شرح العقيدة الواسطية 5

شرح العقيدة الواسطية 5

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهوال يوم القيامة: البعث والميزان ونشر الدواوين

يبدأ اليوم بالبعث من القبور ووقوف الناس حفاة عراة، ثم نصب الموازين لوزن الأعمال والأشخاص والصحف. ثم تُنشر الدواوين فيأخذ كل إنسان كتابه بيمينه أو بشماله.

عرض الصحف والحساب يوم القيامة

يُعرض على كل إنسان صحيفة أعماله فيُحاسب المؤمن حساباً يسيراً ويُغفر له، بينما يواجه الكافر عذاباً شديداً بأخذ كتابه وراء ظهره. أعمال الكافر الصالحة تُحبط في الآخرة ولا تُجزى إلا في الدنيا إن شاء الله.

الحوض والصراط يوم القيامة

يُذكر حوض النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته وأحاديثه المتواترة، ومن يحرم منه، وعلاقته بالشريعة. ثم يُصف الصراط المنصوب على جهنم وكيف يعبر الناس عليه بسرعات متفاوتة بحسب أعمالهم، والكلاليب التي تخطف من يشاء الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته العقيدة الواسطية: قال: «وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاتا عراتا غرلا، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، فتنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، وتنشر الدواوين، وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾». يقول رحمه الله: «وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه»، أي: القيامة الكبرى. والقيامة الصغرى هي موت الإنسان؛ إذا مات الإنسان قامت قيامته. والقيامة الكبرى: يوم أن يبعث الله جل وعلا آمن في القبور. فبعد أن ذكر رحمه الله ما يحصل للإنسان في قبره من فتنة وسؤال الملكين، ثم إما أن يكون الإنسان في قبره معذبا، وإما أن يكون منعما. وبالنسبة للعذاب للكافر فهو مستمر؛ عذاب الكفار في القبور والحياة البرزخية فإنه مستمر إلى يوم القيامة، بدليل قوله جل وعلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، هذا يدل على استمرار العذاب في حق الكفار إلى يوم القيامة. وأما أهل الإيمان ممن عندهم ذنوب ومعاصي، إذا عذبوا في قبورهم فربما ينقطع عنهم العذاب، ولا يستمر؛ يعذبون ما شاء الله ثم يوقف عنهم العذاب. فإذا أراد الله جل وعلا إحياء الناس بعد موتهم، أنزل الله سبحانه وتعالى مطرا من السماء، فتنبت الأجساد كما تنبت الحبة في حميل السيل. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن كل شيء يبلى من الإنسان إلا عجب الذنب، إلا عجب الذنب، وهو عظم في أسفل الظهر، يقال له: العصعص، هذا لا تأكله الأرض، فيعيد الله عز وجل خلق العباد منه. ويحيي الله سبحانه وتعالى الناس بعد موتهم، فيأمر الله جل وعلا بالنفخ في الصور: نفخة الصعق أولا، فيصعق جميع من في السماوات ومن في الأرض، ثم ينفخ النفخة الثانية، وهي نفخة البعث: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. من الأجداث: أي من القبور، إلى ربهم ينسلون: أي ينطلقون ويتوجهون إلى الله سبحانه وتعالى. أهل الكفر يعني يفتجعون من هذه النفخة، ويقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، فيجيبهم أهل الإيمان: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. هذا الذي وعد الله جل وعلا أنه سيحييكم بعد موتكم ويبعثكم من قبوركم، وأخبر به الرسل، أخبر به الرسل أنكم ستبعثون بعد الموت. قال: «فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاتا عراتا غرلا». حفاتا: بلا نعل، وعراتا: بلا ثياب، وغرلا: أي غير مختونين. كما جاء في حديث عائشة في الصحيحين، في قول عليه الصلاة والسلام: «يحشر الناس يوم القيامة حفاتا عراتا غرلا، وأول من يكسى من الناس إبراهيم عليه السلام». قال: «وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق». كما جاء في الحديث: أن الشمس تدنو من الخلائق حتى تكون منهم على مقدار ميل. على مقدار ميل، قال الراوي: لا أدري أهو ميل المكحلة أو ميل المسافة. فيعرق الناس على قدر أعمالهم: منهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العرق إلى ترقوته، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، يعني: يغطيه، يغطيه العرق تغطية من كثرته. قد يقول قائل: كيف العرق يعني يغطيه؟ ألا يسيح العرق في الأرض ويذهب؟ نقول: هذه الأمور يعني نؤمن بها كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولا ندخل فيها عقولنا؛ يعني نحن على حسب علمنا وحسب إدراكنا نرى أن مثل هذا الشيء صعب، يعني أن يجتمع عرق إنسان حتى يغطيه، لكن هذا الأمر في الآخرة يعني ممكن، والله عز وجل لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. فيكون الناس على قدر أعمالهم، ثم تنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد، ودل على ذلك كثيرا، كما ذكر قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. والمراد بهذه الموازين: يعني الميزان حقيقي، ميزان حقيقي، ليس هو إقامة العدل فحسب كما يقول المعتزلة، وأنكروا أن يكون ثم ميزان حقيقي يوم القيامة توزن به الأعمال، على عادتهم بإنكار ما لم تبلغ عقولهم. والصحيح أن هذا الميزان ميزان حقيقي له كفتان، كما في حديث صاحب البطاقة، الذي يؤتى له بسجلات مد البصر ذنوبا، فيقول الله عز وجل له: «هل ظلمك كتبت الحافظون؟» فيقول: لا، فيقول: «هل لك عندنا من حسنة؟» فيقول: لا، فيقول الله عز وجل: «بلى»، فيؤتى له ببطاقة مكتوب فيها: «لا إله إلا الله»، فتوضع في كفة الميزان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فترجح بهن لا إله إلا الله، ولا يثقل مع اسم الله شيء». فدل هذا الحديث على أنه ميزان له كفتان، له كفتان حقيقية، والذي يوزن كما ذكر رحمه الله: أعمال العباد، أعمال العباد توزن، يعني: من صلاة وصيام وحج وقراءة للقرآن وبر الوالدين وحسن للجوار إلى آخره. ويدل على هذا حديث أبي هريرة في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». قوله: «ثقيلتان في الميزان»، معنى هذا: أن هذا الذكر وهذا الدعاء يوزن يوم القيامة، والله عز وجل قادر على قلب الأشياء المعنوية إلى أشياء حسية، إلى أشياء حسية، فتوزن في كفة الميزان. كذلك أيضا يوزن الأشخاص، كما في حديث أبي هريرة في قوله عليه الصلاة والسلام: «يؤتى بالرجل السمين العظيم من أهل النار، فلا يزن عند الله جناح بعوضة»، ثم تلا قول الله عز وجل: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. وهكذا أيضا توزن الصحائف، كما في حديث صاحب السجلات ذكرنا. أولا: هذه صحائف الأعمال هي التي توزن في الميزان. إذن: توزن الأعمال، وتوزن الصحائف، ويوزن الأشخاص، وهو ميزان حقيقي له كفتان. ومن ثقل ميزانه أفلح، من ثقل ميزانه كان من المفلحين الفائزين، ومن خف ميزانه كان من الخاسرين الهالكين. قال: «وتنشر الدواوين، وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله». كذلك أيضا تنشر الدواوين، أي: صحائف الأعمال التي فيها أعمال العبد، ما عمله في هذه الدنيا من خير ومن شر، فكله مسجل، مسجل عليه في صحيفة أعماله. والله جل وعلا يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾. رغم ينسى الإنسان عمله، لكن الله يحصيه، ما ينساه جل وعلا. وقال جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. وطائره في عنقه: يعني أعماله التي طارت، طارت به من خير وشر، كلها مسجل عليه، مجموعة له. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾، هذا كتاب أعمالهم، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. فالله جل وعلا جعل هذه الصحف حتى لا يكون للعبد حجة عند الله سبحانه وتعالى، فيرى أعماله بعينيه التي عملها في الدنيا، والتي سجلت عليه، وكتبها الملائكة الكاتبون، فلا يستطيع أن ينكر أو يجحد ذلك، وهذا من باب إقامة الحجة عليه، ولا يكون له حجة عند الله سبحانه وتعالى. فالناس ينقسمون عند صحائف الأعمال إلى قسمين: قسم يأخذ صحيفة أعماله بيمينه، وهؤلاء هم المفلحون. قال جل وعلا: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾. «ظننت»: معنى أيقنت، أني سأحاسب على أعمالي، فاستعددت لهذا اليوم. ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. وأما من أخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، يعني: في غرور وفرح وبطر، ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾، أي: أن لن يرجع إلى الله، ولن يحييه الله سبحانه وتعالى بعد موته، ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾. قال أهل العلم: يأخذ كتابه وراء ظهره بشماله، أي: بشماله من وراء ظهره، زيادة في التوبيخ والتقريع. فهذا أو هؤلاء هم الخاسرون، هؤلاء هم الخاسرون الذين يأخذون صحائف أعمالهم بشمالهم. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يأخذ صحيفة أعماله بيمينه. قال: «ويحاسب ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها». يقول: يحاسب الله الخلائق، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ إِلَيْنَ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. فأخبر الله أنه سيحاسب العباد، ويخلو جل وعلا بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر في الصحيح: «أن العبد يدنو من ربه جل وعلا، المؤمن يدنو من ربه، فيضع رب العزة جل وعلا عليه كنفه، كنفه: يعني حفظه وصيانته له، فيقرره بذنوبه، فيقرره بذنوبه: عملت كذا في يوم كذا وكذا، وعملت كذا في يوم كذا وكذا، فيقول: رب، أعرف، ما يستطيع أن ينكر، فيقول الله عز وجل: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم». هذا المؤمن، المؤمن يعني: ما يناقش في أعماله، ما يناقش. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب، من نوقش الحساب عذب»، يعني: من نوقش في أعماله وفي حسابه، ودقق عليه في كل أمر، هذا معناه أن يعذب. فقالت عائشة رضي الله عنها لما سمعت هذا: أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ذاك العرض، ذاك العرض، من نوقش الحساب عذب». فقوله جل وعلا: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، هذا في حق المؤمن، تعرض عليه أعماله عرضا، ما يناقش عليها ولا يحاسب عليها، أما من حوسب أو نوقش الحساب، فإن هذا يهلك، وكذلك يعذب ويؤاخذ بما عمل في هذه الدنيا. قال: «فيقرره بذنوبه، كما وصف، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة»، أو: «وصف ذلك في الكتاب والسنة». فيستر الله عز وجل هذا العبد كما ستره في الدنيا، فيعفو عنه يوم القيامة. وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم. الكافر مهما عمل من أعمال صالحة في الدنيا وهو على كفره، فإنه لا يجاز عليها في الآخرة، وتذهب عليه هباء منثورة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. فشبه الله عز وجل أعمال الكافر بالسراب الذي يراه الإنسان في طريقه في البعيد، في شدة الحر، يظنه ماء، فإذا جاءه، وإذا به ليس بشيء. وهكذا حال الكافر، أعماله التي يعملها من خير، فإنها تذهب عليه، ولا يجاز عليها في الآخرة. ولهذا لما قالت عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، ابن جدعان، أحد أقاربها، قالت: يا رسول الله، ابن جدعان كان يصل الرحم، ويقري الضيف، ويعتق الرقاب، هل ذلك نافعه؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». إنه لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، أي: أنه ما آمن، لو آمن لنفعته هذه الأعمال نفعته، لكن مات على الكفر، فلا ينفعه شيء مما عمله من الخير. ولهذا أيضا عدي بن حاتم رضي الله عنه، لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، أبي حاتم، حاتم الطائي المعروف والمشهور بالكرم والجود»، يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: أما كان عليه من الجود والكرم، هل هذا ينتفع به؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أباك أراد أمرا قد وجده، إن أباك أراد أمرا قد وجده»، يعني: أراد المدح، أراد المدح والثناء، وقد وجد ذلك، ما أراد ما عند الله سبحانه وتعالى. فلهذا الكافر مهما عمل من حسنات، فإنه يجاز عليها في الدنيا، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «الكافر يُعطى بحسنات ما عمل في الدنيا»، وأما المؤمن فإنه يُدخر له بحسنات ما عمل في الدنيا، ويجاز عليها في الآخرة. المؤمن يُعطى بحسنات ما عمل في الدنيا، ويجاز عليها في الآخرة. قالوا: في عرصات القيامة الحوض المورود للنبي صلى الله عليه وسلم، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا. كذلك أيضا مما يجب الإيمان به: الإيمان بما يكون في يوم القيامة من وجود حوض النبي عليه الصلاة والسلام، الحوض المورود للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في وصفه: أنه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر. جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين، وجاء ذكر ذلك أيضا في أحاديث أخر تبلغ مبلغ التواتر، تبلغ مبلغ التواتر في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بوجود هذا الحوض يوم القيامة، وأن من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، كما جاء ذلك في الصحيحين. وهذا الحديث، الحوض، كما ذكرنا متواتر، رواه أكثر من ثلاثين صحابيا، أكثر من ثلاثين صحابيا رواه عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومن أنكر حوض النبي عليه الصلاة والسلام، فهو حق أن يحرم من الشرب منه، هو حق أن يحرم من الشرب من حوضه عليه الصلاة والسلام. وهذا الحوض الأخروي، الحوض: عبارة عن مجمع الماء، عبارة عن مجمع الماء، فهذا الحوض عبارة عن مجمع للماء، له ميزابان من الجنة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من الكوثر الذي أعطى الله جل وعلا نبينا عليه الصلاة والسلام، في قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. وكما قال ابن القيم رحمه الله: الحوض حوضان، حوض في الدنيا، وحوض في الآخرة، حوض في الدنيا، وحوض في الآخرة. أما حوض الدنيا: فهي شريعة، شريعة النبي عليه الصلاة والسلام وسنته، من نهل منها فإنه سينهل ويشرب من حوض الآخرة. من شرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم، أي: من شريعته وسنته، فإنه سيشرب وينهل من حوض الآخرة. ومن لم يبالي بها، ولم ينهل من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه ربما يحرم من حوض الآخرة. