواهيه. فلذلك كان كلا الطائفتين على ضلال. وأهل السنة والجماعة كما سمعتم قالوا بأن الله عز وجل خلق أفعال العباد وشاءها وقدرها جل وعلا، وجعل للمخلوق قدرة ومشيئة، وجعل للمخلوق قدرة ومشيئة، ومشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله، فلا يفعل شيئًا إلا مما شاءه الله، لا يفعل شيئًا إلا مما شاءه الله وقدره الله سبحانه وتعالى. وهذا الباب كما قلنا باب القدر سر الله عز وجل في خلقه، لا ينبغي للعبد أن يخوض فيه أو أن يسأل: لما فعل الله كذا؟ أو لما أمر بكذا؟ أو لما لم يأمر بكذا؟ إلى آخره، لأن هذا من أسباب الضلال والزيغ، والله جل وعلا يقول: ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾. فنحن نؤمن بأن الله عز وجل الخالق لكل شيء، وهو المقدر جل وعلا لكل شيء من الخير والشر، كله بتقدير الله وبمشيئة الله سبحانه وتعالى، لكن العبد له مشيئة وله قدرة، فهو إن فعل الخير فعله بمشيئته وقدرته، لا كما يقول الجبرية أنه لا قدرة له ولا مشيئة، وإن فعل كذلك الشر فإنه يفعله بقدرته ومشيئته، وهي تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى، وكما قال الله جل وعلا: ﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. قال رحمه الله: فصل. ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ذكر رحمه الله من أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان عندهم قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قول القلب هو تصديقه وإيقانه، هو تصديقه وإيقانه. وقول اللسان هو النطق بالشهادتين، فلا يكون العبد مؤمنًا حتى ينطق بالشهادتين. وعمل القلب واللسان: عمل القلب النية، النية والإخلاص، المحبة والخوف والرجاء إلى آخر ذلك، هذا عمل القلب. وعمل اللسان: كذكر الله جل وعلا، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى آخر ذلك. وعمل الجوارح: كالصلاة والصيام والحج والعمرة وغير ذلك من الطاعات والعبادات. وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كلما ازداد العبد من الطاعات كلما زاد إيمانه، وإذا ارتكب المعصية نقص من إيمانه بقدر ما وقع فيه من المعصية، كما في قول الله جل وعلا: ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿ وَزَادَهُمْ إِيمَانًا ﴾، فكل دليل يدل على زيادة الإيمان فهو دليل على نقصانه، لأنه قبل الزيادة معنى أنه كان ناقصًا، معنى أنه كان ناقصًا. وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، متفق عليه. وحديث أبي هريرة كذلك بالصحيح: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير». إذن هناك مؤمن قوي ومؤمن ضعيف على حسب زيادة الإيمان وضعفه. وهكذا أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». إذا الإيمان يتفاوت في ارتفاعه وعلوه وفي ضعفه ونقصه، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. هذا الإيمان عند أهل السنة والجماعة، هذا الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، أو كما قال رحمه الله: قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وخالف بهذا الباب كثير من الطوائف من المرجئة والخوارج وغيرهم. فغلاة المرجئة وهم الجهمية قالوا: الإيمان هو مجرد المعرفة، إذا عرفت الله فأنت مؤمن، ما يحتاج تصديق بالقلب ولا قول باللسان، إذا عرفت الله فأنت مؤمن. ولهذا قالوا بأن إبليس عندهم مؤمن، لأن إبليس عرف الله، قال: ﴿ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾، عرف ربه، إذن على قولهم هذا بأن إبليس مؤمن. وهكذا أيضًا عندهم فرعون يعتبر مؤمنًا، لأن فرعون عند الغرق قال: ﴿ آمَنتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾، عرف ربه، عند الجهمية يكفي هذا، ففرعون مؤمن. لا شك أن هذا قول باطل. وهكذا أيضًا من المرجئة من يقول: الإيمان هو تصديق القلب، تصديق القلب مجرد التصديق يكفي أن تكون مؤمنًا. ومنهم من يقول: نطق اللسان، إذا نطقت بلسانك فأنت مؤمن، ما يحتاج تصديق القلب، يكفي نطق اللسان، وهذا قول الكرامية. وهؤلاء عندهم المنافقون مؤمنون، لأن المنافقين ينطقون بألسنتهم، ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾، فهم يقولون بألسنتهم ما لا يؤمنون به في قلوبهم، ومع هذا كفرهم الله جل وعلا، ولم يجعل هذا منهم إيمانًا صحيحًا، بل أخبر أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار. ومن المرجئة كذلك من يقول: الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب فقط، وأما الأعمال فيخرجونها عن مسمى الإيمان، يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، يقولون: الأعمال لا تدخل في الإيمان، ولهذا يقولون بأن ارتكاب العبد للذنوب المعاصي لا تنقص إيمانه، فإيمان الفاجر كإيمان أبي بكر وعمر، إيمان الفاجر كإيمان أبي بكر وعمر، مادام أن عنده أصل الإيمان فلا يضر معه ذنب، ويقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة. وهذا لا شك أيضًا أنه قول باطل. وكذلك الخوارج: وافقوا أهل السنة في قول اللسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح، ثم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا لا يزيد ولا ينقص، خالفوهم في هذا الشرط الأخير في زيادة الإيمان ونقصانه، فقالوا: إن الإيمان شيء واحد، إن ذهب بعضه ذهب كله، ولهذا حكموا على صاحب الكبيرة بالكفر، إذا وقع في الذنب قال: ذهب إيمانه، ويعتبر كافرًا، ويخلد في النار يوم القيامة، ويستباح دمه وماله في الدنيا. هذا خلاف معتقد أهل السنة والجماعة، بل عندهم الإيمان يزيد وينقص، كون فعل الذنب وفعل المعصية ما نقول هو كامل الإيمان كما يقول المرجئة، ولا نقول هو كافر كما يقول الخوارج، لا، هو مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن ضعيف الإيمان، ولا نخرجه عن دائرة الإسلام لأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص في المعصية، إذا وقع في المعصية نقص إيمانه لكن لا نسلب عنه الإيمان بكلية كما سيأتي. فهذا معتقد أهل السنة والجماعة في باب الإيمان. قال: «وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأقوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي». قال سبحانه: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، وقال: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾. يقول رحمه الله: وهم مع ذلك، أي أهل السنة والجماعة، لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، أهل القبلة يعني أهل الإسلام ومن يصلي إلى القبلة، لا يكفرونهم بمطلق المعاصي، أي بأي معصية وقع فيها فهو كافر، كما يقول الخوارج. والخوارج فرقة من فرق الضلال، وسموا بذلك بالخوارج لخروجهم على ولاة الأمر واعتقاد عدم السمع والطاعة لهم، ويرون السيف على ولي الأمر إذا جار أو ظلم، إذا جار أو ظلم. وأول ما ظهروا في خلافة علي رضي الله عنه، لما حكم علي رضي الله عنه مع معاوية الرجال في القضية التي حصلت بينهم، خرج هؤلاء الخوارج الحرورية وقالوا: تحكم الرجال، والله يقول: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾، فكفروا علي رضي الله عنه ومن معه، وانعزلوا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قد حذر منهم النبي عليه الصلاة والسلام في حياته، لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم القسم يوم حنين، فقال ذو الخويصرة: يا محمد اعدل، فإنك لم تعدل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ويحك، ومن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟» فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه، فإنه يخرج من ضئضئ هذا أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم وقراءتكم إلى قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، يعني ما يفهمون من القرآن