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يذاد قوم عن الحوض يوم القيامة، يبعدون، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أصحابي، أصحابي»، فيقال: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لقد غيروا وبدلوا»، فأقول: «سحقا، سحقا لمن غير وبدل، سحقا، سحقا لمن غير وبدل». وهذا كما قال أهل العلم: يشمل طائفتين: الطائفة الأولى: من ارتد عن الإسلام، من ارتد عن الإسلام، فإنه يذاد عن حوض النبي عليه الصلاة والسلام. والطائفة الثانية: أهل البدع والأهواء، لأن أهل البدع غيروا وبدلوا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه أصحابه رضي الله تعالى عنهم. والمعتزلة كعادتهم أنكروا وجود هذا الحوض، وأنه لا حوض يوم القيامة، لماذا؟ قالوا: لأنه لم يرد إلا في أحاديث الآحاد، وأحاديث الآحاد لا تقبل في العقيدة. وقد مر التنبيه على بطلان هذا القول، وأن التفريق في الأحاديث بين الأحاديث المتواترة وأحاديث الآحاد في ثبوت العقائد، أو كذلك ثبوت الأحكام، تفريق مبتدع، هذه من بدع المعتزلة التي ابتدعوها. وإلا في الحديث: إذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وجب التصديق به، والإيمان به، وإثبات ما دل عليه من أمور العبادات، أو كذلك أيضا من أمور العقائد. قال رحمه الله: «والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يخطف خطفا ويلقى في جهنم. فإن الجسر عليه كلاليب، كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة. فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة». كذلك مما يكون في يوم القيامة: نصب الصراط على متن جهنم. والصراط: هو الطريق، هو الطريق، قد يكون واسعا، وقد يكون ضيقا، وغالبا إذا قيل: صراط مستقيم، بمعنى أنه لا اعوجاج فيه، ليس فيه طرق يمينا ويسارا. وإذا أطلق، فيحتمل ذلك أن يكون الصراط فيه شيء من الانعطاف في اليمين أو الشمال، والغالب أنه يكون مستقيما. فهذا الصراط منصوب على متن جهنم، أي: فوق نار جهنم، والمرور عليه يوصل العبد إلى جنة الله جل وعلا، يوصل العبد إلى جنة الله. وجاء في وصف هذا الصراط عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «بلغني أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف»، بلغني أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف. وهذا في مسلم، هو من البلاغات، فيكون مرسل صحابي، يكون مرسل صحابي. كذلك أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بأنه: مذحظة، مزلة، مذحظة، مزلة: يعني عرض للسقوط، عرض للسقوط، لمن مشى على هذا الصراط. وهو كما قال: الجسر الذي بين الجنة والنار، ويريد: بين الجنة والنار، يعني: ما يمر الإنسان ولا يصل إلى الجنة إلا بالمرور، بالمرور على هذا الصراط. والناس يمرون به بقدر أعمالهم، ليس المرور على الصراط بقوة الجسد، لا، وإنما بقدر عمل الإنسان في الدنيا. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله أيضا: الصراط صراطان، صراط في الدنيا، وصراط في الآخرة. صراط الدنيا: هي الشريعة، بقدر تمسك الإنسان بها والعمل بها، يكون مروره على صراط الآخرة. وكلما كان متأخرا في صراط الدنيا، ضعيفا متكاسلا، كان ضعفه في المرور على صراط الآخرة. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الناس يمرون على الصراط على قدر أعمالهم. والأنبياء، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم يقفون على طرفي الصراط، ودعوتهم: «اللهم سلم، سلم، اللهم سلم، سلم». هذا الصراط عليه كلاليب، تعرفون الكلاليب: الحديدة ذات الطرف المنعطف، ذات الطرف المنعطف. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كشوك السعدان»، شوك معروف، يعرفونه في المدينة، لكن المراد: التقريب، المعنى، تقريب المعنى. هذه الكلاليب تأخذ من أمر الله سبحانه وتعالى بإسقاطه في النار، إذا مر على الصراط، إذا قضى الله أن يلقى في النار، علق في هذه الكلاليب، فأسقطته في النار، عياذا بالله. قال: «فيمر الناس على قدر أعمالهم، منهم من يمر كلمح البصر»، كلمح البصر: في سرعة، «ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد»، الفرس الجواد: الذي قد هي للسباق والسرعة، «ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي مشيا»، أي: يمشي على رجله، «ومنهم من يزحف زحفا»، يعني: كل بقدر عمله،