إلا تلاوته وقراءته فقط، «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وثمود»، وذكر السلام من صفاتهم: أحداث الأسنان، يعني أنهم حدثاء الأسنان، وذكر أيضًا عليه الصلاة والسلام أنهم أهل عبادة وطاعة، لكنهم لا يفقهون من العلم شيء، ولا يفقهون من القرآن شيء إلا تلاوته وقراءته، وأخبر عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من قتلوهم، وخيرهم من قتلهم»، إلى آخر ذلك. فظهرت هذه كما سمعتم في خلافة علي رضي الله تعالى عنه، ثم استمرت بعد ذلك في زمن عثمان، وخرجوا على عثمان حتى قتلوه رضي الله تعالى عنه. ومن صفاتهم وسماتهم ومعتقداتهم أنهم يكفرون صاحب الكبيرة، عندهم صاحب الكبيرة كافر، فمن كان يعتقد هذا المعتقد فهو خارجي، فهو خارجي. كذلك أيضًا من سمات هؤلاء الخوارج قولهم بأن الإيمان شيء واحد، أن الإيمان شيء واحد، إذا ذهب بعضه ذهب كله. كذلك أيضًا من سمات الخوارج أنهم يرون الخروج على ولي الأمر المسلم إذا جار أو ظلم، إذا كان ظالمًا أو جائرًا، فيرون الخروج عليه، هذه من معتقد الخوارج، من رأى ذلك أو اعتقد ذلك فهو خارجي، فهو خارجي. وكذلك أيضًا من معتقداتهم عدم العذر بالجهل مطلقًا، عدم العذر بالجهل مطلقًا، ما يعذرون بالجهل، إنسان وقع في معصية، في ذنب، خلاص يؤاخذ به، ولا يعذر بجهله، هذا من معتقدات الخوارج. وهكذا أيضًا من معتقداتهم أنهم يكفرون كل من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل، تكفير كل من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل، ولو في قضية معينة، عندهم كافر، ويعتبر حلال الدم والمال، بخلاف أهل السنة فإنهم يفصلون في هذه القضية: من حكم بغير ما أنزل الله لاعتقاده أن ما حكم به أفضل من حكم الله أو مساويًا لحكم الله، أو جعل يعني ما يحكم به قانونًا في جميع أمور الدين والشريعة، هذا كفر أكبر. وأما من حكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة لشهوة ولأجل شيء من أمور الدنيا وهو يعتقد أن حكم الله هو الأفضل وهو الأحسن وهو الواجب، فهذا لا شك أنه وقع في الكفر الأصغر وفي كبيرة من كبائر الذنوب ولا يكفر بذلك. فعلى كل، الخوارج عندهم التكفير بمطلق المعاصي، إذا وقع في معصية كبيرة حكم عليه بالكفر، وهذا خلاف ما أخبر الله سبحانه وتعالى به، فالله جل وعلا في قضية القتال، والقتال قتال المسلم لأخيه كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب، ومع هذا أثبت الله جل وعلا الأخوة الإيمانية بين القاتل والمقتول أو بين القاتل مع من تقاتل معه، قال جل وعلا: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، هذا في حق القاتل وأولياء الدم، وسماهم القاتل، يعني نسب لفظ الأخوة، ولو كان كافرًا لم تثبت له الأخوة، لم تثبت الأخوة للقاتل لو كان القتال كفرًا، لو كان القتال كفرًا لما ذكرت الأخوة حينئذ بينهما. وكقول جل وعلا: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾، انظروا سماهم مؤمنين مع وجود القتال فيما بينهم، ولو كان القتال كفرًا مخرجًا من الملة لما أثبت الله سبحانه وتعالى لهم اسم الإيمان. قال: ﴿ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾، سماهم مؤمنين مع حصول القتال فيما بينهم، مع حصول القتال فيما بينهم. فبهذا نعلم أن مرتكب الكبيرة من الزنا أو كذلك القتل أو شرب الخمر أو أكل الربا أو غير ذلك من كبائر الذنوب لا يخرجه ذلك عن دائرة الإسلام، بل هو مؤمن ضعيف الإيمان أو ناقص الإيمان. قال رحمه الله: «ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة». الفاسق الملي، الفاسق يعني العاصي، سمي العاصي فاسقًا لأنه خرج عن طاعة الله، والفاسق الملي يعني الفاسق من أهل الإسلام، العاصي من ملة أهل الإسلام. قال: «ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية»، يعني لا ينفون اسم الإيمان عن الفاسق من أهل الإسلام إذا وقع في الفسق، وقع في المعصية، وقع في الكبيرة، لا ينفون عنه اسم الإيمان، فلا يقولون: هو ليس بمؤمن، بل هو كافر، لا، بل يسمونه مؤمنًا لكنه ناقص الإيمان أو ضعيف الإيمان. قال: «ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية»، أي لا ينفون عنه اسم الإيمان بالكلية، «ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة». المعتزلة عندهم الفاسق الملي إذا وقع في كبيرة من كبائر الذنوب فهو مخلد في نار جهنم، هم يتفقون مع الخوارج في تخليده في النار وأنه مخلد في نار جهنم. وبالنسبة في الدنيا فالمعتزلة لا يثبتون له اسم الإيمان، لا يثبتون له اسم الإيمان، بل يقولونه في منزل بين المنزلتين، ما نقول مؤمن ولا نقول كافر، معنى هذا أنهم ينفون عنه اسم الإيمان، ينفون عنه اسم الإيمان، فيقولونه في منزل بين المنزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر. وأما الخوارج فإنهم يسلبون عنه اسم الإيمان وينسبون له اسم الكفر، ويحكمون عليه بأنه كافر، بأنه كافر، ورتب على ذلك حل دمه وماله. قال: «بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان كما في قوله: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾»، تحرير رقبة، أمر الله في كفارة القتل وغيرها من الكفارات بتحرير رقبة، قال: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾، إذا كانت هذه الرقبة هذا الرقيق عنده شيء من المعاصي، هل يخرجه هذا عن اسم الإيمان؟ الجواب: لا، هي رقبة مؤمنة، وكانت عندها فسق وعندها معاصي، فلا يسلب عنها اسم الإيمان، ولا ينفى عنها اسم الإيمان. قال: «وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق»، يعني الإيمان الكامل، يعني العاصي لا ننفي عنه مطلق الاسم، اسم الإيمان، ولا نثبت له الإيمان المطلق، يعني الإيمان الكامل، واضح، لا ننفي عنه اسم الإيمان فنثبت له اسم الإيمان، لكن في المقابل لا نثبت له الإيمان المطلق، أي الإيمان الكامل، بل نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن ضعيف الإيمان. قالوا: «قد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق»، أي الإيمان الكامل، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾، هذا لا يدخل فيه الفاسق والعاصي وصاحب الكبائر، المراد بالمؤمن هنا كامل الإيمان. قال: «وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن»، والحديث في الصحيحين». فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» إلى آخره، هل معنى هذا أنه كافر كما يقول الخوارج؟ الجواب: لا، وإنما المراد أنه ليس بمؤمن كامل الإيمان، فالنفي هنا نفي للإيمان الكامل والإيمان المطلق، وليس نفي لأصل الإيمان، وليس نفي لأصل الإيمان. ويدل على هذا ما مر معنا من الأدلة الأخرى في إثبات الإيمان لمن قاتل أخاه المسلم، لم ينفي الله عز وجل عنه اسم الإيمان. كذلك في الزنا، لما جئ بذاك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجلده الصحابة وسبه أحد الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوه، فإنه يحب الله ورسوله»، فإنه يحب الله ورسوله، هذا معنى أنه مؤمن، ليس معنى أنه شرب الخمر وأنه قد كفر بذلك. وكذلك أيضًا هذه الحدود التي أقيمت على أصحاب هذه المعاصي، لو كانوا كفارًا لكان حدهم القتل كما هو حد المرتد، قال عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه»، «من بدل دينه فاقتلوه»، جعل حد من بدل دينه أي كفر وخرج وارتد عن دين الإسلام أنه يقتل. لكن في الزنا أمر بجلد الزاني غير المحصن، وبرجم الزاني المحصن، لأنه وقع في الزنا وقد تزوج بالنكاح الصحيح وآثر المعصية على ما أحل الله سبحانه وتعالى لهم من الزواج، فعوقب بالرجم حتى الموت. وهكذا السارق: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾، ولم يقل: فاقطعوا رقابهما أو رؤوسهما، لو كان كافرين لقال: فاقطعوا رؤوسهما. وهكذا أيضًا في شارب الخمر جعل حده الجلد، يجلد أربعين أو ثمانين جلدة، ولم يؤمر بقتله. هذا على أنه لا يكفر المسلم إذا وقع في شيء من كبائر الذنوب، لكن لا نثبت له الإيمان الكامل، نثبت له أصل الإيمان، نقول: مؤمن ناقص الإيمان أو ضعيف الإيمان. قال: «ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته». هذا قول أهل السنة في صاحب الكبيرة، أنه مؤمن ناقص الإيمان، فلا ننفي عنه اسم الإيمان كما يقول المعتزلة أو الخوارج، ولا نثبت له الإيمان الكامل كما يقول المرجئة، بل نقول: هو مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، مؤمن ناقص الإيمان. قال: «أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يُعطى الاسم المطلق، يعني اسم الإيمان الكامل، ولا يُسلب مطلق الاسم، أي لا يُنفى عنه مطلق اسم الإيمان». لا يُعطى الاسم المطلق، الإيمان الكامل، ولا يُسلب عنه مطلق الاسم، أي مطلق اسم الإيمان. قال: فصل. ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وصفهم الله به في قوله: في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾، وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا تسبوا أصحابي، والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»، ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم. ذكر هنا في هذا الفصل ما يتعلق بأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي ليس في قلوبهم غل ولا بغضاء ولا حقد للصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا كذلك أيضًا يتكلمون بألسنتهم في أعراض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما حصل بينهم من حروب وقتال هم فيها مجتهدون بين الأجر والأجرين، المصيب له أجران والمخطئ له أجر، وخطؤهم مغفور، بل يمسكون عما شجر بينهم رضي الله تعالى عنهم، وكما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «تلك حروب قد طهر الله عز وجل منها سيوفنا، فلنطهر منها ألسنتنا»، تلك حروب قد طهر الله عز وجل منها سيوفنا، فلنطهر منها ألسنتنا، أي لا نخوض فيما حصل بينهم رضي الله تعالى عنهم. كما قال الله جل وعلا: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾، أي بعد المهاجرين والأنصار، بعد أن ذكر الله جل على المهاجرين للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم في سورة الحشر، ثم ذكر الأنصار: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾، قال بعد ذلك: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ﴾، فهم يدعون لهم بالمغفرة والرحمة، ﴿ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾، يدعون الله جل وعلا أن لا يجعل في قلوبهم غلا ولا حقدًا ولا بغضًا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا يطيعون النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا تسبوا أصحابي»، النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن نسب أصحابه عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهم، وذلك لما لهم من سابقة الصحبة وسابقة الإسلام وهجرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وقتالهم معه وشهودهم نزول الوحي إلى آخر ذلك من الفضائل الكثيرة، ولهذا قال: «فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»، والحديث في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وقلنا هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد حين حصل ما حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن عوف من السابقين الأولين، وخالد أسلم مؤخرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي»، فكيف بمن جاء؟ وهذا الخطاب للصحابة، فمن بعد الصحابة رضي الله عنهم من باب أولى ألا يقع منهم شيء من ذلك، وأن من جاء بعد الصحابة مهما عمل من الأعمال فإنه لن يبلغ درجة الصحابة رضي الله عنهم وعظيمة فضلهم ومنزلت